الآثار الأدبية

539 paragraphs · vol. 1, p. 531

Page 7 of 14

  1. يتمثل الأول في عدة اهتمامات وتصرفّات منها:
  2. ١ - التنبيه على ترتيب مادة الواضح في الأصل، كما أوردها أبو الفتح بن جنّي شارح ديوان المتنبي، وجرى عليه متعقّبه أبو القاسم الأصفهاني فيما كتبه عليه.

  3. ٢ - الرجوع إلى الأصول المعتمدة في التأليف والتعقيب.

  4. ٣ - تحقيق ما ورد بالواضح من نصوص.

  5. ٤ - تحرير الكلام فيما أغلق لفظه، وأبهم معناه.

  6. ٥ - إكمال ما ورد بالكتاب من شواهد شعرية، ليس من الضروري أن يكون القارىء أو الدارس ملمّاً بها أو عارفاً بنسبتها.

  7. ٦ - تعيين من أغفل ذكره من أسماء الأشخاص في النصّ اختصاراً أو اقتصاراً.

  8. ٧ - ضبط ما تحتاج كَلِمُه فيه إلى مزيد من التحرّي أو الإسناد إلى قائليه.

  9. ٨ - التنبيه على الألفاظ والصيغ الموهمة التي أضيفت إلى النسخة الأصلية لكتاب الواضح، بعد الوقوف عليها وتمام قراءتها.

  10. والعمل الثاني لا يقل عن الأول أهميةً ونفعاً، لأن جدواه وإن

    vol. 1, p. 595لم تتعلق بجوهر مادته ككتاب، غير أنها ذات علاقة متينة بها، فلا يجوز إغفالها ولا السكوت عنها، بل يتأكّد التنبيه عليها. وهذا ما تشهد به حواشي الواضح لاشتمالها على العديد من الملاحظات والتعاليق اللازمة أو المتأكدة. فهي ضرورية أحياناً لفهم الكتاب فهماً صحيحاً, وإدراك الجوانب المهمة التي لم ينتبه إليها المؤلف حين جرى بها قلمه، أو أرسل الكلام فيها على عواهنه، في حين يكون القارئ محتاجاً إلى معرفتها على الوجه الصحيح، وليس له من سبيل إلى ذلك غير بيان مغلقاتها. ومثل هذا كثير نقتصر فيه على بعض ما أورده الشيخ في تلك الحواشي من:

    ١ - تنبيه على أقسام أو أنواع من الشعر عند أبي الطيب وعند غيره.

  11. ٢ - اللغويات والتصحيحات.

  12. ٣ - ذكر أمثلة لما يحتاج فيه إلى تقصّي المعاني.

  13. ٤ - المقارنة بين الآراء والاتجاهات في الشروح الواردة بصلب الكتاب.

  14. ٥ - التنبيه على ما ورد في متن الكتاب من أخطاء لغوية وعربية.

  15. ٦ - التعريف ببعض المذاهب العقدية.

  16. ٧ - تضمين الواضح بيتاً لبشار، وضعه المؤلّف في ملحقات الديوان.

  17. ٨ - الترجمة لبعض الأعلام التي يضيع وقت كبير لغير المتخصّص في التعرّف عليها، وتحديد زمن وجودها.

  18. وليس من غرضنا ولا من المقبول تفصيل القول في كل هذه الملاحظات أو التعليقات التي جاء بها المحقّق. فهي لا تقلّ عن ٢٧٥ تعليقاً. وإنّما نورد عيّنات منها، تكون نماذج لما وراءها، إبرازاً

    vol. 1, p. 596لبعض الاهتمامات التي أملت على الشيخ رحمه الله منهجه، واقتضت منه الوقوف عند عدد من الاستعمالات الواردة في تضاعيف الواضح لإبانتها وفصل القول فيها.

  19. ١ - جرى أبو الفتح في فسره، في ترتيب أبيات شرحه على حروف الهجاء. وعلى طريقته سار أبو القاسم. ولكن المحقّق رأى انخرام ذلك في موضعين من الكتاب. الأول في صفحة ٧٤، في البيت الستين الذي رويُّه على الزاي، والثاني في الصفحة الموالية ٧٥ في البيت الواحد والستين الذي رويُّه على الدال. فكان ذلك خطأ في وضع هذين البيتين وهما:

    سلَّه الركضُ بعدَ وَهْن بنَجْدِ ... فتصدَّى للغيث أهلُ الحجاز

    نهبتَ من الأعمار ما لو حَوَيته ... لهُنّئت الدنيا بأنّك خالد

    بين سائر الأبيات الميمية التي سبقتها أو لحقت بها (١) .

