الآثار الأدبية

539 paragraphs · vol. 1, p. 531

Page 5 of 14

  1. وإنا لنلاحظ به وجود فقرات في نهاية المقدمة، تشتمل على أخبار ومعلومات وفرائد، لها علاقة متينة بشعر بشار، وبمنهج المحقق في إعداده العلمي والفني للديوان.

    vol. 1, p. 570
  2. أما المصادر التي احتفظت بقسم من أشعار بشار، رغم ما قدّر على أدبه من الاحتجاب، ورغم خلو المجالس والمنتديات من ذكره أو الحديث عنه، حتى دُعي شعر بشار بحلقة الأدب المفقودة، فهي الأجزاء الثالث والخامس والسادس والسابع والثالث عشر من كتاب

    vol. 1, p. 571الأغاني للأصفهاني، وقسم تضمنه كتاب أمالي الشريف المرتضى الموسوي، وما وراء ذلك فأوزاع في كتب الأدب. وبعد حين من الزمن بُعِثَ شعر بشار على أيدي أبي بكر محمد وأبي عثمان الخالديين الموصليين في مصنف دَعَوَاه المختار من شعر بشار.

  3. وسبقت عصرنا الحاضر طائفة من المؤلفين والمحققين في القرن الماضي أسهموا في إحياء هذا التراث البديع، فكان منهم السيد أحمد حسنين القرني الوراق المصري صاحب المكتبة العربية بالقاهرة. أصدر كتاباً أسماه بشار بن برد، شعره وأخباره. تمَّ طبعه بمطبعة الشباب بمصر ١٣٤٣.

  4. والأستاذ الأديب حسين منصور المصري بوضعه لكتاب بشار بن برد بين الجد والمجون. وهو كتاب جامع لمعظم ما هو متناثر من شعر بشار في كُتب الأدب. طبع بمصر بالمطبعة الرحمانية ١٣٤٨.

  5. وقام العلامة محمد بدر الدين العلوي من جامعة عليكره بنشر وتحقيق المختار من مختار شعر بشار لأبي الطاهر إسماعيل التجيبي القيرواني من رجال القرن الخامس. وهو ما انتقاه من كتاب الخالديين وشرحه. أعان العلوي على هذا المهم المستشرق كرنكو والعلامة الشيخ عبد العزيز الميمني. وكانت طباعة هذا الكتاب بمطبعة الاعتماد بالقاهرة أواسط ١٣٥٣. وقد ضمّ إليه صاحبه التجيبي شيئاً كثيراً من شعر ابن برد وقف عليه أثناء مطالعاته.

  6. وبعد هذا العرض لقصة ديوان بشار الذي تعاقبت عليه الأنظار والجهود عصراً بعد عصر ينتهي ابن عاشور إلى المخطوطة التي اقتناها وحظي بها واحتفظت بها خزانة كتبه. وهي وحدها تمثل قرابة نصف ديوان بشار. تبدأ من أوله وتنتهي أثناء حرف الراء. والقصائد

    vol. 1, p. 572والمقطعات بها نحو من مائتين وخمس وخمسين. وتشتمل هذه في مجموعها على ستة آلاف وستمائة وثمانية وعشرين بيتاً.

  7. وبعد وصفِ المخطوط، وخطِّه العتيق، والسِّفرِ المهذَّب الجامع له، نبّه إلى عنوان الكتاب ديوان بشار، قال: وهو مكتوب، أي الديوان، على ورق عتيق فاختي اللون، والمظنون أنه من نسخ عبد القوي. أما التملك الذي عليه في شكل أهليجي في حجم ظفر الإبهام الكبيرة فنصّه: من ممتلكات الفقير الحاج مصطفى صدقي غُفر له سنة ١١٢٩.

  8. وتاريخ جمع الديوان ونسخه كان قريباً من زمن المهدي العباسي. يدلّ على ذلك نص جامعه في أوائل القصائد، التي مدح بها بشار الخليفة المهدي، على عبارات وصيغ من الثناء والدعاء لأمير المؤمنين، من نحو ما كان يتحلّى به الخلفاء في حياتهم. وهذا المجموع من شعر بشار من رواية يحيى بن الجون. فقد ورد في بعض صفحاته ما يشير إلى ذلك كقوله من قول الناسخ: وقال أيضاً، ويقال لأبي همام الباهلي: زعم [ذلك] يحيى بن الجون.

  9. وبعد هذا الوصف الدقيق للمخطوط يذكر الإمام الأكبر: أن هذه النسخة نقلت عن أصل صحيح إلا أن خطّه غير واضح تمام الوضوح. وكأنّ الناسخ لم يكن من أهل الضبط والإتقان. وبسبب ذلك وقع فيها تحريف كثير ولحن كبير في غريب الألفاظ. ولولا ممارسة شيخنا الإمام صاحب المخطوط، لأدب العرب، وشعوره الفائق بمآخذ بشار ومراميه لعَسُر عليه إصلاح كثير من ذلك، عند إعداد النسخة التي استخرجها من الديوان، توليه إقامة نصّها وتحقيقها.

  10. وقبل أن ينهي الشيخ الإمام حديثه عن المخطوط يقف عند ثلاث نقط: الأولى بيان منهجه في تحقيقه وطريقته في الإصلاح والتصويب التي جرى عليها في كامل الديوان، والثانية التزامه بالنصّ بعدم تفويته في شيء مما أثبته كاتب النسخة، والثالثة التحذير من عقبى الاختيار المطلق، والانتخاب في عمل النشر والتحقيق، والتنبيه إلى أن فيه من طمس معالم الأثر المحقق وإفساد صورته الكاملة ما فيه. ويختم ملاحظاته هذه بقوله: من أجل ذلك كله أثْبَتُّ ديوانه على ما هو عليه، وألحقت ملحقاته كلَّها كما نسبت إليه.

    vol. 1, p. 573
  11. ويتحدث قبل أن يلج مجال الشرح لديوان بشار عن أهمية ما هو مقبل عليه من عمل، وما هو باذل من جهد في سبيله، قصد خدمة اللسان العربي، وتحقيق النفع لمن يقف على هذا الأثر.

  12. ويدرك الواقف على هذا الديوان أن شارحه عني عناية خاصة بعلم العروض، لزهادة المتأدبين فيه في هذا العصر. وحمله هذا على التنبيه في كل قصيدة على بحرها وعروضها وضربها غير ملتفت إلى ما يكون بها من زحاف أو علة إلا في مواضع محصورة تحتاج إلى بيان، وهذا ثقة بأن التنبيه على بحر القصيدة وعروضها وضربها يفتح للمطالع طريق البحث عن معرفة ما يعتور بعض الأعاريض من اضطرابات أو أخلال. فجاء هذا الشرح وما سبقه من تقديم للديوان، وألحقه به من تذييل، منية الطالب ورغبة الراغب.

  13. [مع أبي الطيب في مكتبته]

    vol. 1, p. 574
  14. يدلُّ ولوعُ الإمام الأكبر بدواوين الشعر قديمِه وحديثِه على عنايته الفائقة بوجوه النظم، كما يفسِّر تطلُّعه إلى الوقوف على أجمل التصرّفات القولية لدى رواد القريض. فهو يتتبّعها، جامعاً للأشعار وباحثاً فيها، شارحاً لنصوصها وناقداً لها، محيطاً عن طريق ذلك بأسرار الصناعة لدى الأعشى والنابغة، ومعجباً بما تعرضه أفانين القول من إبداعات في شعر بشار، وأمثالٍ وابتكاراتٍ في نظم أبي الطيب.

  15. وإذا كان انطلاقه في هذا كله من كتب اللغة والأدب، وعلوم العربية والبلاغة بما نبّه إليه العلماء من آراء وملاحظات فيما يعرضونه من شواهد يعتمدونها في تصحيح اللغة والاحتجاج بها، أو يلفتون النظر عند ذكرها إلى صور الإبداع المختلفة عند القدامى والمولدين في النظم ومجالاته، من مبان ومعان وأساليب، فإن الإمام الأكبر قد اختلف به الوضع مع المتنبي عمّا ألفه مع الثلاثة الذين سبقوه. فهو وإن كان قد سار مع أعلام النهضة والبيان المتقدّمين سيرةَ الباحث المستكشف للمادة، فهو، مع المتنبي، الدارسُ المنقِّب عن أحوال شخصيته، الناظِرُ في أقواله، مستعيناً في ذلك بما قدّمه العلماء من لغويين ونحاة ورجال أدب وبلاغة من شروح متعدّدة، وتعاليق ضافية، ودرس وتحليل لنظمه، اتضح بجميعها منهج أبي الطيب، واختلفت بسببها مواقف المؤرخين والنقاد منه.

  16. أقبل الإمام الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور من حين نشأته على حفظ مختارات من شعر المتنبي واستظهارها، وعلى ما ألفاه في المعهد، وفي البيت، وفي المجالس العلمية التي كان يشهدها، والمجالس الأدبية التي كان يغشاها، ثم على ما وجده بين يديه من كتب ودراسات ومراجع تشهد كلها بعناية أهل الأدب بشعر أبي الطيب وأدبه، وبجوانب حياته كلها، وتصوِّرُ مجتمعةً معالمَ أدب أبي الطيب، كاشفة عن أسرار نبوغه. وفي هذا ما يحملنا على أن نلج في صحبة شيخنا مكتبة المتنبي، لنرى ما كان متوافراً لديه منها من كتب قيمة ودراسات عميقة، هي الأساس في بناء شخصية الإمام الأدبية، كما كان للمَراجع والدراسات الشرعية أثرُها الكبير في جعله في هذا القرن نسيج وحده، وفريد عصره.

    vol. 1, p. 575
  17. وإن ما سنذكره من تصانيف ومؤلّفات، مخطوطة كانت أو مصوّرة أو مطبوعة، ليشهد بما اكتملت به عناصر قدراته الذهنية وطاقاته الفكرية، إذ ألمّ أو كاد في مكتبة أبي الطيب بما نذكره وبما نكون قد أغفلنا ذكره من كتب ورسائل معروفة، وقف عليها أكثر الناس من شداة الأدب وطلاب علومه وفنونه.

  18. فمن المراجع العامة التي كان بدون شك يتردَّدُ عليها للاستفادة منها: يتيمة الدهر للثعالبي، ووفيات الأعيان لابن خلكان، وتاريخ بغداد للخطيب، ونزهة الألباء لابن الأنباري، والأنساب للسمعاني، والإرشاد لياقوت، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي، وشذرات الذهب لابن العماد، والخزانة لعبد القادر البغدادي ونحوها.

  19. وكان فيما يعود إلى حياة أبي الطيب وعقيدته وأخلاقه وشعره وعلاقاته وكثرة تنقله في البلاد يعود من حين إلى آخر إلى كتاب

    vol. 1, p. 576الصبح المنبي عن حيثية المتنبي ليوسف البديعي، ولا ينسى الرجوع إلى الأدب المربي في حياة المتنبي لحسين حسني.

  20. فإذا أردنا أن نتبين مدى اهتمامه بشعر أبي الطيب ولغته وتصرّفاته في نظمه وجدناه يتنقل بين مصادر ذلك: بين ابن جني في سِفريه الكبير والصغير، وأبي القاسم إبراهيم الإفليلي في شرحه لديوانه، وما كتبه أبو العلاء المعري على ديوانه: معجز أحمد، واللامع العزيزي. نضيف إليها شروح الواحدي، والتبريزي، ومرهف بن أسامة بن منقذ، وأبي عبد الله الحسن بن إبراهيم الأربلي الكوراني، وأبي البقاء العكبري، وغيرها من الشروح كشرح أبي تمام لمبارك بن أحمد الأربلي، وشرح البرقوقي.

  21. وبقدر ما تكون هذه الشروح قد فتحت آفاق النظر والدرس لشعر المتنبي، فإنها لا تبلغ ما بلغته كتب النقد لشعره، وما بلغ إليه هو عن طريقها من شهرة. وإن ما تكمل به فرائد المصنّفات وجواهر التآليف في مكتبة المتنبي لهو تلك المجموعة التي شغلت الناس بفوائدها وأمتعتهم بروائعها، تحليلاً ومناقشة ومقارنة ونقداً. وهي خمسة أقسام:

  22. القسم الأول منها يشمل:
  23. ١ - الوساطة بين المتنبي وخصومه لأبي الحسن علي الجرجاني.

  24. ٢ - أبو الطيب المتنبي ما له وما عليه للثعالبي.

  25. ٣ - تنبيه الأديب على ما في شعر أبي الطيب من الحَسَن والمعيب لأبي كثير وجيه الدين الشافعي.

  26. ٤ - المنصف للسارق والمسروق منه لابن وكيع.

  27. والقسم الثاني يعد مَرجعين:
  28. ١ - الانتصار المنبي عن فضائل المتنبي لمحمد بن أحمد المغربي.

    vol. 1, p. 577
  29. ٢ - الاستدراك في الأخذ على المآخذ الكندية من المعاني الطائية لضياء الدين ابن الأثير.

  30. والقسم الثالث فيه تحامل معلوم ومشهور على المتنبي. وهو:

    ١ - الكشف عن مساوي المتنبي للصاحب بن عباد الطالقاني.

  31. والقسم الرابع يكاد يتخصّص في الكشف عن سرقات المتنبي. وهو:

    ١ - الإبانة عن سرقات المتنبي لفظاً ومعنى لأبي سعيد محمد بن أحمد العامدي.

  32. ٢ - سرقات المتنبي من أبي تمام لأبي محمد سعيد بن مبارك الدهان.

  33. ٣ - الرسالة الحاتمية في ذكر سرقات المتنبي وساقط شعره لمحمد بن الحاتمي البغدادي.

  34. ٤ - سرقات المتنبي ومشاكل معانيه لابن السراج الشنتريني. وهو قسم من كتابه جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب.

  35. والقسم الخامس أو الأخير هو ما تناول بالشرح والنقد والمقارنة شعر المتنبي مع غيره من الشعراء السابقين، وما وضع فيه من تصانيف ودراسات، نذكر في مقدمتها:

    ١ - الواضح في مشكلات شعر المتنبي لأبي القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهانى.

  36. ٢ - كتابي الفتح على أبي الفتح، والتجنّي على ابن جني، كلاهما في الرد على أول كتاب وضع في شرح المتنبي - وهو لابن جني - لمحمد بن حمد بن محمد بن فورجه البروجردي.

  37. ٣ - ومن أجل الكتب في هذا القسم؛ شرح المشكل من ديوان المتنبي لابن سيده.

    vol. 1, p. 578
  38. وقد نشر عن أبي الطيب نحو أربعين كتاباً شارك بها عدد من الفحول في هذا العصر وقبله في التنويه به وتمجيده. نذكر من بينهم طه حسين والعقاد وعلماءَ كثيرين من العرب والأعاجم. وما أذيع لنا بتونس في السبعينات بعنوان: شعراء الخلود. ولقد قالوا عنه: "هو شاعرنا" ، "وأشعر المحدثين المولدين" ، "وأنه أقل غلواً في التشبيهات والمعاني من معاصريه" . وربما بالغ هواة أدب المتنبي في إعظامه وتفخيمه. فبالغوا في تلك الأوصاف، وتجاوزوا حَدَّ الإسراف حتى فضّلوه على من تقدم عصرُهُ عصرَهُ، وأنشدوا فيه قول بعض السابقين ردّاً على خصومه:

    حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالناس أعداء له وخصوم (١)

    وقال أبو محمد الحسن بن علي بن وكيع: "إن القوم لم يصفوا من أبي الطيب إلا فاضلاً، ولم يشهروا بالتفريط منه خاملًا، بل فضلوا شاعراً مُجيداً، وبليغاً سديداً. ليس شعره بالصعب المتكلّف، ولا اللين المستضعف، بل هو بين الدقة والجزالة، وفوق التقصير ودون الإطالة، كثير الفصول، قليل الفضول ... ولقد قُلِّد الحَظوةَ الرافعة والشُّهرةَ الذائعة، والنفوس مولعة بالاستبدال والنقل، لَهِجة بالاستطراف والملل، ولكل جديد لذة" (٢) .

  39. وممن أشاد بمفاخره في أكثر فصول كتابه في معالمه ومآمهه، تحريراته وتنويراته، حازم القرطاجني في كتابه منهاج البلغاء وسراج الأدباء عند تفصيله القول في المباني والمعاني والأساليب (٣) . كما

    vol. 1, p. 579أبدع ابن رشيق حين قال: لا يُعرف شاعرٌ في العربية احتَفَل بنبوغه القدماءُ والمحدثون من العلماء والنقاد حفاوتهم بأبي الطيب. ولا أدلَّ على ذلك ممّا قيل بشأنه في ذكراه الألفية ١٩٣٥، ومن إحياء منهجه أدبياً وعملياً بالشام على يد ناصف اليازجي، وبمصر من طريق البارودي وشوقي.

  40. ويزيد في ذلك اعتدادُ أبي الطيب بنفسه، وعلوُّ همته، وانتشارُ شعره الذي أذاع مفاخره بمثل قوله:

    أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم