الفصل الثاني: قضايا أصولية وكلامية
251 paragraphs · vol. 2, p. 23
Page 6 of 7
- vol. 2, p. 65
وتحدث أهل العلم كثيراً عن إنكار ابن حزم للتعليل قبل أن يعلن عن مناوأته للقياس عند أهل الرأي. فهو الذي يقول: الحكيم بيننا لا يفعل إلا لعلّة صحيحة، والصحيح هو الذي يفعل لا لعلّة،
vol. 2, p. 66فقاسوا ربهم تعالى على أنفسهم. وقالوا: إن الله لا يفعل شيئاً إلا لصالح عباده. وراموا بذلك إثبات العلل في الفترات. قال أبو محمد: وتكاد هذه القضية الفاسدة التي جعلوها عمدة لمذهبهم، وعقدة تنحل عنها فتاواهم أن تكون أصلاً لكل كفر في الأرض. وأما على التحقيق فهي أصل لقول الدهرية والمانوية وقول من قال بالتناسخ، ومن أبطل النبوات (١) .
-
ومن شنيع قوله في ذلك تأويله لقول الله تعالى: {وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (٢) فيؤول الآية بقوله: فأخبر الله تعالى أن البحث عن علّة مرادِهِ ضلال؛ لأنه لا بد من هذا، أو من أن تكون الآية نهياً عن البحث عن المعنى المراد. وهذا خطأ لا يقوله مسلم، بل إن البحث عن المعنى الذي أراده الله تعالى فرض على كل طالب علم، وعلى كل مسلم فيما يخصه. فصح القول الثاني ضرورةً ولا بد (٣) .
-
وردّ كثير من العلماء بشدّة على إنكار ابن حزم التعليل والقياس (٤) ، ونقل إمام الحرمين عن المثبتين قولهم، وهو ما ذهب إليه ذوو التحقيق: إنا لا نعد منكري القياس من علماء الأمة وحملة الشريعة. فإنهم مباهتون أولاً على عنادهم فيما ثبت استفاضة وتواتراً، ومن لا يزعه التَّواتُرُ ولم يحتفل بمخالفته، لم يوثق بقوله ومذهبه (٥) .
-
ولما حدد ابن عاشور موقفه من المثبتين للقياس، ومن
vol. 2, p. 67المنكرين له كابن حزم، أعلن مجافاتَه للظاهرية ومخالفتَه لها. وحمل المتمسكون بالظواهر النافون للقياس كثيراً من أهل السُّنة على سلوك مسلكهم اعتباراً للتعبّد. ووقع لهم من الجمود في استنباط الأحكام ما يشهد بفقدان الحس بالمقاصد لديهم، وعدم الاعتداد بها في ضبط الأحكام كلياً. ودليل ذلك أن من بينهم من تمسك يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كل شيء خطأ إلا السيف" (١) في قتل العَمد، وهذا لا يصحّ. فإن القتل العمد لا ينحصر في هذه الصورة. بل يحصل بعدة أسباب كالزهق بالخنق، والحرق بالنار، والذبح بقصب أو بما سواه. وهذه من الملحقات بالقتل بالسيف. وقد توقَّفَ بعضهم في الحكم بالقصاص في الصخرة تلقى من علُ على أحد المارة أو الجالسين على جنب الطريق قصداً فتقتلَه، وكذلك في ضرب الرأس بالدبوس، والإغراق مكتوفاً، والتجويع الأيام المتتالية. ويرجع تردّدهم في هذا الموقف إلى أخذ فقهائهم باللفظ أو بالوصف دون القصد، فيوشكون بتصرّفهم أن يبلغوا حد نفي الحِكْمة عن الشريعة التي أنيطت أحكامُها بها. وربما اضطرهم منهجهم الاجتهادي هذا إلى التوقّف عن إثبات الأحكام فيما لم يُروَ فيه من حوادث الزمان عن الشارع حكم. وفي هذا كل الخطر، وهو الإنكار لحقيقة ثابتة عن الشرع تقضي بأن شريعة الإسلام صالحة لكل زمان ومكان. وهذا ما ينطق به قول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} وغيرُه من النصوص، وتشهد له العقول، أو تنتهي إليه، ويدركه ذوو الفهم بالحلال والحرام.
-
ولم يَسلَم هذا الحكم: حكم الإمام على الظاهرية من معارضة ونقاش؛ لأنه كان انبنى على نقاط أساسية معتبرة، يجد في العصر
vol. 2, p. 68الحاضر منازعة شديدة تحمل بعض الدارسين على الحفاظ على رأي ابن حزم، وعلى تحليل تصوراته المبنية على نظريته الفقهية المتميزة. فقد كان ابن حزم كما قدّمنا يرى أن كثيراً من الأمثلة الفقهية التي انبنت طرقها الاستدلالية على التعليل تُردّ إلى النصوص. فهذه بمقتضى كمالها شاملة لكل الحوادث التي تأتي في كل العصور. أما طريق إفادتها للحكم فلا يمكن أن يخرج عن أصول الأحكام التي تُرَدّ عند ابن حزم إما لنص وإما لإجماع، وإما إلى دليل مولد منها ومفهوم من دلالتيهما. ويفسّر هذا أن الحكم يؤخذ لا بحمل يكون أساسه التعليل القياسي باستخراج علّة من النصّ كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، بل بفهم النص في ذاته فهماً لا يحيد عن المعاني الواردة فيه. وبهذا يختلف المنهجان: منهج الجمهور ومنهج الظاهوية. وذلك بكون الأول يعتمد الحمل الظنّي الذي يؤسس على القياس الأصولي، وبكون الثاني ينطلق من عمليتي الفهم والتمييز للنصوص لا من القياس (١) .
-
ولا يخفى ما في الطريق الثاني من صعوبة شهد بها علماء الأصول والفقه، وما توقف فيه المجتهدون لكونه إذا اعتمد وحده لا يفي بالغرض في كثير من القضايا المستجدة.
-
[مجالات الإثبات والإنكار للقياس]
-
وعلى أساس ما قدمنا يتضح أن من الأصوليين والفقهاء معتضدين بالقياس، معتمدين عليه وهم المثبتون، ومنهم معطّلون له، راغبون عن العمل به، وهم المنكرون.
- vol. 2, p. 69
وما من شك في أن من بين المثبتين، والمنكرين لحُجية القياس أئمةً، هم وإن كانوا من القسم الأول أو من القسم الثاني، فقد اختلفوا اختلافاً تميّزوا به عن نظرائهم من المثبتين أو النفاة. ويظهر هذا فيما انتحوه من اتجاهات في بعض القضايا والموضوعات.
قال الأستاذ أبو منصور: اختلف المثبتون للقياس على أربعة مذاهب:
ذهب عدد منهم إلى القول بثبوته في العقليات والشرعيات. وهو قول فقهاء الشافعية.
-
ومنهم من أثبته في العقليات دون الشرعيات. وهو قول بعض الظاهرية.
-
ومنهم من أثبته في الأحكام الشرعية التي ليس فيها نصّ ولا إجماع، ونفاه في العلوم العقلية. وهذا قول المعتدين المتمسكين بأن المعارف ضرورية.
-
ومنهم من نفاه في العقليات والشرعيات جميعاً. وهو مذهب أبي بكر بن داود الأصفهاني (١) .
-
واعتمده القائسون فجعلوه دليلاً بالشرع.
-
وجعله أبو الحسين البصري ومن أخذ برأيه دليلاً بالعقل، والأدلة السمعية وردت مؤكّدة له.
وقال ابن الدقاق: يجب العمل به بالعقل والشرع. وهو ما جزم به ابن قدامة في الروضة.
- vol. 2, p. 70
أما المنكرون للعمل بالقياس فالنظَّام ومن تبعه من المعتزلة أمثال جعفر بن حرب، وجعفر بن مبشّر والإسكافى. وقد انتهى هذا إلى داود الظاهري ثم إلى زعيم الظاهرية ابن حزم.
-
ومن قضايا الاختلاف في القياس إثباته في التوحيد ونفيه في الأحكام.
-
وقال فقهاء الأمصار وسائر أهل السُّنة بالعكس فنفوه فى التوحيد وأثبتوه في الأحكام. وخالفهم داود بنفيه فيهما جميعاً.
-
وحكى القاضي أبو الطيب الطبري عن داود النهرواني والمغربي والقاساني أن القياس محرّم شرعاً (١) .
-
[القياس عند الظاهرية]
-
دعت المدرسة الظاهرية إلى إبطال القياس كما أبطلت التعليل، واستبدلته بالدلالة الشرعية المستنبطة من النصوص عند سائر الفقهاء، عدا الباطنية. والدلالة المصطلح عليها لديهم تعرف بالدليل. والدليلُ عندهم دليل منطقي، مستمد من المصادر الثلاثة: الكتاب، والسُّنة، والإجماع لا يتجاوز دلالةَ اللفظ ومفهومَ النص. وجوهر الدليل إخراج ما هو مضمّن في المقدمات، واستنتاج لما هو معطى سلفاً بكيفية جلية أو خفية من النص، استنتاجاً واستخراجاً يقينيين على أساس قاعدة اللزوم المنطقي (٢) .
-
ورتب سالم يفوت على تعريف الدليل هذا، معتمدِ الظاهرية،
vol. 2, p. 71القولَ بأن القياس الفقهي يفيد حكماً زائداً؛ لأن آليته أساسُها حمل ما لم يرد فيه نص على ما ورد فيه نص، أو ربطُ جزء بجزء لعلّة أو شبَهٍ بينهما. وفي هذا تجاوز للنص وتحكّمٌ، نتيجتُه إضافة شرع جديد. وحجة الظاهرية على هذه الدعوى قول الله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} (١) ، والشريعة الإسلامية كاملة ليست في حاجة إلى إضافات كيفما كانت أشكالها وصورها وأساميها ما لم يكن لها أساس في النص نفسه. ولهذا قالوا: إن الدليل لا كالقياس لا يمثل إضافة شرع جديد إلى الشرع، بل هو إضفاء للمعقولية عليه وإخراج لما هو مضمّنٌ فيه (٢) .
-
وسبق إلى تحرير هذا الرأي الإمام ابن القيم في حديثه عن شمول نصوص الشريعة وغناها عن القياس، بانياً رأيه على مقدمتين: الأولى أن دلالة النصوص نوعان: حقيقية وإضافية. فالحقيقية تابعة لقصد المتكلم وإرادته وهذه الدلالة لا تختلف. والإضافية تابعة لفهم السامع وإدراكِه، وجودةِ فكره وقريحته، وصفاء ذهنه ومعرفه بالألفاظ ومراتبها. وهذه الدلالة تختلف اختلافاً متبايناً بحسب تباين السامعين في ذلك (٣) .
-
وتعرض لمثل هذا الأصوليون. قال الشوكانى: إن نفاة القياس لم يقولوا بإهدار كل ما يسمى قياساً، وإن كان منصوصاً على علّته، أو مقطوعاً فيه بنفي الفارق، بل جعلوا هذا النوع من القياس مدلولاً عليه بدليل الأصل مشمولاً به، مندرجاً تحته. وبهذا يهون عليك الخطب، ويصغر عندك ما استعظموه، ويقرب لديك ما أبعدوه؛ لأن
vol. 2, p. 72الخلاف في هذا النوع الخاص صار لفظياً. وهو من حيث المعنى متفق على الأخذ به والعمل عليه. واختلاف طريقة العمل لا تستلزم الاختلاف المعنوي لا عقلاً ولا شرعاً ولا عرفاً (١) .
-
وهذا المعنى وإن توهمه السابقون، فقد رده الرازي بقوله: إن هذا الأساس لزومي منطقي يعطي أحكامه الشرعية عند ابن حزم بالاعتماد على الأسس المنطقية. وهو ضروري لقيامه على عمليتي الفهم والتمييز المنصبَّيْن على النص، واللذين يشبهان بتوليد أو استنتاج أو تفريع دليل، توليداً واستنتاجاً وتفريعاً ضرورياً. وطريق الدليل الاستنباط والانتقال التدريجي من المقدمات إلى النتائج، بخلاف اللزوم المنطقي في القياس الأصولي الذي يكون الحمل فيه متجاوزاً لفظه.
-
وهذه الطريقة الاستدلالية لاستنباط الأحكام عند الظاهرية تقتضي زيادة أصل آخر جهِله الفقهاء، سبيله القياس وموضوعه الدليل. وهو عمل القائسين الذين تجاوزوا حد القياس الأصولي، واتخذوا من الدليل الذي صوّروه وقالوا به أصلاً وطريقاً من طرق الاجتهاد عندهم. ويتعارض هذا مع حديث معاذ، كما يناقض رسالة ابن الخطاب إلى شريح قاضيه على الكوفة.
-
لكن داود وابن حزم مضيا قدماً غير ملتفتين إلى هذين الأثرين، قادحين فيهما بالضعف والوضع.
-
ويوضح أقوال أئمة السُّنة من القياس شيخ الإسلام تقي الدين الفتوحي الفقيه الأصولي الحنبلي في مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (٢) .
- vol. 2, p. 73
[حجية القياس: أدلة المثبتين]
-
أغلب الجمهور مثبتون لحجية القياس بالكتاب، كما قدمنا، وهم مأذونون، في الآية، بالاعتبار بأفعال بني النضير وما نزل بهم. فلا تفعلوا ما فعلوا فتعاقبوا بما عوقبوا به. وفي الآية دليل على أن المسببات تابعة لأسبابها. والقياس الشرعي لا يخرج عن ذلك.
-
وورد في القرآن ذكر علة تحريم الخمر. وهي ما يترتب على شربها من مفاسد دينية ودنيوية. وأخطر ما في ذلك وأقذعه إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس.
-
وفي السُّنة مثل ذلك في حجية القياس وهو حديث معاذ (١) .
-
وفي رواية عن معاذ وأبي موسى أنهما أجابا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد سألهما: كيف تقضيان إن لم تجدا الحكم في الكتاب والسُّنة؟، قالا: قسنا الأمر بالأمر؛ فما كان أقرب إلى الحق عملنا به (٢) .
-
ويمكن استفادة حجية العمل بالقياس من فتاواه - صلى الله عليه وسلم -. وأجاز للرجل تقبيل امرأته وهو صائم: فإنه ألحقَ دين الله بدين الآدمي في وجوب القضاء. وهو عين القياس (٣) .
-
ومن أدلة المثبتين للقياس: "لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فَجَمَلوها وباعوها وأكلوا أثمانها" .
-
ومنها أيضاً قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كنت نهيتكم عن ادَّخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة فادخروها" .
- vol. 2, p. 74
ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم - في الصيد: "فإن وقع في الماء فلا تأكل منه، لعل الماء أعان على قتله" (١) .
-
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر علل الأحكام والأوصاف المؤثّرة فيها ليدل على ارتباطها بها، وتعدّيها بتعدّي أوصافها وعللها كقوله في نبيذ التمر: "شجرة طيبة وماء طهور" (٢) .
وأما الصحابة فقد كانوا يجتهدون في النوازل ويقيسون بعض، الأحكام على بعض، ويعتبرون النظير بنظيره ... وإن الحق ليعرف بالمقايسة عند ذوي الألباب (٣) .
-
وروى الخطيب مرفوعاً (والرفع غير صحيح) قال: وقد اجتهد الصحابة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - في كثير من الأحكام ولم يعنفهم. كما أمرهم يوم الأحزاب أن يصلّوا العصر في بني قريظة. فاجتهد بعضهم وصلَّوها في الطريق. وقالوا: لم يرد منا التأخير وإنما أراد سرعة النهوض فنظروا إلى المعنى، واجتهد الآخرون وأخروها إلى بني قريظة فصلوها بعد غياب الشمس. فنظروا إلى اللفظ.
-
وهؤلاء هم سلف أهل الظاهر، وأولئك هم سلف أصحاب المعاني والقياس.
-
واستدل آخرون على حجية القياس بالعقل فقال البهاري: إن القياس حجة لحكم شرعي. وكل ما هو كذلك فالتعبّد به واقع لأنه طلب للعلم. ولذلك أثبته الحكماء والمتكلمون وقالوا بفرضيته إجماعاً (٤) .
vol. 2, p. 75وقال البيضاوي: إن المجتهد إذا غلب على ظنه كون الحكم في الأصل معللاً بالعلة الفلانية. ثم وجد تلك العلة بعينها في الفرع. يحصل له بالضرورة ظن ثبوت ذلك الحكم في الفرع، وحصول الظن بالشيء مستلزم بحصول الوهم بنقيضه. وحينئذٍ فلا يمكنه أن يعمل بالظن والوهم لاستلزامه اجتماع النقيضين، ولا أن يترك العمل بهما لاستلزامه ارتفاع النقيضين، ولا أن يعمل بالوهم دون الظن لأن العمل بالمرجوح مع وجود الراجح ممتنع شرعاً وعقلاً، فتعيّن العمل بالظنّ، ولا معنى لوجوب العمل بالقياس إلا ذلك (١) .