الآثار الأدبية
539 paragraphs · vol. 1, p. 531
Page 6 of 14
- وقوله:
-
وما الدهر إلا من رواة قصائدي، ... إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا
فسار به من لا يسير مشمِّراً ... وغنّى به من لا يغنّي مغرِّدا
ولعل اعتداده ذلك بذاته وبأدبه هو الذي حمله على أن يشترط في مجلس سيف الدولة أن لا ينشد إلا قاعداً، فاستجهلوه وأجابوه إليه. فلما سمع سيف الدولة شعرَه حكم له بالفضل وعدّ ما طلبه استحقاقاً (١) .
-
ولا نحتاج، بعد هذه العجالة، في التعريف بما كتب عن المتنبي، إلا أن نقف وقفتين قصيرتين تبرزان فرط عناية الإمام الأكبر بشعر المتنبي: أولاهما في الحديث عن بعض شروحه، والأخرى في
vol. 1, p. 580مشكل شعره والحديث عن سرقاته. وقد جاء في ترجمة شيخنا ذكر بعض تآليفه المخطوطة المتعلقة بشعر المتنبي وأدبه. فمن المخطوطات: تحقيقه لشرح القرشي على ديوان المتنبي، ومراجعات له تتعلق بكتابي معجز أحمد واللامع العزيزي، ومما طبع له: تحقيقه للواضح في شرح مشكلات المتنبي، ولسرقات المتنبي (١) .
- vol. 1, p. 581
[معجز أحمد واللامع العزيزي]
-
كتابان للمعري شرح بهما ديوان أبي الطيب المتنبي. وهما موجودان بالخزانة العاشورية. وقد خالَهما بروكلمان اسمين لكتاب واحد. فعطف الثاني على الأول بـ (أو) المفيدة للتشكيك أو التخيير (١) . واقتصرت مصادر كثيرة أخرى عند ترجمتها للمعري على ذكر معجز أحمد دون حديث أو إشارة إلى اللامع العزيزي. وتبيّن لنا بالوقوف عليهما أنهما شرحان مختلفان. سمي الأول بـ معجز أحمد تنويهاً بشعر صاحبه أبي الطيب، وتقديماً له على كثير من الشعراء، وأطلق على الثاني اسم اللامع العزيزي باسم عزيز الدولة ثابت بن ثمار بن صالح بن مرداس. وقد نبّه شيخنا، رحمه الله، على الفرق بين الشرحين في منهجهما. فقال: إن الأول منهما وهو اللامع العزيزي مرتّبةٌ قوافيه على حروف المعجم. وأكثر النسخ التي بأيدي الناس مرتّبةٌ على حروف المعجم، على نحو ما نجده عند العكبري في ترتيب شرحه للديوان. وقد جرى على هذا الترتيب أيضاً ابن جني والأصفهاني والخطيب. وقد مكّنني شيخي العلامة الراحل محمد الفاضل ابن عاشور من نسخة معجز أحمد فاستنسختها وحَصَلَت لي منها فوائد جمة.
-
وبدا لنا أن معجز أحمد، مرتب ترتيباً تسلسلياً على الأغراض.
- vol. 1, p. 582
وكذا صنع الواحدي في شرحه، وابن سيده في تفسير مشكله.
-
والمظنون أن الشيخ الإمام لم يَقُم بشرح الديوانين، ولكنه كتب عليهما مراجعات وتقييدات.
-
ويجدر بنا في آخر الحديث عما نسب للمعري من شروح لديوان المتنبي أن ننبّه إلى أن بعض المترجمين ذكر له شرحاً ثالثاً أسماه الأيك والغصون، كما نشر له الأستاذ محمد الطاهر الحمصي رسالة بعنوان: الأوزان والقوافي في شعر المتنبي (١) . ولعله من الضروري هنا أن نشير إلى أن شيخنا قد تعوَّد على العمل الجاد منذ شبابه. فهو لا يشعر براحة أو أريحية إلا متى سعى إلى الإفادة العامة بتحقيق ما بين يديه من كتب نفيسة، ومخطوطات فريدة، لم يسبق للناس أن اطّلعوا عليها. وهو لذلك يحرص على إبرازها في صورة علمية رصينة، وحلَّة بديعة أنيقة، تروق الناظر وتنير الخاطر، وتتكفل بتقديم ما يحلم العلماء والأدباء به من الوقوف عليه من محاسن تراثهم، وجميل إنتاج شيوخهم وأسلافهم. ومما شملته هذه العناية كتابان عن أبي الطيب يوجدان بزاوية من زوايا مكتبته في بيت آل عاشور، لم يسبق نشرهما ولا قام أحد بدراستهما. وهما الواضح في مشكلات شعر المتنبي لأبي القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني، وثانيهما سرقات المتنبي ومشكل معانيه لأبي بكر محمد بن عبد الملك الشنتريني المعروف بابن السرّاج.
- vol. 1, p. 583
[الواضح في مشكلات شعر المتنبي لأبي القاسم وأبي محمد عبد الله الأصفهاني]
-
قصة وضع كتاب الواضح: أن الأصفهاني قد حُدِّث بما وضعه ابن جنّي من شرح على ديوان المتنبي، وأن بعض أهل الشأن من وجوه رجال ذلك الزمان المتصرّف في جلائل الأمور وسياسة الجمهور، أيام بهاء الدولة بن عضد الدولة ٣٧٩ - ٤٠٣ قرأ على الأصفهاني هذا الشرح. قال أبو محمد عبد الله: فوقعتُ منه على صواب وخطأ، فأمللت فيه كتاباً ترجمته بالواضح في مشكلات شعر المتنبي، واتخذته قربة وازدلافاً إلى الباب العمور (١) .
-
وقد رفع إلى سدّته الكريمة كتابه هذا، بلغة جميلة ومعانٍ شريفة جليلة، قائلاً بعد الديباجة: المتوسّل إلى السدّة الكريمة والحضرة العظيمة، حضرة ملك الملوك بهاء الدولة، بحرمة الأدب وذمامه، ونشر الكلام ونظامه، يَرِدُ البحر بأعذب مشارعه، ويتناول البدر في أقرب مطالعه ...
يا سيد الأمراء وابـ ... ـن السادة الشمّ الأشاوس
إنّي ببابك جالس ... وعليك للتأميل حابس
ومعي عرائس، نَثرها ... ونِظامها، بكرُ الهواجس
vol. 1, p. 584محشوّة بجواهر، ... وبواهر الكلم النفائس
فاستهدها يا خير من ... هديت لمجلسه العرائس (١)
-
وكتاب الواضح هذا هو من جملة الكتب التي وضعت رداً على ابن جنّي في شرحيه لديوان صاحبه أبي الطيب المتنبي: الفسر الصغير والفسر الكبير. ذكره يوسف البديعي في عدادها في كتابه: الصبح المنبي حين قال: وأول من تكلم على أبيات منه مشكلة أو صنف فيها مآخذ؛ ابن فورجه والربعي وسعيد الأزدي الملقب بالوحيد ... وكتاب أبي القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني. وكأنّه لم يقف على كتاب هذا الأخير، وإنما وصل إليه ذكره. فهو مما سمع به ولم يقف عليه.
-
وأبو القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني وكتابه هذا كانا مغفولاً عنهما طوال أزمنة، بين أهل الأدب والنقد، وفي كتب التراجم والتصانيف. وممّا يدلّ على هذا إمساك ابن سيده في كتابه مشكل المتنبي، عن الإشارة إلى من سبقه من النقاد إلى التعرض إلى أقوال ابن جنّي أو مؤاخذته عليها. فهو لم يذكر الأصفهاني ولا الواضح في هذا المجال فكأنه لا يعرفه (٢) .
-
ومن أجل هذه الصعوبة في التوصّل إلى ما يترجم به لأبي القاسم الأصفهاني، ذكر الإمام الأكبر أن مما يؤخذ من ديباجة الكتاب وأواخره: أنه كان موجوداً في سنة ٣٣٦ لأنه حدّث عن الحلبي عبد الواحد اللغوي المتوفى ٣٥١، ولا يمكن أن يتم له ذلك وسنه أقل من خمسة عشر عاماً. ووصفه البغدادي بكونه معاصراً
vol. 1, p. 585لابن جنّي، كما ذكر هو عن نفسه: أنه روى عن أبي الفتح بن جنّي وعن محمد بن جعفر التميمي المعروف بابن النجار المتوفى ٤٠٢.
