الآثار الأدبية

539 paragraphs · vol. 1, p. 531

Page 4 of 14

  1. وكذلك بينه وبين بيت الفرزدق:
  2. وما حملت أم امرىء في ضلوعها ... أعقّ من الجاني عليها هجائيا

    يثبت الجرجاني أن لبيت بشار مزيةً على قول الفرزدق لأنك تجد في صدر بيت الفرزدق جملة تؤدي معنى، وإن لم يكن معنى يصح أن يقال: إنه معنى فلان، ولا تجد في صدر هذه الأبيات ما يصحّ أن يعدّ جملة تؤدي معنى، فضلاً عن أن تؤدي معنى يقال: إنه معنى فلان. ذلك لأن قوله: "كأن مُثار النقع إلى أسيافنا جزء واحد. وليل تهاوى كواكبه بجملته الجزء الذي ما لم تأت به لم تكن قد أتيت بكلام" (٢) .

  3. ومما ورد بشأن هذا البيت أيضاً سبقُ بشار إلى معنى مستجاد فيه، نازعه في ملاحظته غيرُه، ولكنه لتأخّر هذا عن المبادرة إليه، يكون الأول قد غلب عليه. ولهذا قضى الجاحظ لبشار في بيته هذا بعد أن ذكر نظائره. ثم قال: وهذا المعنى قد غلب عليه بشار كما غلب عنترة على قوله:

    vol. 1, p. 562وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غرداً كفعل الشارب المترنّم

    هزِجاً يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم (١)

  4. ومما له علاقة بقضايا النحو إتيانك بالذي، التي يجاء بها كثيراً على أنك تقدر شيئاً في وهمك ثم تعبّر عنه بالذي. ومثاله قول بشار:

    أخوك الذي إن ربْتَه قال: إنما ... أرِبت، وإن عاتبته لان جانبه

    يقول الجرجاني: "إنك بهذا قدرت إنساناً هذه صفته وهذا شأنه.

  5. وعرض صاحب دلائل الإعجاز إلى قول بشار:
  6. بكّرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير

    وذكر إنكار خَلف عليه قوله: إن ذاك النجاح في التبكير، واقتراحه استبداله ببكرا فالنجاح في التبكير. وهنا يستوقفنا الإمام عبد القاهر، ويبيّن محل كلمة "إنّ" وموضعها من الجملة في قول بشار هذا (٢) .

  7. وقد عدّ حازم القرطاجني مما اختير في المبادي أي من الإبداع في الاستهلال بيت بشار هذا. وذكر معه من البدايات الجميلة مطالع قصائد للنابغة والأعشى والقطامي وأبي تمام والبحتري وغيرهم (٣) .

  8. وشاعر كبشار بلغ من العلم ما بلغ، وسبق أهل عصره في إبداعاته ومبتكراته، لم يخل من حاسد أو كائد أو منافس. ومن ثم فإن دواوين الأدب، مهما جمعت له من نصوص تنطق بتفوّقه، وتشهد

    vol. 1, p. 563له بكونه المخضرم واسطةَ عقد العصر الإسلامي الأول وعصر المولدين، فقد ذكر له خصومه ومن هو قريب من طبقته أبياتاً ضعيفة ومعاني سخيفة لتستوقف الناظر والباحث.

    قال خلاد بن مهرويه لبشار: إنك تجيء بالشيء الهجين المتفاوت، بينما تقول شعراً يثير النقع ويخلع القلوب. وقارن مخاطبه بين بيتين له وبين قوله:

    إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو تمطر الدَّمَا

  9. وقوله:
  10. ربابة ربّة البيت ... تصبّ الخلّ في الزيت

    لها عشر دجاجات ... وديك حسن الصوت

    فأجاب بشار: لكلّ وجهٍ موضع.

  11. واستغرب بعض النقاد الفارق الكبير بين قوله:
  12. قد زرتنا مرّة في الدهر واحدة ... عودي، ولا تجعليها بيضة الديك

  13. وقوله:
  14. إنما عظمُ سُليمى خُلَّتي ... قصَب السكر لا عظم الجمل

    واذا أدنيت منها بصلا ... غلب المسكُ على ريح البصل

    فكان بشار في كل ما اعترض به عليه يقول: إنما الشاعر المطبوع كالبحر: مرّة يقذف صدفة ومرة يقذف جيفة.

