الفصل الثاني: قضايا أصولية وكلامية

251 paragraphs · vol. 2, p. 23

Page 5 of 7

  1. وأكثر ما يكون من التعبّديات في أصول العبادات، وفي نَصب أسبابها، وفي الحدود والكفارات، وفي التقديرات العددية بوجه عام.

    وقال العزّ بن عبد السلام: يجوز أن تجرد التعبديات عن جلب المصالح ودرء المفاسد. ثم يقع الثواب عليها، بناء على الطاعة

    vol. 2, p. 57والإذعان من غير جلب مصلحة غير مصلحة الثواب، وفي درء مفسدة غير مفسدة العصيان، فتحصّل من هذا أن الثواب قد يكون على مجرد الطواعية من غير أن تحصّل تلك الطواعية جلب مصلحة أو درء مفسدة سوى مصلحة أجر الطواعية (١) .

    vol. 2, p. 56
  2. وكما اتضح ما بين المذاهب من اختلاف في القول بالتعليل ينبغي أن نرتِّب على ذلك اختلافها في العمل بالقياس.

  3. [حكم القياس]

  4. ذهب الجمهور إلى القول بالتعبّد بالقياس عقلاً. وهو قول الأئمة الأربعة وأكثر الفقهاء والمتكلمين. وبه قال السلف الصالح من الصحابة والتابعين. واختلفوا في التعبّد به شرعاً.

  5. فالأكثر على ثبوته بدليل السمع، وقيل: بدليل العقل. ويشهد لهذا قول الباجي: والدليل [العقلي] على جواز التعبّد بالقياس أنه ليس في التعبّد به وجه من وجوه الإحالة يُعلمُ بضرورةٍ من تجويز الجمع بين الضدّين، وكون الجسم الواحد في وقت واحد في مكانين مختلفين، وكون الخبر الواحد صِدقاً كَذِباً، وقلبُ الأشياء عن معانيها، وإخراجُ الأشياء عن صفات أنفسها. وما لم يكن فيه وجه من وجوه الإحالة [هذه] وجب أن يكون جائزاً (٢) .

  6. وفصّل الغزالي القول في ذلك فقال: إن الذي ذهب إليه الصحابة بأجمعهم وجماهيرُ الفقهاء والمتكلمين من بعدهم أن التعبّد به شرعي. وأنكر أهل الظاهر وقوعَه، بل ادَّعَوا حظرَ الشارع له (٣) .

  7. ولبيان أوجه الاختلاف، ولكون القياس من العمل بالرأي يتعيّن علينا أن نقف قليلاً، تمهيداً وتفصيلاً لما ورد في الرأي من أقوال تجعل منه الباطل الذميم المردود، والصحيح المقبول المعتمد المحمود، والمشتبه فيه المحتاج إلى توقّف ومتابعة نظر وتدبّر.

    vol. 2, p. 58
  8. [العمل بالقياس]

  9. عَمِلَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالقياس. يدلّ على هذا ما روي عنه من حديث أبي ذرّ وغيره. فقد قال لمن سأله مستغرباً: أيقضي أحدنا شهوته ويؤجر! قال: "أرأيت لو وضعها في حرام أكان يأثم؟ " قال: نعم. قال: "فكذلك يؤجر. أفتجيزون بالشر ولا تجيزون بالخير" !. والحديث جزء من حديث: "ذهب أهل الدثور بالأجور" . وهو من قياس العكس.

  10. ومنه حديث القُبلة من الصائم. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجيباً عمر عن ذلك لما سأله: "أرأيت لو تمضمض ماء ومجّه وهو صائم" . فقال عمر: لا بأس. قال: "فكذلك هذا" .

  11. ومثله حديث الخثعمية في الحج عن أبيها. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أرأيتِ لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان ذلك ينفعه؟ " . قالت: نعم. قال: "فدَين الله أحق" (١) .

  12. وائتسى أكثر الفقهاء من عهد الصحابة إلى اليوم بما كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، وعملوا بالقياس فيما يصح فيه القياس من الأحكام، شرطَ استكمال الشروط. وأجمعوا على ذلك. قال المزني: يستعمل الفقهاء القياس في الفقه في جميع الأحكام من أمر

    vol. 2, p. 59دينهم وأجمعوا أن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل. فلا يجوز لأحد إنكار القياس لأنه التشبيه بالأمور والتمثيل عليها. وأتى ابن عبد البر بالعديد من الأقيسة المجمع عليها (١) .

  13. والقياس من الدين، وهو حجة عند الثقات من العلماء. ورُتبته بعد الكتاب والسُّنة والإجماع. قال ابن عقيل الحنبلي: قد بلغ القياس التواتر المعنوي عند الصحابة. وهو يفيد القطع. ففي زمنه - صلى الله عليه وسلم - تقرّر القياس وأصولُه مع قوادحه (٢) .

    وقالت طائفة: إن القياس من الرأي، تريد المنع منه والصرف عنه، لما رواه أبو هريرة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قوله: "تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله، ثم تعمل برهة بسُنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم تعمل بعد ذلك بالرأي، فإذا عملوا بالرأي ضلّوا" .

    وقال عمر بن الخطاب: أصبح أهل الرأي أعداء للسنن، أعيتهم الأحاديث أن يعوها، وتفلتت منهم أن يرووها، فاشتقوا الرأي (٣) .

  14. وفصّل القول في هذا جمهور العلماء فجعلوا الرأي ثلاثة أقسام: رأي باطل بلا ريب، ورأي صحيح، ورأي هو موضع الاشتباه. وقد استعمل السلف الرأي الصحيح، فآمنوا به، وسوغوا القول به، وذمّوا الباطل ومنعوا من العمل به في الفتيا والقضاء، وأطلقوا ألسنتهم بذمه وذم أهله.

  15. والقسم الثالث جوزوا العمل به عند الاضطرار إليه، حيث لا

    vol. 2, p. 60يوجد منه بد. ولم يلزموا أحداً العمل به ولم يحرّموا مخالفته ... وإنما خيّروا بين قبوله وردّه. ولعل هذا الرأي يستند إلى قول الشافعي فيما رواه الإمام أحمد عنه، وقد سأله عن القياس، فقال: عند الضرورة (١) .

  16. ولخّص ابن عبد البر، ما يكون به الجمع بين المقالين، بقوله: الرأي المذموم المذكور في الآثار، عن النبي وعن الصحابة والتابعين، هو القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون، والاشتغالُ بحفظ المعضلات والأغلوطات، وردُّ الفروع والنوازل بعضها على بعض قياساً، دون ردّها إلى أصولها، والنظر في عللها واعتبارها. فاستعمل فيها الرأي قبل أن تُنزَّل، وفُرَّغت وشُقّقت قبل أن تقع، وتُكلم فيها قبلَ أن تكون بالرأي المضارع للظن. وقالوا: ففي الاشتغال بهذا والاستغراق فيه تعطيل للسنن، وبعث على جهلها، وترك الوقوف على ما يلزم الوقوف عليه منها ومن كتاب الله - عز وجل - ومعانيه (٢) .

  17. ويقال: إن الشافعي وأحمد اشترطا في القياس شروطاً، وحذّرا من التعبّدية. فالشافعي يقول: لا يقيس إلا مَن جمع الأدلة التي له أن يقيس بها. وهي العلم بكتاب الله: فرضِه وأدبِه، ناسخِه ومنسوخِه، عامِه وخاصِه وإرشادِه. ويستدل على ما احتمل التأويل منه بسُنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فإذا لم يجد سُنة فبإجماع المسلمين، فإن لم يكن إجماع فبالقياس.

  18. وموقف الإمام أحمد في الأخذ بالقياس يؤخذ من قوله في

    vol. 2, p. 61توجيهه للفقهاء في عصره: يجتنبُ المتكلم في الفقه هذين الأصلين: المجمل والقياس، كان في الأثر ما يغني عن القياس. ومما يدل على خوفه من وقوع أكثر الناس في المحاذير تمسُّكُه الشديد المعروفُ بالآثار. وهو ما ينطق به مسنده. وذكر ابن قدامة أقوال الإمام مؤكداً أن ذلك لا يدل على رفضه القياس إطلاقاً (١) .

  19. ولم تثر هذه المقالة ونحوُها إلا اهتماماً زائداً بالفتوى والقضاء. ويفسر هذا قولُ صاحب جامع العلم وفضله: إن الاجتهاد لا يكون إلا على أصول يضاف إليها التحليل والتحريم، وإنه لا يجتهد إلا عالم بها. فمن أشكل عليه شيءٌ لزمه الوقوف، ولم يجز له أن يحيل على الله قولاً في دينه لا نظير له من أصل، ولا هو في معنى أصل. وهو الذي لا خلاف فيه بين أئمة الأمصار قديماً وحديثاً فتدبّره (٢) .

  20. وما من شك في كون المعتدِّ به من الأقيسة ما قاسه النبي - صلى الله عليه وسلم - وتبعه عليه الصحابة، وما كانت عليه الجمهرة من المسلمين الذين أخذوا بالشروط المتقدمة المفصّلة للقياس. ولعل هذا النوع هو الذي وصفه الزهريّ بقوله: نعم وزير العلم الرأيُ الحسن. والفيصل في هذا قول مالك - رحمه الله -: "إنْ نَظُنُّ إلا ظنّاً وما نحن بمستيقنين" . وقوله: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب. فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسُّنة فخذوا به، وكل ما لم يوافق الكتاب والسُّنة فاتركوه" (٣) .

  21. ولم يساند مقالَة الظاهرية عامةُ الفقهاء لا من حيث الشكل والطريق، ولا من حيث ما يترتّب عليها من آثار لا تصحّ عندنا.

  22. وهذا ما حمل ابن العربي على التعريض بها في أبيات منها:

    قالوا: الظواهر أصل لا يجوز لنا ... عنها العدول إلى رأي ولا نظرِ

    إن الظواهر معدود مواقعها ... فكيف تُحصي بيان الحكم في البشرِ

    فالظاهرية في بطلان قولِهم ... كالباطنية غَير الفرق في الصورِ (١)

    vol. 2, p. 62
  23. وتبع ابنُ عاشور ابنَ العربي مقيماً الحُجة على الظاهرية بإبطال لازم دعواها في قوله: وأنت إذا نظرت إلى أصول الظاهرية تجدهم يوشكون أن ينفوا عن الشريعة نوط أحكامها بالحِكمة؛ لأنهم نفوا القياس والاعتبار بالمعاني. ووقفوا عند الظواهر فلم يتجاوزوها .. على أن أهل الظاهر يقعون في ورطة التوقف عن إثبات الأحكام فيما لم يرو فيه عن الشارع حكم من حوادث الأزمان. وهو موقف خطير يخشى على المتردّي فيه أن يكون نافياً عن شريعة الإسلام صلاحها لجميع العصور والأقطار (٢) .

  24. القياس بين المثبتين والنُّفاة:
  25. يستدلّ المثبتون للقياس العاملون به على مذهبهم بالكتاب؛ بقوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} (٣) .

  26. ويستدلّون أيضاً بالسُّنة على القول بالقياس والعمل به، وبما قاله معاذ بن جبل في حواره مع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، المنتهي إلى الاعتصام بالرأي. وذلك قوله: حين يُفقد الدليل من الكتاب والسُّنة: أجتهد برأيي ولا آلو (٤) .

  27. ومثل هذا الحديث قوله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي حين دخله الشك في

    vol. 2, p. 63انتساب ولده إليه لسمرته: فلعل ابنك هذا نزعةُ عرق (١) . استدل ابن حجر به لصحة القياس. وقال الخطابي: هو أصل في قياس الشبه. وقال ابن العربي: فيه دليل على صحة القياس والاعتبار بالنظير (٢) .

  28. ومما استدل به المثبتون للقياس قول البزدوي: وعملُ أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومناظراتُهم في هذا الباب أشهر من أن يخفى على عاقل مميز. فإن طعن طاعن فيهم فقد ضلّ عن سواء السبيل ونبا عن الإسلام. ومن ادعى خصوصهم ادعى أمراً لا دليل عليه، بل الناس سواء في تكليف الاعتبار (٣) .

  29. ومن استدلالهم بالنقل قولهم: إن القياس لا يترتّب على وقوعه محالٌ لذاته ولا لغيره. وكل ما كان كذلك كان جائزاً عقلاً. فالتعبّد بالقياس جائز عقلاً. ومن ذلك ما في التعبّد بالقياس من مصلحة لا تحصل بدونه. وكل ما كان كذلك فهو جائز عقلاً. فالتعبّد بالقياس جائز عقلاً وكان أبو الهذيل العلاف من أشد الناس انتصاراً للقياس، وإلى الاجتهاد بالرأي في الأحكام (٤) .

  30. وأما المعارضون للعمل بالقياس فلم يكن داود الظاهري أوَّل من وقف موقفهم من المثبتين للقياس، بل سبقه إلى ذلك النظَّام. وهو وإن لم يكن ينكر أن الشريعة شرعت لأسباب ومقاصد لكنه ينكر على العقل البشري قدرَته على معرفة كنهها. وهو لا ينكر أن العلّة النصِّيَّة توجب الإلحاق، ولكن لا بطريق القياس بل بطريق اللفظ

    vol. 2, p. 64والعموم (١) . وقد تبع النظَّامَ على مذهبه هذا بعضُ المعتزلة كبشر بن المعتمر، وإسحاق بن راهويه الذي كان على منهج المنكرين. وكان يقول معرضاً بخصومه: نبذوا كتاب الله وسُنة رسوله ولزموا القياس (٢) .

  31. وحمل داودَ الظاهري على إنكار القياس ما رآه لدى المثبتين له من التطرّف والمغالاة.

  32. فمنهم من قدّم القياس على الإجماع.

  33. ومنهم من ردّ الحديث بالقياس.

  34. ومنهم من أوّل الآيات وحاد بها عن معانيها اعتباراً منه للرأي واعتداداً بالقياس.

  35. ويلخص داود الظاهري مذهبه بقوله: الحكم بالقياس لا يجب، والقول بالاستحسان لا يجوز (٣) . وهو ينفي القياس في التوحيد والأحكام. ويقول: إن الأصول هي الكتاب والسُّنة والإجماع فقط. ومنع أن يكون القياس أصلاً من الأصول (٤) .

  36. وإنكاره للقياس كان عاماً مطلقاً للجلي والخفيّ، وإن كان عند الحاجة الماسة إليه لا يرفضه ويسمّيه دليلاً. وهنا يفترق شيخا الظاهرية داود وابن حزم، فالثاني يصرّ على ظاهريته. وقد اشتهر عند الخاصة والعامة بتمسّكه أشد التمسّك بنفي القياس.

  37. وأساس تفكير الطائفة الظاهرية تمسكها بالظاهر دون الباطن. قال علماء الأصول: الظاهر هو اللفظ باعتبار دلالته على معنى متبادر منه، وليس مقصوداً أصلياً بسوق الكلام، مع احتماله للتفسير والتأويل وقبوله للنسخ في عهد الرسالة (١) .

    vol. 2, p. 65
  38. وكشف ابن حزم عن حقيقة الظاهر الذي انبنى عليه مذهبه بقوله: هو ظاهر اللفظ من ناحية اللغة، فلا يُصرَف اللفظ عن معناه اللغوي إلا لنص آخر أو إجماع. فإن نقل اللفظ عما اقتضاه ظاهره، وعما وضع له من دلالة في اللغة إلى معنى آخر بغير نص أو إجماع، فحكم ذلك النقل أنه باطل، ويعتبر تبديلاً لكلام الله - عز وجل - (٢) .

  39. ومن هنا ينطلق ابن حزم إلى القول بأن استخدام القياس في الأحكام الاجتهادية عملية عقلية بحتة تتنافى مع جوهر العقيدة الإلهية. ولو كان الدين بالعقل لجرت أحكامه على خلاف ما أتى به الكتاب والسُّنة.

  40. وكتبت طائفة من الأصوليين عن منكري القياس، فجعلت الرازي في مقدمة هؤلاء بزعمها أنه ينكر أن تكون أحكام الله معلّلة بعلّة البتة. قال الشوكاني: أحسب أن أهم من يصور هذا الاتجاه في الأصول هو داود الظاهري. وعنوَن الشيخ ابن عاشور لهذه المدرسة بمجدّدها ومدوّن مذهبها وواضع أصولها وقواعدها الإمام ابن حزم.