-
افتتح الأصفهاني كتابه الواضح بترجمة هامة لأبي الطيب وأدبه. وذلك من: ٦ - ٢٨. فتحدث عن نشأته ومغامراته، وتنقله ورحلاته، ومدائحه وأهاجيه، وما كان يتميّز به شعره، مقارناً بينه وبين متقدميه من المولّدين. وجملة قوله في ذلك: أن أبا الطيب كان من حفاظ اللغة ورواة الشعر. وكل ما كان في كلامه من الغريب استقاه من الغريب المصنف سوى حرف واحد من كتاب الجمهرة. وهو قوله:
وأطوِي كما يَطوي المجلّدةُ العُقدُ (١)
-
وأما الحكم عليه وعلى شعره: فالمتنبي سريع الهجوم على المعاني، ونَعتُ الخيل والحرب من خصائصه. وما كان يراد طبعه في شيء مما يسمح به، يَقبل الساقط الردّ، كما يقبل النادر البِدع. وفي متن شعره وهيٌ، وفي ألفاظه تعقيد وتعويض (٢) .
-
ومن خلال هذا الحكم يتبيّن لنا أن الأصفهاني تتبّع في كتابه الواضح مجموعتين من شعر المتنبي: اشتملت الأولى على ما عرض له ابن جنّي في فسره الصغير، والثانية على جملة أبيات للمتنبي أوردها ابن جنىّ في فسره الكبير.
-
وعدد أبيات المجموعة الأولى موضع النظر والتحقيق عند ابن جنّي في فسره الصغير وعند الأصفهاني في كتاب الواضح: ٨١ بيتاً.
- vol. 1, p. 586
وفي نهاية هذه المجموعة قال الأصفهاني: ثم اتفق بعدها في بلدان العجم وُقُوفي عليها بعد تتمة الأربعمائة والعشر. فاختلفت إلى طائفة من كتاب الإنشاء، كلهم نظروا في الفسر الكبير. فكانوا يحاورونني في عوارض أبيات المعاني التي فسّرها فقرنتها بالمشكلات (١) . وبإثر ذلك ذكر المجموعة الثانية، وأبياتها عشرون.
-
وقد أبدع الأصفهاني في تصرّفاته وشرحه وتعليله ومقارناته طوال كتابه الواضح الذي رغم صغر حجمه كان وفير الفائدة، مصادف الصواب في معظمه، لما مزج به فيه من نقد وتشريف لكلام ابن جنّي الذي لذع شعر أبي الطيب في مواضع كثيرة (٢) .
-
ولم يقف الشيخ ابن عاشور عند هذا الحد من الوصف لعمل أبي القاسم بل تجاوزه إلى التنبيه على أن الرجل مكين في الأدب والبلاغة. تنبىء بذلك منازعه في معاني الشعر وتنظيراته بين أبيات الشعراء ومعانيهم. وشاهدنا على ذلك كلماته في فضيلة النظم وتشريفه. فإن له في ذلك آراء صائبة، وملاحظات دقيقة سبق بها ما توصّل إليه عبد القاهر الجرجاني من كلام في النظم، تضمّنه الفصل الأول من "فصول شتّى في النظم" من كتاب دلائل الإعجاز (٣) . قال العلماء: اللفظ أغلى ثمناً، وأعظم قيمة وأعزّ مطلباً: فإن المعاني موجودة في طباع الناس يستوي فيها الجاهل والعالم.
-
ويأتي مزيد من التفصيل في بيان هذه الحقيقة في تعليق الإمام
vol. 1, p. 587الأكبر على كلام أبي القاسم آخر، شرحه لبيت المتنبي:
كأن شعاع عين الشمس فيه (١)
-
وبآخر كتاب الواضح للمتنبي تعليق من الإمام الأكبر جاء فيه: هذه نهاية كتاب الواضح على مشكل المتنبي. وقد كتب كاتب في أخرتها: "قرأته على أبي القاسم مؤلِّفه، في شهر شوال عام ستة عشر وثلاثمائة ببغداد" . وكنت كتبت تحت هذه الكلمة "تدليس" كيلا يغترّ به المطالع لأنّ ذلك لا يلاقي العصر الذي عاش فيه المؤلف. قاله محمد الطاهر ابن عاشور.
-
ولاستجلاء المنهج الذي جرى عليه الأصفهاني في تعقيبه على ابن جنّي نعرض أمثلة يتّضح لنا بها ذلك، اخترناها من بين أبيات المعاني من كتاب الواضح. وهي الأبيات: ٥، ٧، ١٤.