  15. وممن ابتلي به بشار من الخصوم في عصره إسحاق الموصلي (١) . فقد كان يتتبع سقطاته ويضع من شعره وينسب الجميل

    vol. 1, p. 564منه إلى غيره. ولم يسعه بعد طول تردّد، ونسبة بعض نظمه إلى غيره كالمتلمس ونحوه، أن يظهر إعجابه وتَسليمه بتقدم بشار في قوله يمدح مروان بن محمد:

    جفا جفوة فازورّ إذ ملّ صاحبه ... وأزرى به أن لا يزال يصاحبه (١)

  16. ومنها:
  17. إذا كنت في كل الأمور معاتباً ... أخاً لك، لم تلق الذي لا تعاتبه

    فعش واحداً، أو صِلْ أخاك فإنَّه ... مقارف ذنب مرّةً ومجانبُه

    إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت، وأي الناس تصفو مشاربه

    وبسبب المكانة العالية التي فرض بها بشار وجوده، ومن أجل إقبال الشعراء على أدبه، وتسابقهم إلى حفظه وروايته، احتل هذا الشاعر الكبير بين معاصريه مرتبة متميزة. وأصبحت تعرض عليه روائع الشعر في عصره، أو يحدّث في مناسبات كثيرة بنصوص مختلفة من الشعر فيقارن بينها، ويبدي رأيه فيها. فهو إلى جانب ملكته الأدبية ومواهبه الشعرية، نقادة بصير بوجوه الكلام، يجيد الفهم لما يقال، والحُكم فيما يسمع.

  18. ومثال قدرته على التفريق بين أقاويل الشعر وما نسب منها إلى أصحابها قولُه حين سمع أحدهم ينشد للأعشى:

    وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا

    هذا بيت مصنوع، ما يشبه كلام الأعشى.

    وقال أبو عبيدة: كنت من نحو عشرين سنة جالساً يوماً عند يونس. فقال: حدثنا أبو عمرو بن العلاء أنه صنع هذا البيت وأدخله

    vol. 1, p. 565في شعر الأعشى. فعجبوا من فطنة بشار، وصحّة قريحته، وجودة نقده للشعر.

  19. وفي مقدمة ديوان بشار نجد الشيخ ابن عاشور يبني ملاحظاته وآراءَه في شعر أبي معاذ المرعَّث على أصول وقواعد ثابتة: منها التئام العربية بما يكون فيها من ارتباط بين الألفاظ والأحكام. وهذه الألفاظ أو المفردات نوعان:

    النوع الأول: كلمات موضوعة للدلالة على المعاني الخاصة، وهي الجوامد من أسماء الأعيان، ومن الحروف، والأفعال الجامدة، وأسماء المعاني، والمصادر الدالة على الأحداث لا على الذوات.

  20. النوع الثاني: الصيغ الدالة على معانٍ هي صورة لمعاني المصادر، زائدة عليها، كدلالة فَعَل على المضي، ويَفعَل على الاستقبال، وفاعل على المتلبس بالفعل، ومعاني صيغ أخرى كثيرة نذكر من بينها صيغ مفعل، مفعال، ومفعلة. وكلها يدل على الآلة التي يحصل بها الحدث المستفَاد من المَصدر. ومَوضع معرفة ذلك علم متن اللغة والتصريف.

  21. وأما الأحكام فهي الكيفيات الترتيبية التي يتألف الكلام العربي منها تألفاً مطرداً ولو بوجوه متعدّدة. ولو خَرج انتظام الكلام عن تلك الكيفيات لكان غير جار على وفق ما تكلّم به العرب، ولأصبح عسير الفهم على أهل هذه اللغة. وموضع الوقوف على هذه الألفاظ والأحكام المستمدة منها علوم النحو والبلاغة والعروض. وقد ذكرنا من قبل استخدام الشيخ الطريقة التطبيقية في غالب شروحه. وذلك اعتماداً على ما أشار إليه عبد القاهر الجرجاني في قوله: ومما ينبغي أن يعلمه الإنسان ويجعله على ذكر أنه لا يتصور أن يتعلق الفكر

    vol. 1, p. 566بمعاني الكلم أفراداً أو مجردة من معاني النحو. فلا يقوم في وهم ولا يبلغ في عقل أن يتفكّر متفكّر في معنى فعل من غير أن يريد إعماله في اسم، ولا أن يتفكّر في معنى الاسم من غير أن يريد إعمال فعل فيه، وجعله فاعلاً أو مفعولاً، أو يريد فيه حكماً سوى ذلك من الأحكام مثل أن يريد جعله مبتدأً أو خبراً أو صفة أو حالاً أو ما شاكل ذلك (١) .

