الفصل الثاني: قضايا أصولية وكلامية

251 paragraphs · vol. 2, p. 23

Page 2 of 7

  1. وقد ترجم الشاطبي لهذا الغرض. وجرى على طريقته الشيخ ابن عاشور بوضعه فصلاً خاصّاً لإثبات وجود الوصف أو المقصد، وبيان طرق طلبه لدى فقهاء السلف وعند المتأخرين.

    vol. 2, p. 31
  2. وتعرّض الشيخ ابن عاشور إلى الفئة القائمة على تعليل الأحكام فوصف منهجها، وتحدث عن خطّ سيرها قائلاً: رسم الفقهاء لأنفسهم طريقة للاستدلال في الفقه وأصوله ألجأتهم عن غير اختيار منهم إلى الاقتصار على الاستدلال بألفاظ الكتاب والسُّنة وأفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبالإجماع.

  3. وتفيد النصوص من أقوال الشارع أحكاماً كلّية، كما تفيد أحكاماً جزئيّة. والمجتهدون ينتزعون من كل ذلك فروعاً: إما بطريق

    vol. 2, p. 32تحقيق المناط، وإما بطريق القياس، كما عمدوا إلى أحكام ثبت صدورها من الشارع في علم المجتهد، وخفي عنه مراد الله منها فاتّهم علمه، وبذل جهده في جنب سعة الشريعة. وسمّوا ذلك بالتعبّدي نسبة إلى التعبّد (١) .

  4. ومهما يكن من اختلاف بين التعليل والتعبّد، فإنا نجد من الفقهاء من يعتبر محصلات البحث والنظر الفقهي الاجتهادي استدلالاً من المجتهد، ورأياً من المستنبط.

  5. ومن الفقهاء والأصوليين من يعتبر الطريق الموصل إلى استنباط الأحكام هو القياس. وهو المعنى الذي يدلّ على الحكم في أصل الشيء وفرعه.

  6. وهنا فرّق العلماء بين المعقولية التشريعية والمعقولية الاعتقادية. وكان من آثار تحليل النصوص ما جعل معقولية الاعتقاد أدخل في الفطرة وأوضح في الدلالة. فكانت دعوةُ عامةِ الأمة متيسّرةً، بخلاف أدلة التشريع، فإنها تخالف أدلة الاعتقاد من وجوه ثلاثة:

    ° أولاً: أنها أخفى دِلالة وأدقُّ مسلكاً إلى الفطرة.

  7. ° ثانياً: أن القصد من مخاطبة الأمة بالشريعة وامتثالِها لها هو أن يكون عملها بها كاملًا.

  8. ° ثالثاً: أن المخاطبين بالشريعة هم الذين استجابوا للدعوة، وصدّقوا الرسل، وآمنوا بالرسالات. فدلَّ هذا على أن طريق الاستدلال هو الطريق الموصّلة إلى الإيمان عندهم، وأن الطريق

    vol. 2, p. 33المسايرة لها هي الطريق التي تظهر بعد إقبالهم على ربهم. وهي طريق التسليم والامتثال (١) .

  9. ويتم التحقق من صحّة الاستنباط للأحكام الشرعية بالبحث عن علل الأحكام، وبإدراك المقاصد التي ناط الشارع بها الأحكام المنصوصة. وبلوغ هذه يكون عن طريق دلالة النص، ومن فقه الباحث في الشريعة الذي به تدرك مناطات الحكم من وصف ظاهر، أو مما في الفعل من جلب مصلحة أو درء مفسدة، أو مما يترتّب على تشريع الحكم من مصلحة.

  10. العلَّة:
  11. العلّة: لغة ماخوذة إما من العلّة التي هي المرض، أو من قولهم: العَلَل بعد النَهَل. والعَلَل: معاودة الشرب مرة بعد مرة، أو مِن اعتلّ إذا تمسك بحُجَّة.

  12. والعلّة ذات دلالات متعددة:
  13. ١ - فهي إما ما يترتب على الفعل من نفع أو ضرر كالذي ترتب على البيع الذي هو مبادلة مال بمال من نفع كل من المتبادلين ودفع الحرج والمشقة عنهما لو لم يتبادلا، أو كالذي يترتب على الزنا من اختلاط الأنساب، وما يترتب على القتل من ضياع النفوس وإهدارها.

  14. ٢ - وإما ما يترتب على تشريع الحكم من جلب مصلحة، أو دفع مفسدة، كالذي يترتب على إباحة البيع من تحصيل النفع السابق، وما يترتب على تحريم الزنا والقتل وشرع الحد والقصاص لحفظ الأنساب والنفوس.

  15. ٣ - وهي الوصف الظاهر المنضبط الذي يترتب على تشريع الحكم عنده مصلحة للعباد كالزنا وقتل النفس، ولفظي الإيجاب والقبول "بعت واشتريت" .

    vol. 2, p. 34
  16. وخصّ أهل الاصطلاح الوصف باسم العلّة، وفرّقوا بين العلّة والحكمة، والعلّة والمقصد مجازاً. وقالوا: العلّة في تحريم الخمر الإسكار، ومقصد الشارع من التحريم مصلحة حفظ العقول.

  17. وجعلوا السَفر والمرض علّة للإفطار وقصر الصلاة. والمصلحة من ذلك الإباحةُ، رفعاً للحرج ودفعاً للمشقة.

  18. وأما العلة عند المعتزلة هي الوصف المؤثّر بذاته في الحكم. فأفعال الله معلّلة بمصالح العباد أو معلّلة بالأغراض.

  19. وهي عند الأصوليين الوصف المعلَّل به الحكم من حيث تأثيره في وجوده، أو من حيث كونه سبباً باعثاً على شرع الحكم. وقال بعضهم: هي علامة وأمارة على الحكم فقط.

  20. وعرفها فخر الإسلام في أصوله. فقال مرة: هي ما حصل علماً على حكم النص من وصف يشتمل عليه النص بصيغة القدر والجنس. وأورد تعريفاً ثانياً عند بيان علل الشرائع فقال: هي عبارة عما يضاف إليه وجوب الحكم ابتداء (١) .

    وقالت الحنفية: هي المعرّفة لحكم الأصل لا من حيث ذاته، بل من حيث تعدّيه إلى الفرع، فالمعَرَّفة بالعلّة إنما هي التَعْدية (٢) .

    وقال الآمدي: العلة في الأصل بمعنى الباعث؛ أي: مشتملة

    vol. 2, p. 35على حكمة صالحة أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم (١) ، أي أن أحكام الشارع مبنية على مصالح العباد سواء أكانت الأحكام دنيوية أم أخرويّة. وبهذا قال ابن الحاجب (٢) .

    وقال الغزالي: العلة هي الوصف المؤثر في الأحكام بجعل الله تعالى. وبهذا قال سُليم الرازي.

    وقالت الشافعية: العلّة هي المعرّفة لحكم الأصل لكن لا على معنى أن الحكم لا يثبت إلا بها، ولم يقولوا: الباعث، لأن الله تعالى لا يبعثه شيء على شيء (٣) .

  21. [شروط العلة]

  22. من شروطها أن تكون مؤثرة في الحكم.

  23. وأن تكون وصفاً ضابطاً بأن يكون تأثيرها لحكمة مقصودة للشارع.

  24. أن تكون ظاهرة جليّة وإلّا لم يكن إثبات الحكم بها في الفرع على تقدير أن تكون أخفى منه أو مساوية له في الخفاء.

  25. وأن تكون سالمة بحيث لا يردّها نص ولا إجماع، ولا يعارضها من العلل ما هو أقوى منها وأن تكون مطّردة.

  26. "ومن شروطها ألا تكون عدَماً في الحكم الثبوتي، وألا تكون العلّة المتعدّية هي المحل أو جزءاً منه" . وقالوا بلزوم انتفاء الحكم بانتفائها، وبأن تكون أوصافها مسلمة أو مدلولاً عليها، وأن يكون الأصل المقيس عليه معلّلاً بالعلّة التي يعلق عليها الحكم في الفرع

    vol. 2, p. 36بنص أو إجماع، وألا تكون موجبة للفرع حكماً، وللأصل حكماً آخر، وألا توجب ضدَّين، وقيل: أن لا يتأخّر ثبوتها عن ثبوت حكم الأصل.

  27. ومما اتفقوا عليه أن يكون طريق إثباتها شرعياً كالحكم. وقال الأكثرون: إنه لا يجوز التعليل بالصفات المقدّرة.

  28. واشترطوا في العلّة المستنبطة ألا ترجع على الأصل بإبطاله أو إبطال بعضه.

  29. وألا تُعارَض بمعارض منافٍ موجود في الأصل.

  30. وألا تكون معارضة لعلّة أخرى تقتضي نقيض حكمها.

  31. وألا تكون موجبة لإزالة شرط تضمّنه الأصل.

  32. وألا يكون الدليل على العلّة متناولًا لحكم الفرع - لا بعمومه ولا بخصوصه - لاستغنائه عن القياس في مثل هذه الصورة.

  33. وألا تكون العلّة مؤيدة لقياس أصل منصوص عليه بالإثبات على أصل منصوص عليه بالنفي (١) .

  34. ومن يتتبع هذه الشروط المعتبرة وغيرَها، ويقف على مسالك العلّة، يتضحْ له أن القول بالقياس ليس ابتداعاً أو بُعداً عن أصول الشريعة. ومن أجل هذا قال الإمام الأكبر الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور: "لا أحسب لمن يتطرّقه شك، في قبول الأحكام للقياس، حساباً من سعة النظر في الشريعة، ولا أعدّه إلا عاكفاً على تلقّي الجزئيات المأثورة، دون شعور بجهات الاتحاد بين متماثلها في

    vol. 2, p. 37الأحكام، ولا أحسبه إلا متحيّراً عند تطلّب أحكام لصور وأعمال غير ثابتة في الآثار أحكامٌ لها، وأنه لا يلبث إلا أن يجد نفسه مضطراً للقياس، وإذا افتقد نفسه وجد نفسه قد قاس" (١) .

  35. والمعدول عن سُنن القياس، أو الخارج عنه قسمان:
  36. القسم الأول: ما لا يعقل معناه، وهو ضربان:
  37. الأول ما استثني من قاعدة عامة وخصص بالحكم كقبول شهادة خزيمة وحده فيما لا تقبل فيه شهادة الواحد.

  38. والثاني ممّا لا يقاس عليه كأعداد الركعات وتقدير نصب الذكوات ومقادير الحدود والكفارات.

  39. القسم الثاني: ما شُرع ابتداءً ولا نظير له فلا يجري فيه القياس.

  40. وهو ضربان أيضاً: