مسألة: (السادس: قتل صيد البر، وهو ما كان وحشيا مباحا، فأما صيد البحر والأهلي وما حرم أكله فلا شيء فيه، إلا ما كان متولدا من مأكول وغيره)
192 paragraphs · vol. 5, p. 566
Page 5 of 5
- vol. 5, p. 614
أحدها: أن الله حيث ذكر الصيد، فإنما يعني به ما يصاد، كقوله: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: ٩٥] ، وقوله: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا [ق ٢٦٧] لَكُمْ} ، وإنما يستمتعون (١) بما يُصاد لا بالاصطياد. وقوله: {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} بعد قوله: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ} [المائدة: ١] .
-
الثاني: أن التحريم والتحليل في مثل هذا (٢) إنما يضاف إلى الأعيان، وإن (٣) كان المراد أفعال المكلفين، كقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: ٣] ، {أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: ٥] ، {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ ... غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ} ، {يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: ١٥٧] ، وهذا كثير في القرآن والحديث. ثم قال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ} [المائدة: ٩٦] ، فعُلم أن المراد نفس المصيد.
-
الثالث: أن قوله: {صَيْدُ الْبَحْرِ} المراد به ما يُصاد منه؛ لأنه عطف عليه، وطعامُه: مالحُه وطافِيه، فلا بدَّ أن يكون المقرون بالطعام هو النوع الآخر وهو الرطب المصيد (٤) ؛ ولأنه قال: {مَتَاعًا لَكُمْ} وإنما يُستمتع بنفس ما
vol. 5, p. 615يُصاد لا بالفعل، فإذا كان صيد البحر قد عُني به المصيد (١) ، فكذلك صيد البر؛ لأنه مذكور في مقابلته.
-
الرابع: أن الصحابة فسَّروه بذلك كما تقدم عنهم، ولم يُنقل عن مثلهم خلاف في ذلك.
-
الخامس: أن الفعل لا يضاف إلى البر والبحر إلا على تكلُّف، بأن يقال: الصيد في البر والصيد في البحر، ثم ليس مستقيمًا؛ لأن الصائد لو كان في البحر وصيده في البر لحرم عليه الصيد، ولو كان بالعكس لحلَّ له، فعُلِم أن العبرة بمكان الصيد الذي هو الحيوان لا بمكان الاصطياد الذي هو الفعل.
-
السادس: أنه إذا أطلق صيد البر وصيد البحر فُهِم منه الصيد البري والبحري، فيجب حملُ الكلام على ما يُفهم منه، وإذا كان المعنى: حُرِّم عليكم الصيد الذي في البر، فالتحريم إذا أضيف إلى العين (٢) كان المراد الفعل فيها.
-
وقد فسَّرت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن المراد فعلٌ يكون سببًا إلى هلاك الصيد، وأكلُ صيدٍ يكون للمحرم سببٌ في قتله بما ذكرنا عنه - صلى الله عليه وسلم -، كما فسّر قوله: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: ٢٢٢] على اجتناب الفروج خاصةً. ودلَّ على ذلك أشياء:
أحدها: أنه إنما حرم أكل الصيد؛ لأن إباحته تُفْضي إلى قتله، ولهذا بدأ الله سبحانه بالنهي عن قتله، فقال: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} ، ثم أتبعه بقوله:
vol. 5, p. 616{وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} ، فالمقصود من التحريم: استحياء الصيد واستبقاؤه من المحرمين، وأن لا يتعرَّضوا له بأذى، ولهذا إذا قتلوه حرم عليهم وعلى غيرهم، قطعًا لطمع الانتفاع به إذا قتله المحرم بوجه من الوجوه، فإذا كان الحلال هو الذي قد صاده كما أباحه الله له وذكَّاه لم يقع شيء من الفعل المكروه، فلا وجه للتحريم على المحرم. وخرج على هذا ما إذا كان قصد الحلال اصطياده للحرام، فإن المحرم صار له سبب في قتل الصيد وإن لم يقصده، فإذا علم الحلال أن ما صاده الحلال (١) لا يحل، كفَّ الحلال عن الاصطياد لأجل الحرام، فلم يبقَ للمحرم سببٌ في قتله بوجه من الوجوه، وصار وجود المحرم في قتل الصيد كعدمه.
-
الثاني: أن الصيد اسم للحيوان الذي يُصاد، وهذا إنما يتناوله إذا كان حيًّا، فأما بعد الموت فلم يُصَدْ، فإذا صاد المحرم الصيد وأكله، فقد أكل لحم الصيد وهو محرم، أما إذا كان قد صِيْد قبل إحرامه، أو صاده حلالٌ لنفسه ثم جاء به قَدِيدًا أو شِواءً أو قَدِيرًا، فلم يعترض المحرم لصيد البر، وإنما تعرض لطعامه، وقد فرَّق الله بين صيد البحر وطعامه، فعلم أن الصيد هو ما اصطِيدَ منه، والطعام ما لم يُصْطَدْ منه، إما لكونه قد طفا أو لكونه قد ملُح، ثم إنما حُرِّم على المحرم صيد البر خاصة دون طعام صيد، فعُلِم أنه إنما حرم ما اصطيد في حال الإحرام.