  22. هذا وقد فرّق العلماء بين ما اجتمع لهم من ذلك من القياسي والمخالف للقياس. وبيّن الإمام الأكبر المتفرع ذاته إلى أنواع من الشذوذ: منها ما يكون قياساً مع كونه لم يسمع عن العرب إلا نادراً، ومنها ما يكون على قياس مع شذوذه. وهذا مقابل للأول. فإذا اجتمع الشذوذ ومخالفة القياس فاستعمال اللفظ مستقبح، وإذا انفردت مخالفة القياس مع الشيوع فالاستعمال جائز، وإذا انفرد الشذوذ مع القياس فهو محلُّ خلاف بين أهل اللغة. ومن تلك الأنواع أيضاً ما يجري اللفظ فيه على القياس مع كونه غير مسموع عند العرب. وهذا يكون العمل به مشروطاً بكون القياس قابلاً له، ولم يأت فيه شيء ينقضه. وهو محلُّ خلاف بين أبي الحسن الأخفش وسيبويه.

  23. وأتبع المؤلف هذه التقسيمات بذكر مَن يحتج بقولهم من العرب، وهم المتبدّون الذين لم يدخلوا الحواضر. وجعل من بينهم بشاراً. فهو قد أدرك العرب الباقين من بني عامر بن صعصعة، ولم يخلط في معاشرته بين العرب والمولدين. وهو اعتباراً لنشأته لا يُتَّهم بأنه يخترع لغة أو يقيس فيها على غير أصل. فما نجده في شعره، من صيغ لمواد عربية مما لا شاهدَ لثبوته باتفاقهم، عربي السليقة،

    vol. 1, p. 567وذكر من المولّدين الذين وقع الاحتجاج بلغتهم في كلامهم وأشعارهم الإمام محمد بن إدريس الشافعي، والمتنبي، والزمخشري، ومعاصري بشار أمثال العجاج، ورؤبة بن العجاج، وذي الرمة، وأبي النجم، والراعي (١) .

  24. ورغم هذه المكانة العالية لبشار في اللغة وتصاريفها كان محلَّ نزاع فيما بدر منه من مخالفات اللسان أو القواعد بين عدد من علماء العربية والبلاغة.

  25. وبقراءة متأنِّية أمكن للشيخ ابن عاشور، أن يقف على عدة مخالفات أو تجاوزات لغوية وعربية وقعت في شعر بشار (٢) .

  26. فمن أخطائه اللغوية قوله:

    دع عنك حماداً وخُلقانه ... لا خير في خُلْقان حماد

    فقد جاء بخلقان جمعاً لخُلق، وهو في العربية جمعُ خَلَق، ولا يصح قياس الأول على الثاني لأنهما ليسا من باب واحد، كما لا يصح أن يكون خلقان مصدراً كالكفران والغفران والسكران. فتعيّن أن يكون بشار قد سمع هذا اللفظ من العرب فأجازه. ولا يصحّ اعتبار خلقان جمعاً لخَلَق هنا، فإن الأبيات في سياق الشاهد تؤكد تخريج الشيخ ابن عاشور. قال بشار:

    يا طالب الحاجات لا تعصني ... واسمع فإني ناصح هاد

    دع عنك حماداً وخُلقانه ... لا خير في خُلقان حماد

    الموثر الرأسَ على ربه ... والجاعل الخنزير في الزاد

    vol. 1, p. 568برئت من هذا ومن دينه ... يصبح للخشف بمرصاد (١)

  27. ومن ذلك توسُّعُه في اشتقاق الأفعال، لكونه أخفّ من القياس على الأسماء: وكذلك عدم اكتراثه بالتعدية واللزوم، واستعماله القاصر متعدياً كما في لفظ آدوا من قوله:

    وحاسد قبّة بنيت لروح ... أطال عمادها سلف وآدوا (٢)

  28. فآد بمعنى اشتد وقوي. والمعروف في لسان العرب أنه قاصر.