-
فأبو القاسم في جميع ما أورده من مشكل شعر المتنبي يلتزم خطة واحدة: يبدأ بذكر قول أبى الطيب، مثنّياً عليه برأي ابن جنّي فيه، ومعقّباً بما يفيد تصحيحاً أو تعليقاً أو مقارنة بين الأقوال الشعرية. ومما ينبغي أن يلاحظ في هذا المقام تفاوت التعليقات بل المادة التفسيرية لأبيات المتنبي طولاً وقصراً، ورواية ونظراً.
-
ونكتفي هنا بإيراد الأبيات الثلاثة من مشكل شعر المتنبي:
[البيت الخامس من الواضح]
-
البيت موضع النظر والدرس من قصيدة المتنبي في رثاء أخت سيف الدولة، طالعها:
vol. 1, p. 588يا أخت خير أخ، يا بنتَ خير أب، ... كناية بهما عن أشرف النسب
قال المتنبي:
حتَّى إذا لم يدع لي صدقُه أملًا ... شَرِقْتُ بالدمع حتَّى كادَ يَشْرَقُ بي
قال أبو الفتح: أي كثُر دمعي حتى صغرتُ أنا بجنبه. وبالإضافة إليه. قال أبو القاسم: معنى هذا البيت أنّه لمّا أتاني نَعِيُّ المتوفاة نزفت دمعي بالبكاء حتى لم يكد يجري، وبقي حائراً في الجفن، فكدت أقضي نحبي، فيجف الدمعُ بي. وليس للكثرة والقلة معنى كما ذكره أبو الفتح. وللشعراء في ذكر الدمع والعين أساليب حِسانٌ، فمن أحسن ما ذكروه قولُ أبي حيَّة النميري. وهو أول من افترعه:
نَظَرْتُ كأنِّي من ورَاء زُجاجةٍ ... إلى الدار من فرط الصبابَةِ أنظُرُ
وقال بعض العرب:
ومما شجاني أنّها يوم أعرضت ... تولَّت وماء العين في الجفن حائرُ
وتبعه بشَّار فقال:
أقول وقد غصَّت جُفُوني بمَائِها
وقال ابن حُبيبات:
أُلِمُّ بالباب كي أشكو فيمنعُني ... فيضُ الدموع على خدِّي من النظر
أقَبلت أطلُبُها، والقلبُ منزِلُها ... أعجِب بمقُتربٍ منِّي على سَفَر
وقال البحتري:
وقفنا والعُيونُ مُشَغَّلاتٌ ... يُغالبُ دمعَها نظرٌ كليل
نَهَتهُ رُقْبَةُ الواشين حتَّى ... تَعَلَّق لا يَغيضُ ولا يَسيلُ
vol. 1, p. 589وقال المتنبي:
عشِيَّةَ يعدونا عن النظرِ البُكا ... وعن لذَّة التوديع خوفُ التفرُّق (١)
-
وأتى الشيخ بعد ذلك باختيارات للمرزباني، توسعاً في متفرّعات هذا الغرض. فذكر من مروياته عنه اختياره لمقالة قيس العامري في تدارك سيلان الدمع، وبيت المخبّل في نعت الوجوه، وقول عدي في صفة العيون، وكلام قيس في نعت الدمع، واستعمال البحتري له على وجه التورية إلى المدح، وأبيات بشّار وأبي العتاهية في الاعتذار عن الدمع، وسبق أول القولين من هذين على الثاني.
-
[البيت السابع من الواضح]
قال المتنبي في مدح كافور:
مَنِ الجآذرُ في زيّ الأعاريبِ ... حُمْرُ الحُلَى والمطايا والجلابيب
قال أبو الفتح: جعل كونَهُنّ جآذرَ حقيقة، وجعل كونهنّ أعاريب مجازاً، وذلك للمبالغة في الصنعة.
قال أبو القاسم: ليس للمجاز والحقيقة محلّ في هذا البيت ولا مدخلٌ، وإنما جعَلَهنّ جآذرَ لنَجَل العيون وحَوَرِها، وهُنّ في الخلقة نساء. وأيّد الإمام الأكبر الرأي الأوّل قائلاً: لعلّ فهم أبي الفتح أرشق، لأن الشاعر لما استفهم عن كونها في زي الأعاريب أوغَلَ في تخيُّلهن جآذر فالاستفهام ترشيح للاستعارة.