-
فإذا كان قد اصطاده هو أو اصطيد (٢) لأجله فقد صار للمحرم سببٌ في
vol. 5, p. 617قتله حين هو صيد، فلا يحلُّ له (١) . أما إذا صاده الحلال وذبحه لنفسه، ثم أهداه أو باعه للمحرم فلم يصادفه المحرم إلا وهو طعام لا صيد، فلا يحرم عليه، وهذا بيِّن حسن. وقد روي عن عروة عن الزبير أنه كان يتزوَّد صفيفَ الظباء في الإحرام، رواه مالك (٢) .
-
الثالث: أن الله إنما حرَّم الصيد ما دمنا حُرُمًا، ولو أحلَّ الرجل وقد صاد صيدًا أو قتله وهو محرم لحرم عليه بعد الإحرام، فعلم أن المقصود تحريمه إذا كان صيدًا وقت الإحرام، فإذا صيد قبل الإحرام أو صاده غير محرم، فلم يتناول الصيد وقت الإحرام، ولا تناوله أحد بسبب محرم، فلا يكون حرامًا في حال الإحرام، كما أنه لو تناوله أحد في حال الإحرام كان حرامًا في حال الإحلال.
-
الرابع: أن الصيد اسم مشتقٌّ من فعل؛ لأن معناه المصيد.
-
الخامس: أن الله [ق ٢٦٨] سبحانه وتعالى لو أراد تحريم أكله لقال: ولحم الصيد، كما قال: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: ٣] ، وذلك أن المحرَّم إذا كان لا حياة فيه كالدم والميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردّية والنطيحة أضيف التحريم إلى عينه؛ للعلم بأن المراد الأكل ونحوه. أما إذا كان حيًّا فلو قيل: والخنزير، لم يُدْرَ ما المحرَّم منه؛ أهو قتلُه أو أكلُه أو غير ذلك، فلما قيل: ولحم الخنزير عُلم أن المراد تحريم الأكل
vol. 5, p. 618ونحوه. فلما قال في الصيد: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ} [المائدة: ٩٦] ؛ عُلِم أن المراد تحريمُ قتله وتحريمُ الأكل الذي يفضي إباحته إلى قتله، لا مطلق تحريم أكل لحمه، وهذا حسنٌ لمن تأمله.
-
فعلى هذا إذا صِيد من أجل مُحرِم بعينه جاز لغيره من المحرمين الأكلُ منه. ذكره أصحابنا القاضي [وغيره] (١) . قال في رواية عبد الله (٢) : المحرم إذا اصِّيْدَ الصيدُ من أجله لا يأكله المحرم؛ لأنه من أجله صِيد، ويأكله غيره، ولا بأس أن يأكل المحرم من الصيد الذي لم يُصَد من أجله إذا صاده حلال.
-
وقد أخذ بحديث عثمان، وفيه: أنه أمر أصحابه بأكله ولم يأكل هو. وكذلك في الحديث المرفوع إن كان محفوظًا. ولأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «صيد البر حلال لكم وأنتم حُرُم ما لم تصيدوه أو يُصَدْ لكم» دليل على أن المحرم إذا لم يَصِدْه هو (٣) ولا صِيدَ له، فهو حلال وإن صِيْدَ لمحرِم آخر؛ ولأنه إذا لم يُصَدْ (٤) لهذا المحرم لم يكن له سبب في قتله.
فأما إن كان الصيد لنوع المحرِمين، مثل أن يكون أهل المياه والأعراب وغيرهم يُعِدُّون لحم الصيد لمن يمرُّ بهم من المحرمين يبيعونهم أو يُهدون لهم ... (٥) ، وكذلك إذا صادوه للرئيس وأصحابه.
vol. 5, p. 619وإن كانوا قد صادوه ليبيعوه (١) على المحرمين وغيرهم إذا اتفق، وإنما يتفق غالبًا المحرمُ، مثل مرارة الضبع التي تشتريه الناس من الأعراب ... (٢) .
-
فإذا أكل الصيد مَن صِيْد لأجله من المحرمين وجب عليه الجزاء، كما لو أعان على قتله بدلالة أو إشارة؛ لأن هذا الأكل إتلافٌ ممنوع منه لحقّ الإحرام. فضمنه بالجزاء كما لو قتله، بخلاف أكل لحم الصيد الذي قتله، فإن ذاك إنما يحرم لكونه ميتة.
-
فإن أتلف الصيد الذي صِيْد لأجله بإحراقٍ ونحوه بإذن ربه، ففيه وجهان:
أحدهما: يضمنه كالأكل.
-
والثاني: وهو أظهر، لا يضمنه؛ لأنه لم ينتفع على الوجه الذي قصد لأجله، وهو في (٣) نفسه ليس بصيد محترم، فأشبه ما لو حرق الطيب ولم يتطيَّب به، وهذا لأنه إذا أكله فكأنه قد أعان على قتله بموافقة قصد الصائد، فيصير ذلك ذريعة إلى قتل الصيد بسبب المحرمين. أما إذا أحرقه فليس ذلك مقصود الصائد.
-
وسائر وجوه الانتفاع من اللبس والتداوي ونحو ذلك مثل الأكل، وما لا منفعة أصلًا مثل الإحراق.
- vol. 5, p. 620
فصل
وكما يحرم قتل الصيد تحرم الإعانة عليه بدلالة أو إشارة أو إعارةِ آلةٍ لصيده أو لذبحه.
-
وإذا أعان على قتله بدلالة أو إشارة أو إعارة آلة ونحو ذلك، فهو كما لو شَرِكَ في قتله، فإن كان المُعان حلالًا فالجزاء جميعه على المحرم، وإن كان حرامًا اشتركا فيه؛ لما تقدم في حديث أبي قتادة أنه قال: فأبصَروا حمارًا وحشيًّا وأنا مشغول أخصِفُ نعلي، فلم يؤذنوني، وأحبُّوا لو أني أبصرته، والتفتُّ فأبصرته، فقمت إلى الفرس فأسرجتُه، ثم ركبت ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم ناولوني السوطَ والرمح، فقالوا: والله لا نُعِينك عليه، فغضبتُ فنزلتُ فأخذتُهما ثم ركبت. لفظ البخاري (١) .
-
وفي رواية لهما (٢) : «فجعل بعضهم يضحك إلى بعض، فنظرتُ فرأيته، فحملتُ عليه الفرس فطعنته، فأثْبتُّه (٣) ، فاستعنتُهم فأبوا أن يعينوني» (٤) .
-
وفي رواية: «فرأيت أصحابي يتراءون شيئًا، فنظرتُ فإذا حمارُ وحشٍ، يعني فوقعَ سوطه، فقالوا: لا نُعينك عليه بشيء، إنا محرِمون، فتناولتُه فأخذته» . هذا لفظ البخاري (٥) .
- vol. 5, p. 621
ولفظ مسلم (١) : «فإذا حمارُ وحشٍ، فأسرجتُ فرسي وأخذت رمحي ثم ركبتُ، فسقط مني السوط، فقلت لأصحابي وكانوا محرمين: ناوِلوني السوط، فقالوا: والله لا نُعينك عليه بشيء، فنزلتُ فتناولته» .
-
وفي رواية (٢) : «فسأل أصحابه أن يُناوِلوه سوطَه فأبوا، فسألهم رمْحَه، فأبوا عليه، فأخذه ثم شدَّ على الحمار فقتله» .
-
وفي الحديث (٣) : فلما أتوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: يا رسول الله إنا كنا أحرمنا، وكان أبو قتادة لم يُحرِم، فرأينا حُمُرَ وحشٍ، فحمل عليها أبو قتادة فعقَرَ منها أتانًا، فنزلنا فأكلنا من لحمها، فقلنا: أنأكل لحمَ صيدٍ ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها (٤) فقال: «هل معكم أحدٌ أمره أو أشار إليه بشيء؟» ، قالوا: لا، قال: «فكلوا ما بقيَ من لحمها» .
-
وفي لفظ لمسلم (٥) : «هل أشار إليه [ق ٢٦٩] إنسان منكم أو أمره بشيء؟» قالوا: لا، قال: «فكلوا» .
-
وللبخاري (٦) : «منكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟» قالوا: لا، قال: «فكلوا ما بقيَ من لحمها» .
- vol. 5, p. 622
وللنسائي (١) : «هل أشرتم أو أعنتم؟» قالوا: لا، قال: «فكلوا» .
-
فقد امتنع القوم من دلالته بكلام أو إشارة، ومن مناولته سوطَه أو رمحه وسمَّوا ذلك إعانة، وقالوا: لا نُعينك عليه بشيء إنا محرمون، وما ذاك إلا أنه قد استقرَّ عندهم أن المحرم لا يُعين على قتل الصيد بشيء.
قال القاضي (٢) : ولا خلاف أن الإعانة توجب الجزاء.
-
والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «منكم أحدٌ أمرَه أن يَحمِلَ عليها أو أشار إليها؟» فجعل ذلك بمثابة الإعانة على القتل، ولهذا قال: «هل أشرتم أو أعنتم؟» . ومعلوم أن الإعانة على القتل توجب الجزاء والضمان، فكذلك الإشارة.
-
وأيضًا ما روي عن عكرمة عن علي وابن عباس في محرِم أشار إلى بيض النعام (٣) ، فجعل عليه الجزاء (٤) .
-
وعن مجاهد قال: أتى رجل ابنَ عباس فقال: إني أشرتُ بظبيٍ وأنا محرِم، قال: فضمَّنه (٥) .
وعن ... (٦) أن رجلًا أتى عمر بن الخطاب، فقال له: يا أمير المؤمنين، إني أشرتُ إلى ظبيٍ وأنا محرم، فقتله صاحبي، فقال عمر لعبد الرحمن بن
vol. 5, p. 623عوف: ما ترى؟ قال: أرى عليه شاة، قال: فأنا أرى ذلك (١) . رواهنّ النجّاد.