الآثار الأدبية
539 paragraphs · vol. 1, p. 531
Page 3 of 14
- vol. 1, p. 551
ومرّة يجعل السمع والفؤاد خَلَفاً عن البصر في اجتلاء المحاسن فيقول:
vol. 1, p. 552نبئت عنها شكلاً فأعجبني، ... والسمع يكفيك غيبة البصر (١)
- وأجمل من هذا وذاك قوله:
-
يا قوم أذني لبعض الحيّ عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
قالوا: بمن لا تَرى تهذي؟ فقلت لهم: ... الأذن كالعين تولي القلب ما كانا (٢)
-
وهذه المعاني المتولدة عن تلك الروح الفياضة هي التي حملت الشيخ ابن عاشور على القول بصحة غرام بشار وعشقه. فقد كان ذا نفس خليعة تحب المجون، وجعل طريقة عشقه حُسن النغمة ورقة المزاج ولين الملمس وحلاوة الحديث. وهو يتوسل بذلك إلى أن يجيد النسيب، فإنه سَدى الشعر ولُحمته. ومما ينبئك بذلك أنك تجده يكثر في نسيبه وصفَ حُسن منطق النِّساء:
وكأنّ رَجْعَ حديثِها ... قِطَعُ الرياض كُسين زهرا (٣)
-
وإذا كنا ذكرنا أغراضه الشعرية: كالمديح والغزل اللذين تفوّق فيهما أيّ تفوّق، وأبدع فيهما كلّ إبداع، فإن أحاديث الملوك والنقاد، وهم أصحاب علمٍ بالعربية، وثقافةٍ بالشعر في عصره، لتدعونا إلى إرجاع النظر كرّتين لتلمّس إبداعه وفائق مقدرته.
-
أما المديح فقد سئل أبو عمرو بن العلاء وهو النقادة الخبير بكلام الشعراء، عن أمدح الناس. فقال: هو الذي يقول (يعني بشار) (٤) :
vol. 1, p. 553لمست بِكَفِّي كفَّه أبتغي الغنى ... ولم أَدْرِ أن الجود من كفّه يُعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدتُ، وأعداني فأتلفتُ ما عندي
وفي باب النسيب الذي فتحه على مصراعيه تاركاً امرأَ القيس فيه عيياً. وأبدع في وصف مشاكاة المتحابين، وتوسيط الرسل، ومراقبة الرقباء، وعذل العذال، بما لم يسبِق إلى تفصيل الوصف فيه أحدٌ من الشعراء. وبهذه المهارة وببديع تصرّفه في الأغراض الغزلية بزّ الشعراء وسار أتباعه منهم على إِثْرِه. وكانوا يتباهون بشعره. ويقلّدونه فيما يسعهم من روائعه مثل قوله (١) :
طال التنائي، فكل غير مُتّرك ... حتى تَرَيْ عاتباً منّا ومضطردا
حتى التقينا فمن شكوى ومَعْتَبة ... تَكرُّهاً، لا نخاف العين والرَّصَدا.
غاب القذى فشربنا صفو ليلتنا ... حِبَّين نلهو ونخشى الواحد الصمدا.
قالت: فَأَنَّى - بنفسي - جئتَ مسترقاً ... من العدو تخطّى الوعر والجَدَدا.
جورٌ أتى بك أم قصد، فقلت لها: ... ما زلت أقصد لو تُدنينَ مَن قصدا.
لا تعجبي لاجتيابي الليل منسرقاً ... ما كنت قبلكِ رِعديداً ولا بَلِدا
يا رب قائلة يوماً لجارتها: ... إن المرعّث همِّي غاب أو شَهِدا
وبقية أغراض الشعر التي عني بها بشار: الهجاء، والفخر، والحماسة، والوصف، والأدب. وجرب حظّه في الأراجيز.
-
فمن ذلك قوله في الفخر والحماسة:
إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو تقطر الدّما
إذا ما أعرنا سيداً من قبيلة ... ذُرَى منبر صلّى علينا وسلّما (٢)
- vol. 1, p. 554
وله في الوصف روائع من أجودها قصيدته في زفاف حبيبته وسفرها. ومنها طالعها:
دَعَوْتُ بِوَيْلٍ يوم رَاحَ عَتَادُها ... وأودعني الزفزافَ ليلة أدلجوا.
وقد زادني وجداً عليها وما درت ... مجامر في أيدي الجواري تأجّج.
وما خرجت فيهنّ حتى عذلنها ... قياماً، وحتى كادت الشمس تخرج.
فقامت عليها نظرة واستكانة ... تساقَط كالنشْوى حياءً وتَنْهَج.
وما كان منّي الدمعُ حتى توجَّهَتْ ... مع الصبح يقفوها الفنيد المسرّج (١) .
-
ومن بديع شعره في الأدب:
إني وَعَيْشِكَ يا عبّادَ فاستمعي ... لو أبتغي فوق هذا الحب لم أزد
كأنّ قلبي إذَا ذِكراكُمُ عَرَضت ... من سحر هاروت أو ماروت في عقد
ما هبّت الريح من تلقاء أرضكُمُ ... إلا وجدت لها برداً على الكبد
ولا تيمّمت أخرى أستسرُّ بها ... إلا وجدت خيالاً منك بالرَّصد
فهل لهذا جزاءٌ من مودتكم ... مُرَوّع القلب بالأحزان والسُّهُد (٢)
-
ومن بديع ما يروى له في الأدب والحكمة وضرب الأمثال، ميميته التي يقول فيها:
فقل للخليفة إن جئته ... نصوحاً ولا خير في متّهَم.
إذا أيقظتك حروب العدى ... فنبّه لها عمراً ثم نم.
فتى لا ينام على ثأره ... ولا يشرب الماء إلا بدم.
إذا ما غزا بشَّرت طيرُه ... بفتح، وبشَّرنا بالنعم (٣) .
- vol. 1, p. 555
وتدبُّر هذه الألوان الفنية الرائعة من الشعر يعود بنا إلى التعرف على شخصية بشار الأدبية ومنزلتها بين أعلام الشعر في الأدب العربي. فهو المحافظ على النهج العربي السليم، الداعم له، والسائر على وفق قوانينه، مع ما ابتكره من صور، وعرض له من أغراض، طوّر بها الشعر وناسب بينها وبينه بما يليق بعصره، ويتماشى مع الحداثة التي كان يتطلع إليها كثير من أهل الفن في ذلك الزمن.
-
وأكثر شعر بشار ممّا جاشت به نفسه، وسمت به روحه، ورشحت به مواهبه. لم ينظم منه أبداً عن طلب، ولا أجاب فيه لِاقتراح أحد إلا قليلاً.
-
ومما يُستثنى من هذا الوصف ما جرت به فكاهات المجالس، أو ذُكر في النوادر، أو سَمَحت به نفس شاعر يجيز. فمن ذلك طَلَب المهدي من بشار أن يقول في الحب شعراً، يجعله فيه قاضياً بين المحبّين من غير تسمية أحد ولا إطالة. فقال على البديهة:
اجْعلِ الحُبَّ بين حِبِّي وبيني ... قاضياً، إنَّني به اليوم راضِ
فاجتمعنا، فقلت: يا حِبَّ نفسي ... إنّ عيني قليلة الاغتماض
أنت عذّبتني، وأنحَلتَ جِسمي ... فارحم اليوم دائم الأمراض
قال لي: لا يحلُّ حكمي عليها ... أنت أولى بالسّقم والإحراض
قلت لمّا أجابني بهواها: ... شمل الجورُ في الهوى كل قاض (١)
-
ومن أبرز أنواع الشعر وأشهرها الأراجيز. وهي لون فريد بديع صعب من الشعر. تفرد به كبار الحذاق من الشعراء، وأهل المعرفة باللغة، والإخباريون، وأصحاب القدرة على نسجه.
- vol. 1, p. 556
وقد جاء مبيناً هذه الحقيقة ما دار بين الراجز عقبة بن رؤبة ابن العجاج، وبين بشار في مجلس والي البصرة. واتّهم الراجز بشاراً قائلاً له: هذا طراز يا أبا معاذ لا تنسجه. فاستشاط شاعرنا غضباً عليه. وقال له: ألِمثلي يقال هذا الكلام؟! أنا والله أرجز منك ومن أبيك وجدِّك. وأنشد الوالي في الغد بذلك المجلس أرجوزته الفائقة:
يا طللَ الحيِّ بذات الصَمْدِ ... باللَّه حدّث كيف كنتَ بعدي.
أوحشتَ من دَعْد ونُؤْيِ دَعدِ ... بعد زمانٍ ناعمٍ ومَرْدِ،
عهداً لنا، سَقياً له من عهدِ؛ ... إذ نحن أخياف بما نؤدِّي (١) .
-
وهي طويلة تزيد على مائتي بيت. فلمّا فرغ من إنشادها طرب عقبة بن سَلم وأجزل صلته. وقام عقبة بن رؤبة فخرج من المجلس بخزي، وهرب من تحت ليلته (٢) .
-
وبعد هذه الجولة التي أخَذَنَا فيها الإمام الأكبر إلى أجمل الرياض وأحسنها، وأزهاها وأطيبها، نحاول أن نجد لروائع القصائد والأشعار التي مررنا بها سنداً في الحكم أو تعليلاً، وسبباً للانبهار بما قرأناه أو سمعناه أو رويناه من هذه الغرر الشعرية، فلم نلف من ذلك الأنماط الأدبية السحرية. وإننا لا نترك إمامنا في الاهتداء إلى ذلك، بل نسير معه بخطى وئيدة استكمالاً للروعة، واستزادة من المتعة.
-
وقد كان بشار ممَّن وصفه النقاد بالتقدم والإجادة بين معاصريه فيما ينظمه من قصائد ويُعرف عنه من روائع.
-
قال الجاحظ وهو يتحدث عن كوكبة من فحول الشعر في عصر
vol. 1, p. 557المولدين مناظراً بينهم وموازناً بين مقاماتهم. فلم يكن فيهم أصوبُ بديعاً من بشار وابنِ هرمة والعتابي. وكان العتابي يحتذي حذو بشار في البديع ...
-
والمطبوعون على الشعر من المولدين، بشار والسيد الحميري وأبو العتاهية وابن أبي عيينة وسَلم الخاسر ويحيى بن نوفل وخلف بن خليفة وأبان بن عبد الحميد، وبشار أطبعُهم كُلِّهم. فهو من أصحاب الإبداع والاختراع، المتقنين للشعر، القائلين في أكثر أجناسه وضروبه.
-
والشواهد على هذا كثيرة تضمنتها بطون أمهات كتب الأدب والنقد.
قال الرشيد: بشار أمدح الناس شعراً حيث يقول:
ليس يعطيك للرجاء ولا الخو ... ف، ولكن يلذ طعم العطاء (١)
يسقط الطير حيث ينتثر الحبّ ... وتغشى منازل الكرماء.
-
ومن مستحسن شعره الذي تفوَّق به على غيره ما ذكره أبو حاتم حين سُئل عن أشعر الناس؟ فقال: الذي يقول (يعني بشاراً) :
ولها مبسِمٌ كثغر الأقاحي، ... وحديثٌ كالوشي وشي البرود.
نزلت في السواد من حبة القلـ ... ـب ونالت زيادة المستزيد.
عندها الصبر عن لقائي، وعندي ... زفرات يأكُلن صَبر الجليد (٢) .
-
وهو مبرَّأ بين الأدباء مما وقع فيه كثير غيره من سرقة الشعر. فقد ذكر الخطيب البغدادي عن علي بن يحيى بن منصور أحد
vol. 1, p. 558أصحاب إسحاق الموصلي. قال: ما عرف بشار بسرقة شعر جاهلي ولا إسلامي (١) .
-
ويمكن أن نضمّ لهذه الملاحظات المتعلقة بشعر بشار موقفين نذكر منها: ما روي عن الأصمعي من قوله مقارناً بين بشار ومروان بن أبي حفصة أيّهما أشعر؟ قال: إن مروان سلك طريقاً كثُر من يسلكه. فلم يلحق بمن تقدّمه، وشركَه فيه من كان في عصره. وبشار سلك طريقاً لم يُسلك وأحسن فيه وتفَرّد به. وهو أكثر تصرفاً في فنون الشعر، وأغزر وأوسع بديعاً. قال: وقد وجدت أهل بغداد قد ختموا الشعراء بمروان، وبشار أحق بذلك منه. وما كان مروان في حياة بشار يقول شعراً حتى يصلحه له بشار ويقوّمه. فبشار مطبوع لا يكلّف طبيعته شيئاً متعذّراً. وكان الأصمعي يُشَبِّه بشاراً بالأعشى والنابغة، ويلحق مروان بزهير والحطيئة. ويقول: هو متكلِّف.
-
وكان أبو عبيدة يفضل بشاراً على مروان (٢) .
-
الموقف الثاني: موقف الجاحظ منه حين بلغه أنهم يقارنون بين بشار وحماد. فقال: وما ينبغي بشار أن يناظر حماداً من جهة الشعر وما يتعلق بالشعر، لأن حماداً في الحضيض، وبشاراً مع العيّوق. وليس في الأرض مولّد قروي يعدّ شعره في المحدَث إلا بشارُ أشعرَ منه ... ومع هذا فإنا لا نعرف بعد بشار أشعر منه (٣) .
-
ومن دلائل استقرار هذا الإعجاب بشعر بشار في النفوس أن نوّه المحكِّمون ببديع نظمه ورائع شعره. وقد وردت في مختلف
vol. 1, p. 559دواوين الأدب شواهد من ذلك تدل على اهتمام أهل اللغة وأهل الصناعة به. نجد أكثر ذلك عند اللغويين في كتب: العين، وتهذيب اللغة، والتنبيه والايضاح، وجمهرة اللغة، والمخصّص، واللسان، والتاج، والنهاية. كما نجده في كتب الأدب والصناعة مثل: الأغاني، والصناعتين، وطبقات الشعراء، والحماسة البصرية، وعيون الأخبار، وشرح المرزوقي لديوان الحماسة وغيرها. ومن بين هذه الشواهد من شعر بشار:
- قُل ما بدا لك من زور ومن كذب ... حِلمي أصمّ وأذني غير صمّاء
- أخوك الذي إن رِبْتَه قال: إنّما ... أربتَ وإن لم ينته، لان جانبه (١)
- وفرعٌ زان متنيك ... وزانته التقاصيب
- فإذا ظهرت تقنَّعي ... بالحُمر، إنّ الحُسن أحمر (٢)
- مع قول بشار:
-
لخدّك من كفيك في كل ليلة، ... إلى أن ترى وجه الصباح، وسادُ
تبيت تراعي الليل ترجو نفاده، ... وليس لليل العاشقين نَفاد (٣) .
- vol. 1, p. 560
ومثَّل عبد القاهر الجرجاني أيضاً للنظم يتّحد في الوضع، ويدقّ فيه الصنع بقول بشار:
كأنّ مُثار النقع فوقَ رؤوسنا ... وأسيافَنا، ليلٌ تهاوى كواكبه
- وهو قرين لبيت امرىء القيس:
-
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العُناب والحشف البالي
- ولبيت الفرزدق:
-
والشيب ينهض في الشباب كأنَّه ... ليل يصيحُ بجانبيه نهار (١)
-
وقد قدم صاحب دلائل الإعجاز لهذه النظائر بقوله: ومما ندر من الشعر، ولطف مأخذه، ودقّ نظر واضعه، قول بشار:
كأنّ مثار النقع فوقَ رؤوسنا ... وأسيافَنا، ليلٌ تهاوى كواكبه.
-
ثم عقّب على ذلك الجرجاني بقوله: "وانظر هل يتصوّر أن يكون بشار قد أخطر معاني هذه الكلم بباله أفراداً عارية من معاني النحو التي تراها فيها، وأن يكون قد وقع " كأنّ " في نفسه من غير أن يكون قصد إيقاع التشبيه منه على شيء، وأن يكون فكَّر في مُثار النقع من غير أن يكون أراد إضافة الأول للثاني، وفكر فى فوق رؤوسنا من غير أن يكون قد أراد أن يضيف فوق إلى الرؤوس، وفي الأسياف من دون أن يكون إيراد عطفها بالواو على مُثار" (٢) .
-
ثم جرى على هذا النحو من التفصيل في إبراز حقيقة النظم بقوله:
vol. 1, p. 561"وليت شعري كيف يتصوّر وقوع قصد منك إلى معنى كلمة من غير أن تريد تعليقها بمعنى كلمة أخرى" (١) .
-
وفي المقارنة بين بيت بشار هذا وقول امرىء القيس:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العنابُ والحشف البالي
- وبينه وبين قول زياد:
-
وإنّا وما تُلقي لنا إن هجوتنا ... لكالبحر، مهما يُلقَ في البحر يغرق