قال أبو الفتح: حُمْرُ الحلى أي هنّ شِرَاف، وكذلك الجلابيب.
قال أبو القاسم: ليس هذا بشيء، إنَّما المعنى أنَّهن حسان
vol. 1, p. 590يَلبسنَ حسان الملابس، استضافة جمال إلى جمال. وروى الأصمعي في كتاب الأجناس أن العرب تقول: إن الخمار الأسود يَشُبّ لون المرأة أي يُنَوّرُهُ ويَجْلُوه، وكلَّما ازدادت الظلمةُ سواداً ازدادت الأنوارُ ضياءً، والعرب تقول: الحُسْنُ أحْمَرُ، ومنه قول بشّار:
وخُذي ملابسَ زينَةٍ ... ومُصبَّغَماتٍ هُنّ أنوَرْ
فإذا دخلن فادخُلي ... في الحُمرِ، إنّ الحُسنَ أحمَرْ
- وذكر ابن الرومي معنى هذا البيت في قوله:
-
قل للمليحة في الخمَار المُذْهَبِ ... أفسدتِ نُسكَ أخي التُّقَى المُترهِّبِ
وجمعت بين المذهَبَين فلم يكُن ... للحُسن في ذهبَيهما مِنْ مَذْهَبِ
والعلماء يقولون: في قولهم: الحسن أحمر، وجهاً آخر. وهو أنه يُخاض فيه الشدائدُ حتى إن الدم يراق فيه، كما يقولون: الموت أحمر. وهو الذي يراق فيه الدم (١) .
-
وقد فات أبا الفتح وأبا القاسم ملاحظةُ التناسب فيما بين هذا البيت:
مَنِ الجآذرُ في زيّ الأعاريبِ ... حُمْرُ الحُلَى والمطايا والجلابيب
- وبين الذي يليه:
-
إذا كنت تسأل شكاً في معارفها ... فمن بلاك بتسهيد وتعذيب
إذ جاء البيت الثاني تحسيناً للبيت الأول من القصيدة ليناصر بذلك حسن المبدأ (٢) .
- vol. 1, p. 591
[البيت الرابع عشر منه]
قال المتنبي يمدح علي بن إبراهيم التنوخي:
أُحادٌ أمْ سداس في أحاد ... لُيَيْلَتُنا المنوطةُ بالتنَادي
قال أبو الفتح: استطال ليلته فقال: واحدة هي أم ستّةٌ؟! واختيارُ الستة دون غيرها من العدد لأنها الغاية التي فرغ الله تعالى من جميع أحوال الدنيا، وصَغَّرَ الليلة تصغير التعليم كقول أوس:
فُويقَ جُبيل شامخِ الرأس لم تكد ... لتبلُغَهُ حتى تكلَّ وتعملا
والتنادي، يريد التنادي بالرحيل وقَودَ الخيل إلى الأعداء، ألا تراه يقول فيما بعد:
أفكّر في معاقرة المنايا ... وقَودِ الخيل مُشرِفَةِ الهوادي
قال أبو القاسم: أما استشهاد أبي الفتح بقول الله تعالى فليس من هذا الحديث في شيء؛ لأن المتنبي ذكر الليل، والشعراء يستطيلون ليالي السهر والفكر، ويُحيلُون بتضاعُف الغُمُوم والهواجس فيها عليها. وكذلك عند الأطباء أن الأمراض تشتدّ ليلًا لأن طبعه الضمَّ والقبض والخُثُورة والجُمُود، وبالنهار تَنفَشُّ البخارات عن البدن وتنحل أجزاء العلل. وليس بين الشعراء وبين الأيام تعلق في أمر ما يُسهر، بل يقولون: إن المحزونَ والمغتمَّ ينشرح صدره ويخفُّ ما به، لمُحادثة الناس ومُلاقاة الأشخاص كما قال ابن الدُّمينة:
أقضِّي نهاري بالأحاديث والمُنَى ... ويجمعُني والهمّ بالليل جامعُ
وقال الطرماح:
عَلى أنّ للعينين في الصُّبْحِ راحةً ... لرميهما طرفيهما كُلَّ مَطْرَح
وقال النابغة:
vol. 1, p. 592كليني لهَمٍّ يا أميمةُ ناصبِ ... وليل أقاسيه بَطِيء الكواكب
تَطَاول حَتى قُلتُ ليس بمِنُقضٍ ... وليس الذي يتلو النجُوم بآيب
وأما إذا ذكروا اليوم فإنهم يذهبون به قصد الممدوح وطول نهاره على الأعداء، كقول الكميت:
وإذا اليومُ كان كالأيَّامِ
وقال أبو تمام:
ورُبَّ يومٍ كأيام تركتَ به ... مَتْنَ القناة ومَتْنِ القِرن مُنقصِفا
وإنما معنى بيت المتنبي، إن ذهبت به مذهب العدد فأضفت الواحد إلى الستة والمرادُ إلى الأسبوع فتكون استطالة الليلة الواحدة كاستطالة ليالي الأسبوع. ووقف عند هذا الحدّ كقول بعض الرُّجاز:
إنِّي إذا ما الليلُ كان ليلين ... ولجلج الحادي لسانين اثنين
فهذا جعل واحدةً ثِنتين، وأوس بن حجر للثلاثة ثلاث ليال فقال:
ولقد أتيت بليلة كليال
وكأنّ تحت الجنب شوكَ سَيَال
والمتنبي جعل الليلة الواحدة لياليَ الأسبوع طولًا، ووقف عندها.