  29. وكان بشار مع إدلاله بعلمه وأدبه، وسعة معرفته بكلام العرب نثره وشعره، لا يأبه أن يأتي في نظمه بما يفارق أحكام العروض. فقوله:

    تحمّل الظاعنون فأدلجوا ... والقلب منِّي الغداة مُختلَج (٣)

  30. من بحر المنسرح. وهو أحد البحور التي تمتاز بعض أوزانها بأناقة التعبير ورصانته، وكأنه منبثق من الكامل. ووزنه:

    مستفعلن مفعولات مستفعلن ... مستفعلن مفعولات مفتعلن

  31. ومنه قول بعضهم:
  32. إن ابن زيد لا زال مستعملاً ... للخير يفشي في مصره العرفاء

    وهذا البيت من المنسرح، عروضه صحيحة، وضربه مطوي.

  33. وقد استعملها بشار في الشاهد الذي ذكرناه من شعره بعروض مطوية وضرب مطوي، آتياً هكذا بالعروض والضَّرب كليهما على وزن مفتعلن. ولم يكتف بهذا في البيت الأول، ولكنه جرى عليه في كامل أبيات القصيدة. فقال في الثاني:

    vol. 1, p. 569بانوا كخود كأن رؤيتها ... بدر بدا والظلام مرتهج (١)

    قال الشيخ رحمه الله: ولو اقتصر على ذلك في البيت الأول لاغتفر، لأن القصيدة إذا وقع فيها التصريع يكون المصراع الأول على وزان الثاني عروضاً وضرباً.

  34. وتكرر هذا في قصيدته من بحر المجتث التي مطلعها:

    يا مالك الناس في مسيرهم ... وفي المقام الخير من رهبه

    لا تخش عذري ولا مخالفتي ... كل امرىء راجع إلى حسبه

    وأصل وزنه:

    مستفعلن فاعلاتن فاعلاتن ... مستفعلن فاعلاتن فاعلاتن

    كما شذّ استعماله عند المولدين تاماً. وهو غير مسموع عند العرب، سداسي يزعم فيه التمام، على نحو ما رسمه الخليل في الدائرة الرابعة، وإنما هو مجزوء وزنه:

    مستفعلن فاعلاتن ... مستفعلن فاعلاتن

  35. وبهذا الوزن يكون اجتثاثه من الخفيف، كقول الشاعر:
  36. ما قاله وهو إفك ... ذو فرية وهو باغ

    والتزم بشار في قصيدته هذه زحافين تخفيفاً لثقل الوزن، وهما زحاف الكف في فاعلاتن الأولى، وزحاف القبض في فاعلاتن الثانية، فصارتا في الصدر والعجز على فاعلتن (٢) .

  37. ومن هذا القسم الأخير من المقدمة المتعلق بالكشف عن بعض

    vol. 1, p. 570مخالفات بشار وأخطائه، يبدو لنا تباين مواقف أهل اللغة والبلاغة إزاء أدبه وشعره. ومما يرجح القول بإجادته، وأنه القرم والفحل في فنه، واعتداده بعلمه، وسلامة لغته، وإحاطته الواسعة بالصحيح من مادتها، أنه كالعرب القدامى لا يجد حرجاً في الخروج عن قواعدها والتصرف في مبانيها من حين إلى آخر، لسليقته، وعدم إمكانية اتهامه بالجهل، ولكونه بحكم نشأته ومعارفه حجة في نفسه في العربية ومرجعاً للمتكلمين بها.

  38. وديوان بشار الذي نشره الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، بعد جمعه وتحقيقه وشرحه، أكملُ نصاً، وأصحُّ مادة من سائر ما نشر من شعر بشار حتى اليوم، وهو يقع في ثلاثة أقسام:

    الأول: مقدمته النفيسة التي سبق لنا التنويه بها.

  39. الثاني: ديوان بشار كما ورد في النسخة الأصلية من اقتناءات الإمام الأكبر.

  40. الثالث: مستدركات لناشر الديوان على ما توفّر له من شعر بشار. وذلك بما ضمّه إليه من نصوص جديدة عثر عليها أثناء مطالعاته الواسعة في كتب الأدب المختلفة.