  20. ٢ - ومما ورد في حاشية الواضح التنبيه على اختلاف نسخ ديوان المتنبي في ضبط البيت الواحد، وفي ذكره تاماً أو ناقصاً، مع بيان مختلف الروايات فيه. والمقصود في هذا المحل قول أبي الطيب:

    سيف الصدود على أعلى مقلَّده (٢)

  21. أتبعه المحقِّق بقوله: قبل أن يوجد المصراع الأول في نسخ الديوان التي بتونس. ولا يوجد في شرح المعري ولا الواحدي. وأثبته العكبري في شرحه مفرداً. ويوجد في نسخة من الديوان نسخها من سمّى نفسه علياً مخلصي المدني في ربيع الأول ١٠٩٠، مرتبة

    vol. 1, p. 597على حروف المعجم في خزانة جامع الزيتونة عدد ٤٥٥٢ ما نصّه: وقال في صباه بعضَ هذه القصيدة، وساق المصراع وبعده:

    يفري طلى وامقيه في تجرّده

    وبعد البيت سبعة أبيات مماثلة للأبيات التي نسبت لرواية ابن القطاع في النسخة التي شرح عليها العكبري (طبعة الحلبي بمصر ١٣٣٥) . ويوجد في تلك الطبعة، في متن الديوان ما نصّه: لم يحفظ المصرع الثاني. فقال قوم هو:

    يفري طلى وامقيه في تجرّده

    وقال قوم هو:

    بكف أهيف ذي مطل بموعده

    ثم قال: وقال ابن القطاع أول هذه القصيدة:

    وشادن رُوحُ من يهواه في يده ... سيف الصدود على أعلى مقلَّدِهِ

    وأتبعها بأبيات سبعة بمثل الأبيات التي في نسخة علي مخلصي المدني. والمثبتة بشرح العكبري. ونسب في شرح بعضها كلاماً لابن جنّي (انظر: ٢/ ٨٠) . وأحسب أن جميع ما كمل به المصراع تخرّصٌ. وكيف يخفى على ابن جنّي؟ وهو آخذ عن المتنبي. والأشبه ما قاله أبو القاسم (١) .

  22. ٣ - وفي تحقيق النص نورد للشيخ تعليقين مختلفين:

  23. الأول: يتعلق بقراءة بيت المتنبي:
  24. لو مرّ يركض في سطور كتابةٍ ... أَحْصَى بحافِرِ مُهْرِهِ ميماتِها

    vol. 1, p. 598قال ابن عاشور: كتب لفظ كتابه بهاء بعد الباء. وقال أبو العلاء في معجز أحمد: روي كتابه وكتابة، على الاسم والمصدر يعني الضمير أو مصدر كتب (١) .

  25. والثاني: تعليق على كلام أبي القاسم لأبي الفتح: ثلاث علل اتخذها قواعد في شعر المتنبي. وذلك ببيان المراد من شعر المتنبي، إذ قال: الفسر الكبير اسم لشرح فسر فيه ابن جني ديوان المتنبي. ثم اختصره مقتصراً على تفسير مشكله. وسمى اختصاره الفسر الصغير. وهو الذي أملى عليه أبو القاسم هذا الكتاب الذي سمّاه الواضح. وقد ذكره أبو القاسم في أواخر هذا الكتاب. والفسر مصدر فسَر المخفف. وهو بمعنى فسّر المشدّد (٢) .

  26. ٤ - ومن تحرير الكلام مع نسبة الشاهد تعليق شيخنا على بيت المتنبي:

    أيا لائمي إن كنت وقت اللوَائم ... علمتَ بما بي بين تلك المعَالم

    وعلى كلام أبي الفتح بعده: وهو من المبالغَة في اليمين (٣) . قال: كذا في الأصل. ولعله أراد من قوله: "اليمين" أنّ مثل هذا يساق مساق الحلف لأنه دعاء على نفسه: إن كان كذا. والمعنى القسم بأنه لم يكن. وقول أبي القاسم: "ومثله إن كان ما بُلّغتَ عني" البيت أليق بكلام ابن جنّي. والبيت لمعدان بن جواس الكندي من أبيات الحماسة وبعده:

    وكفنت وحدي منذراً بردائه ... وصادف حوطاً من أعادي قاتل

    vol. 1, p. 599منذر أخوه، وحوط ابنه (١) .

  27. ٥ - ومن إكماله لعجز بيت أورده أبو القاسم في نهاية ديباجة الواضح مع نسبته لصاحبه قوله: البيت لعروة بن الورد. وهو:

    لنبلغ عذراً أو نصيب رغيبة ... ومُبلِغُ نفسِ عُذرها مثلُ مُنجِح (٢)

  28. ٦ - تعيين الأمير الذي أشار إليه أبو القاسم أثناء قوله: فنُمي خبره إلى أمير بعض أطرافها (٣) . قال الشيخ ابن عاشور: نزل المتنبي عند خروجه من اللاذقية في أرض بني عدي من عمل حمص. والأمير هو ابن علي الهاشمي (٤) .

  29. ٧ - ضبط لبعض الأسماء الأعجمية: (١) دلِّير بن لَشْكَرَوز.

    قال المحقّق: كذا كتب في الأصل. ولم يُضبط الاسمان. فأما دِلِّير فقد جاء في البيت ٢٦ من القصيدة اللامية:

    كدعواك كل يدّعي صحة العقل

    ما يقتضي أنه بتشديد اللام، وكذلك في البيتين ٣٧، ٣٨ من تلك القصيدة. وضبط في نسخة مخطوطة من الديوان، وفي مطبوعة العكبري المطبوعة مع شرح العكبري (ط. الحلبي ١٣٥٥) بكسرة تحت الدال، وجعلت علامة الشدّ على اللام في مخطوطة من الديوان، وفي شرح الواحدي وشرح العكبري، وجعله علامة سكون على الياء التحتية في نسخة الواضح، ومطبوعة شرح العكبري. ووقع في مطبوعة خزانة الأدب (١) ١/ ٣٨٥ (دبير) بموحدة عوض اللام. ولعله تحريف وهو اسم عجمي.

  30. وأما لشكروز فهو بِرَاءٍ بعد الكاف، وبزاي بآخره في جميع نسخ الديوان، ونسخ الشروح التي بين أيدينا. وضبط في نسخة مخطوطة من الديوان بفتحة على اللام. ووضع في نسخة الواضح فتحة على الواو، وكذلك في نسخة مخطوطة من الديوان. وضبط حرف الزاي في مخطوطة الديوان بفتحة وعلامة تشديد. ووقع في خزانة الأدب بياء تحتية في أوله عوض اللام. ولعله تحريف. ووُصف لَشكروز في نسخة الديوان بالديلي، ولعل صوابه الديلمي. وكان مدح أبي الطيب دلير سنة ٣٥٣. كذا قال المعري في معجز أحمد (١) .

    vol. 1, p. 600
  31. (٢) ضبط كلمة دمستق مع ذكر ما ورد بشأنها بعديد المراجع من إطلاقات، والمقارنة بينها مع ذكر الأوفق منها بالنص ٦.

    قال الإمام: الدُّمستق بضم الدال المهملة بعدها ميم مضمومة فسين مهملة ساكنة فتاء فوقية مضمومة. كذا ضبط في موضعين من طبعة شرح العكبري في حرف الجيم، وحرف العين. وهو الذي تقتضيه حروف الاسم في الرومية. وآخره قاف. قال العكبري: هو صاحب جيش الروم. وقال المعرّي في معجز أحمد: وهو قائد الجيش، والاسفهسلّار عند الفرس. اهـ.

    قلت: والاسفهسلّار هو قائد الفرسان، وهو بِهَاءٍ بعد الفاء. وقال في دائرة المعارف: إنه اسم أرمينوس. كان قائماً بأمور الأمبراطور قسطنطين بن لاون. وهو الذي كان يحارب سيف الدولة سنة ٣١٥. وهذا أصح لأن صاحب القاموس لم يذكره، والخفاجي لم يذكره في شفاء الغليل. فما قاله المعري توهّم، وما قاله العكبري محتمل الصواب. وأصل التوهّم جاء من إدخال حرف التعريف على

    vol. 1, p. 601هذا الاسم في كلامهم، كما هو في شعر أبي الطيب وأبي فراس. وشأنه أن لا يعرّف لأنه معرفة بالعلمية كما لا يقال الهرقل. وأما قولنا: الإسكندر والأذفونش فلأن اللام من حروف اسميهما (١) .

  32. ويقوم العمل الثاني من التحقيق على ذكر مستتبعات مادة كتاب الواضح، بطريقة بديعة تجمع بين الإيجاز والإفادة، ولا تكاد تهمل جانباً من الجوانب العلمية والأدبية التي يحتاجها دارس شعر أبي الطيب والناظرُ فيه إلا تناولتها. فهو عند ذكره:

    - أبيات المعاني، في كتاب الواضح، نبَّه المحقق أولاً إلى مواطن ورودها في النص (٢) ، وبيَّن ثانياً المعنى الاصطلاحي المراد من هذا اللفظ قائلاً: أبيات المعاني هي التي تخفى معانيها، وتُوهم ألفاظُها خلاف مرادِ قائلها. فإذا أجيد التأمل فيها ظهر لها معنى صحيح (٣) . ثم قال: ونظير ذلك ما يغالط به في الكلام كقول العرب عند إيراد الإبل في الشتاء: "برديه تجديه سخيناً" والمراد رِدِيه أي الماء تجديه غير بارد، فيكون قولهم: ردِي: فعل أمر من ورد. وأنشَدَ قول الشاعر:

    أقول لعبد الله لما سقاؤنا ... ونحن بوادي عبد شمس وها شم

    المراد بـ (ها شم) كلمتان وهي (وَهَى) فعل ماضي أي تخرَّق، وكلمة (شِم) فعل أمر من شام إذا نظر البرق هل معه سحاب ممطر (٤) .

  33. وينتقل ثالثاً بعد هذا إلى ذكر جملة من المؤلفات في أبيات المعاني. جعل منها كتب الأصمعي والأشنانداني والسيرافي والباهلي والجاحظ (١) .

    vol. 1, p. 602
  34. وخصص الشيخ ابن عاشور بضربين من شعر المتنبي، ترجم للأول منها بالعضديات لكونه أنشدها في مدح عضد الدولة ابن بويه. وقد كان آخرَ شعره (٢) . وترجم للثانية بالصَبَويات عند قوله تعليقاً على بيت المتنبي:

    في مِثْلِ ظَهْرِ المِجَنِّ متّصلٍ ... بمثلِ بطنِ المِجَنِّ قَرْدَدُها

    هذا البيت من الصبويات (٣) .

  35. - وأمام كثرة الألفاظ الواردة في نص الواضح، والمتنوعة بين لغوية وحضارية، واصطلاحية، وبلاغية ونحوها، نستعرض في أمثلة محدودة ما يكشف عن طبيعة كل قسم منها. فالألفاظ اللغوية التي أحببنا الإشارة إليها هي: أنشاء، الممقط، الطلة، النبيذ، الدواويج، العبريات والضال والأياة.

  36. - قال الأصفهاني في ديباجة الواضح: وكان بعض أَنشاءِ خدمته وأغذياءِ نعمته (٤) . قال الشيخ ابن عاشور شارحاً معنى الكلمة، وضابطاً صيغتها إذ لم تضبط كلمة أنشاء في الأصل. قال: ويظهر أنها بفتح الهمزة وسكون النون جمع نشء بفتح وسكون. وهو الصغير من الإبل وغيرها أراد به الناشئين في العلم (٥) .

  37. - وجاءت كلمة ممقّط في قول الأصفهاني: وكان ركن الدولة جاءه ممقّط وخلا به في الميدان. قال الشيخ ابن عاشور: في اللسان: المقاط: الحامل من قرية إلى قرية. والمقاط أجير الكري. اهـ. فلعل الممقط بمعنى المقاط مشتقاً من مقط، أي كان الجاسوس في صورة مقاط (١) .

    vol. 1, p. 603
  38. - وتعليقاً على قول أبي القاسم: لأن النبيذ ليس من كلام العرب. قال: لا يستقيم لأن كلمة نبيذ عربية خالصة غير معربة، ولعل مراد المؤلف أن المشتقات من اسم النبيذ قليلة الدوران في كلام العرب (٢) .

  39. - وأمّا طلَّتي في ما يرويه الأصمعي:
  40. أفي نَابين نالهما سُواف ... تألّت طَلَّتي ليست تنام

    فمعناه امرأة الرجل. اللسان. والبيت لعمرو بن حسان (٣) .