-
وإن ذهبت بالبيت الواحد والستة مذهب الضرب ففيه معنى لطيف، لأنك إذا ضربت الواحد في الستة رجع إلى الوراء، وإذا ضربت الاثنين في الستة زاد إلى قُدَّام، فيكون المعنى أنَّ هذا الليل يرجع إلى الوراء فلا يتصرَّمُ آخرُه، كما قال الشاعر:
vol. 1, p. 593لقد تركتني أم عمرو ومقلتي ... همول، وقلبي ما تقرُّ بلابلُه
تطاول هذا الليلُ حتى كأنّما ... إذا ما انقضى تُثنى عليه أوائله
وأما قول أوس بن حجر واستشهاد أبي الفتح به، وهو فُويق جُبيل، فهو مختلَف في تصغيره. فبعضهم ذهب إلى أن كل جبل شامخ له نادر يَندُرُ منه ويشخصُ فهو الجُبيل، ومنهم من وافق أبا الفتح. والقاطع في تصغير التعظيم قول لبيد، أنشده أبو عُبيد القاسم بن سَلَّام في الغريب المصنّف:
وكلّ أناس سوف تدخُلُ بينهم ... دُويهيةٌ تصفرُّ منها الأناملُ
وصُفرةُ الأنامل من الموت، وليس في الدواهي أعظم منه. قال ذو الرمة:
التارك القِرْنِ مُصفّراً أناملُهُ ... يَميدُ في الرُّمح مَيدَ المائح الأسِنِ (١)
-
لاحظ أبو القاسم في هذا البيت اشتماله على استطالة الليلة، وعلى تصغيرها، ونبّه إلى المراد من ذلك كلَّه مبطلًا ما ذهب إليه ابن جنّي، زاعماً أن استطالة الليل مختلف فيه بين الشعراء والأطباء، وأنه ليس بين الشعراء وبين الأيام تعلّق في أمرِ ما يُسهر. ولتوجيه فهمه واختياره ذكر شواهد من كلام ثلة من الشعراء: مثل ابن الدُّمينة، والطرمّاح، والنابغة، والكميت، وأبي تمام. ثم اتجه إلى بيان معنى البيت إن ذهبت له مذهب العدد، فجعل الليلة مثل ليالي الأسبوع طولاً، وإن ذهبت بالواحد والستة مذهب الضرب أفاد ذلك معنى لطيفاً هو الزيادة إلى قدام أو الرجوع إلى الوراء. وفي هذا أيضاً ذَكَرَ أبياتاً لبعض الرُّجّاز ولأوس بن حجر وغيرهما. وأما إفادة التصغير
vol. 1, p. 594فمردود عنده والشاهد من أوس: (فويق جُبيل) إنما المراد منه النادر الذي يندر منه ويشخص. ثم أتى بأبيات أخرى تقابل الأول للبيد وذي الرمة.
-
[عمل ابن عاشور في تحقيق الواضح]
-
احتاج المحقق رحمه الله لإقامة نص كتاب الواضح وإخراجه على الوجه العلمي الدقيق المطلوب إلى عملين هامين: