بدء النهضة الفكرية بتونس وبلاد المغرب

86 paragraphs · vol. 1, p. 96

Page 2 of 3

  1. فالملك أو الحكم لديه منصب ضروري للنوع الإنساني. وهو واجب على الأمة شرعاً، راجع إلى اختيار أهل الحل والعقد فيها. وهو ثلاثة أصناف: ملك مطلق، وملك جمهوري، وملك مقيد بقانون شرعي أو عقلي سياسي (٢) . وتتضح من المقارنة بين الأصناف الثلاثة خصائص ومميزات ينفرد بها كل صنف منها. فالمَلِك المطلق يسوق الناسَ بعصاه إلى ما يراد منهم بحسب اجتهاده في المصلحة، والملك فرد غير معصوم. وأجساد الخلق منساقة منقادة له انقياد البهائم والأنعام، خوفاً من حاميته التي جعلها آلة غلبته وقهره، وربما حصل من هذه السياسة انطباع الرعايا على صبغة الانقياد والتسليم بما تخلقوا به من ذلّ المغارم والقهر الذي جدع أنوف آبائهم، ومحا عزّة نفوسهم بمرور السنين.

    vol. 1, p. 113
  2. وهذا الصنف من الحكم مرفوض شرعاً وعقلاً، لأنه تصرف في عباد الله وبلاده بالهوى - والشرائع إنما جاءت لإخراج المكلف من

    vol. 1, p. 114داعية هواه - ولما هو فيه من التغلب والقهر اللذين هما سبب العصيان والفتنة والثورة.

  3. والاستبداد متى وقع زال معه الأمن، وبزوال الأمن يزول الأمل، وبزوال الأمل يزول العمل (١) . وقد قرر ابن خلدون من قبل أن الظلم مؤذن بفساد العمران، كما أنه مفضٍ في تقدير ابن أبي الضياف إلى نقص في بعض الكمالات الإنسانية، حتى صار بعض أهل الجهات من المسلمين عبيدَ جباية، ليس لهم من مسقط رؤوسهم وبلادهم ومنبت آبائهم وأجدادهم إلا إعطاء الدرهم والدينار، عن مذلة وصغار، والربط على الخسف ربط الحمار، إلى أن زهدوا في حب الوطن والدار، وانسلخوا من أخلاق الأحرار. وهذا أعظم الأسباب في ضعف الممالك الإسلامية وخرابها (٢) .

  4. وقد ذكر من صنوف الظلم وضروبه ما هو ترجمة بل صورة من واقع المسلمين في مختلف ديارهم، وحمله ذلك على دفعه، وردّه وإنكاره على النظم التي قامت عليها حكومات الإطلاق.

  5. أما الملك الجمهوري فهو كذلك الذي يشاهد في بلدان أميركة وغيرها؛ يقوم الناس منهم باختيارهم من يلي سياستهم ومصالحهم لمدة معينة. فإذا تمت المدة، يخلفه غيره ممن يقع عليه الاختيار. وقد يستحسنون سيرة أحد رؤسائهم فيمدّدون له. ولا يجعلون لمن يقدم لرئاستهم وحكمهم شيئاً من فخامة الملك وشاراته، بل هو كواحد منهم، ينفذ ما يتفق عليه الرأي من أهل المشورة. ولهم في

    vol. 1, p. 115ذلك قوانين يحترمونها احترام الشرائع المقدسة ويقفون عند حدِّها (١) .

  6. ولما كانت تونس دولة ملكية، كان الأصل أن تلتزم بقانون الملك الإسلامي من كتاب الله وسنّة رسوله، واستنباطات الأئمة المجتهدين وقياساتهم، وحفظ مقاصد الشريعة في تصرّفاتها مع الخاصة والعامة حتى يكون الملك الذي هو ضروري للمجتمع الإنساني جارياً على قانون قويم من الدين في شروط صاحبه، وما يجب عليه من العدل والرفق والأمانة، واتباع المصلحة وإن خالفت هواه، والاستشارة في الأمر كله، والانقياد لأوامر الله على لسان من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} (٢) .

  7. وحين امتدت العصور، واختلفت الأوضاع، انتبه السلطان العثماني سليمان القانوني إلى السبب الرئيسي في تغيّر الأحوال، فخطب في أهل ديوانه معلناً عن إحداث نظام للدولة. وجاء في خطابه: "سبحان الدائم الباقي الذي لا يزول ملكه. ها نحن سلكنا طريق آبائنا وأجدادنا، ولا نعلم ما سيكون بعدنا. وربما كانت ذريتنا فيهم الصالح والطالح، والمستقيم وغير المستقيم، والحائد عن الاستقامة ربما يكون سبباً لزوال هذا الملك بعد انتظامه وتشتيت الإسلام. وإني عزمت على جعل قانون يحتوي على تخويفٍ وردعٍ لمن يخرج من ذريتنا عن الصراط المستقيم" (٣) .

  8. وفي هذا العقد الأول من مقدمته يلتفت ابن أبي الضياف إلى

    vol. 1, p. 116مسالك الغربيين في تنظيم دولهم، ويحيل على رفاعة الطهطاوي في الفصل الثالث من المقالة الثالثة من تأليفه تخليص الإبريز، يلخّص القانون الفرنسي تلخيصاً حسناً بديعاً، يقول فيه: "وإن كان غالب ما فيه ليس في كتاب الله تعالى ولا في سنّة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، لِتعرِفَ كيف حكمت عقولهُم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك وراحة العباد، وكيف انقادت الحكام والرعايا لذلك حتى عمرت بلادهم، وكثرت معارفهم، وتراكم غناهم، وارتاحت قلوبهم، فلا تسمع فيهم من يشكو ظلماً أبداً. والعدل أساس العمران" (١) .

  9. وعلى هذا النحو جرى الوزير المصلح خير الدين في أقوم المسالك، حيث جمع فيه من فرائد السياسة ما تتحلى به الرئاسة. عرَّبَ أكثره مما نقله من كتب فرنسية بأسلوب ممتع غريب المنحى، يشهد لصاحبه بالتقدم وقوة العارضة (٢) .

  10. وابن أبي الضياف وهو يُوَجِّه إلى هذا المنحى السياسي، على الوجه الذي دلّ عليه الطهطاوي ورغّب فيه خير الدين، لا ينسى أن يؤكّد ذلك بمقالات الفقهاء والمؤرخين أمثال الشاطبي في مقاصده، وابن خلدون في مقدمته. وهو مثلُ معاصريه لم يُخْفِ إعجابه وانبهاره بما شاهده في رحلته إلى فرنسة حين كان في معيّة المشير الأول أحمد باي. نلمس ذلك في قوله يشيد بما رآه في باريس: "هي الغانية الحسناء، الباسمُ ثغرها في وجوه القادمين، مشحونةٌ بأعاجيب الدنيا، جامعة لأشتات المحاسن، ينطق لسان عمرانها الزاخر بقوله: كم ترك الأول للآخر. ما شئت من علوم وصنائع، وثروة وسياسة، وطرق

    vol. 1, p. 117وحضارة، وعدل تزكو أنواره. تموج شوارعها بالساكن في مراكز الأمن ومضاجع العافية .. يقودهم الأمل، ويسوقهم الحرص على العمل " (١) .

  11. ولو حاسب المشير الأول نفسه، وهو يشاهد ما شاهده في رحلته الباريسية، لتأثّر لما تأثّر به وزيره وكاتبه خير الدين، وابن أبي الضياف، ولوقف أمام هذا التقابل البغيض الذي يثير في نفوسهم كلهم الشعور بالمرارة: "حضارةٌ زاهية زاهرة، وعدلٌ وأمن، وتقدّمٌ وعلم، وثروة ورخاء في البلد المزور، يقابلها من وراء البحر المتوسط تخلف وظلم واضطراب وجهل وفقر وشدّة". وطبيعي في مثل هذه الأحوال البحث عن الأسباب لتلافي الأمر وتغيير الحال.

  12. ومن أجل تصوير ذلك نكتفي بومضات تتبعها لمحات، نرجو أن تكون صادقة معبّرة. فاعتناء الدول الصغيرة والبلاد الفقيرة مثلاً بجمع العساكر فوق الحاجة وترتيبها وتدريبها، وصرف كل العناية إليها طلباً للأبهة والمفاخرة، والتشبّه بالدول الكبيرة والبلاد الغنية، تضطر الملوك إلى إحداث ضرائب ومكوس تؤثّر نقصاناً كبيراً في ثروة الدولة. وليس من الحكمة القيام بمثل هذا، والدنيا اليوم مؤسّسة على الحقوق. وهذا العسكر الذي بالغ المشيرُ الأول في جمعه، إن كان لحماية المملكة ودَفعِ الأجنبي عنها فالمحقق أن ذلك لا يقع وهو مطلب لا طمع فيه، وإن أُعدّ لدفع الضرر داخل المملكة فالظاهر أنه أكثر من الحاجة، وإن سرّحنا البعض فلا مانع من جلبه في وقته (٢) .

  13. وانتقد ابن أبي الضياف هذا الأمير عند ترجمته له، وشنّع

    vol. 1, p. 118بتصرّفاته في قوله: "إنه ذو همة عالية استصغر بها ما أقامه الله فيه، فحمّل هذه الإيالة، على ضعف حالها وضيق مجالها، ما لا طاقة لها به من التقدم في ترف الحضارة، والاستكثار من الجند، والإفراط في تكثير قادتهم، وغالبُهم أسماء بلا مسميات، مع التفنن في الكرم الحاتمي، فجاد وما لديه قليل:

    وأتعبُ خلق الله مَن زاد همه ... وقصَّر عما تشتهي النفس وُجدَه

    إلى غير ذلك من مقتضيات علو النفس والإمرة المطلقة، حتى تجاوز الحدود، وهو نقصان من المحدود، والتقدم للغاية تأخر عنها، والزيادة على الكفاية نقصان منها" (١) .

  14. وإذا زاد على ذلك فاستطالته أيدي العلماء وقع كما قال بعض الحكماء: الاختلال في بيوت الأموال، وجاء النقص يتبعه الاضمحلال (٢) . وذلك ما دعا دون شك إلى الإسراف في الاقتراض، ومضاعفة المديونية من الدول الأجنبية، مما هدّد استقلال البلاد، وسمح للدائنين بالتدخّل في شؤون الدولة والعباد.

  15. وتفاقم العجز المالي في شعبان سنة ١٢٦٩ عن صرف الرسوم المالية لعدم وجود المال الناضّ بها. وأسباب ذلك كثيرة: منها أن الباي مطلق التصرّف بمشيئته، وفي طبعه شغف بكثرة عدد العسكر النظامي لسياسة انفرد بها، ظناً منه أن الدولة العليّة سوف تغصبه على الأخذ بالتنظيمات ولو بحرب، وثمرة الجهاد تكثير سواد المسلمين، وثمرة التنظيمات إصلاح ما فسد من أمرهم المؤدّي إلى ضعفهم واضمحلالهم (٣) .

  16. ومنها سوء التدبير السياسي وتجنّب حُسن السلوك في التصرّف في شؤون الدولة. فلا أضرّ بالعمران وأَدْعى لأسباب الخراب من تقديم الأمر التحسيني على الواجب الضروري. ودليل ذلك المشاهدة والتجربة، لأن التحسين قبل استقامة ما يراد تحسينه تقبيح (١) . ومن أجل ذلك كان من أفدح الأغلاط والأخطاء السياسية إقبال الأمير على التأنّق، والسرف في الكراريس (٢) ، وفي الأبنية الضخمة، وغير ذلك مما يدعوه ترف الحضارة. والناس على دين أمرائهم. وأنشأ النواشين (الأوسمة) على اختلاف مراتبها. وقبلها منه الملوكُ وأعيان الوزراء والأكابر من غير المملكة، وبالغ في كثرة إعطائها للناس، حتى قال له دقرنج مترجم سلطان الفرنسيس: "أيها السيد، إن النيشان لا يعمل السلطان، والسلطان يعمل النيشان" (٣) .

    vol. 1, p. 119
  17. ولئن تتبعنا هذه الصور والنماذج وأمثالها في تاريخ ابن أبي الضياف لألفيناه بعد تقريره لأوجه الفرق القائمة بين الدول الأوروبية والدول الإسلامية في عهده، يدعو الملوك إلى حُسن السلوك والرشاد، والتغيير المبطل للفساد، واعتماد المشورة في كل أمر، وقبول النصيحة من أهلها، واتباع مناهج الفرنجة الذين بلغ العمران في بلدانهم إلى غاية يكاد السامع أن لا يصدّق بها إلا بعد المشاهدة. فألحَّ على ابتغاء الرقي والتقدم والعزة والمنعة بمسايرة النمط الأوروبي، والسير على طريقه في التدرُّج المعقول عند اتخاذ الأسباب لذلك. فإنهم أسّسوا قوانين عدل حتى استقرّ الأمن وذاقوا

    vol. 1, p. 120لذته وتفيؤوا ظلاله، وأقبلوا على شؤونهم بما وسَّع دائرة عيشتهم وثروتَهم، فقوي الأمل واستقام العمل.

  18. وعندما دعتهم الحاجة إلى كثرته جعلوا المعامل لآلات الغزل والنسيج، ولُيِّن الحديد حتى تصرفوا فيه تصرّف النجار في ليّن أخشابه. وحين كثر المصنوع احتاجوا إلى إنفاقه بالبيع والشراء خارج أوطانهم، وأعون شيء على ذلك الخلطة. فسهلوا طرقها في البحر بالسفن البخارية، وفي البر بتأمين السبل وتمهيد الطرقات، واتخاذ ما يلزم من المراكب والعربات. وجعلوا البريد يحمل مكاتيب الخلطاء، واقتضت نهاية الحضارة نقل الأخبار فاستعملوا التلغراف.

  19. وظهرت آثار العقول الصافية الناشئة في معهد الأمن المغذاة بلبان الحرية. كما أن ملوكهم يترفّعون عن الانتصاب للحكم بين المتداعين تفادياً من معاداة الناس، وأوكلوا الأمر إلى الحكام في مجالس الأحكام.

  20. وهذا التدرج هو الذي أعانهم على ما يطلبونه من العمران، وسهّل عليهم أسباب الحضارة من غير تكلف. ذلك أنّ الأمر الضروري إذا تمّ على أحسن حال طلبَ بطبعه الأمر الحاجيَّ لما في الطباع من طَلَب المزيد، فإذا تمّ طَلَبَ بطبعه أوّل درجات التحسين. ولم يزل يتدرّج فيه بحسب قبوله واستعداده، ولو طمحت أنظارهم إلى التحسين من أول الأمر ما حصلوا على هذه الدرجة (١) .

  21. وتلك هي السُّنة في طلب الأسباب، والسعي وراء المقاصد على المنهج الرابح الذي دعا إليه الإسلام وأصَّلته الشريعة، وقضت به الحكمة، وهدت إليه سنن الراشدين في المنهجين السياسي والعملي، النظري والتطبيقي.

  22. [٣ - محمود قابادو]

    vol. 1, p. 121
  23. العالم اللغوي المتصوِّف، والكاتب الشاعر الأديب محمود بن محمد بن محمد بن عمر بن قابادو الشريف ١٢٣٠/ ١٨١٥ - ١٢٨٨/ ١٨٧١ أندلسي الأصل. لجأ أجداده في بداية العهد التركي أوائلَ القرن العاشر الهجري - السابع عشر الميلادي إلى البلاد التونسية واستوطنوها، وذهبوا إلى صفاقس وأقاموا بها إلى أن اختار والد مترجمنا الانتقال منها إلى تونس، فدخلها ولزمتها أسرته من بعده. ويتصل نسب قابادو بالشيخ معتوق دفين حي يوسف داي بالعاصمة. وهو أحد الثلاثة من كبار الإصلاحيين المجددين خير الدين، وابن أبي الضياف.

  24. حفظ القرآن في صباه بكتّاب الحي قرب مسكنه. وكان سريع الحفظ قويّه من عهد طفولته. وأخذ علمي العربية والاشتقاق، وشدا شيئاً من المعرفة. ثم ذهب إلى طرابلس وانضم إلى حلقة الشيخ محمد المدني، ودخل طريقته وتحصّل على الإجازة منه. وبعد عودته إلى تونس وقبلَ سفره إلى الآستانة دَرَس بجامع الزيتونة، فأخذ جملة من العلوم عن كبار مشائخ عصره أمثال محمد بيرم الثالث، وأحمد بن الطاهر اللّطيف، ومحمد بن ملوكة (١) . وعى جملة من العلوم والمعارف العقلية والرياضية والطبيعية والفلكية، وأقبل على التصوّف مدةً، وعكف على كتب الشيخ

    vol. 1, p. 122محيي الدين بن عربي يشغل بها باله ويملأ بها فراغه (١) . وبرع في علوم العربية وآدابها، وكان إلى ذلك شاعراً بارعاً لَسِناً.

  25. درّس بجامع إستنبول التي لقي بها الشيخ محمد ظافر المدني ابن شيخ طريقته، ثم بعد عودته من تركية، التي أعانه عليها ابن أبي الضياف، التحق بمدرسة الحرب بباردو، ثم بجامع الزيتونة فأقرأ بعض الكتب، وجملة من الفنون من نحو وصرف وبلاغة. فدرّس لطلبته كتاب المطول، ومختصره، وكتاب القطب، وتفسير البيضاوي. وتخرجت عليه زمرة من القادة والعلماء نذكر من بينها: الجنرال حسين الذي وُلِّي وزارة المعارف والأشغال العمومية بتونس، والجنرال رستم الذي تولَّى وزارة الداخلية بها، ومحمد بالحاج عمر الذي ارتقى إلى إدارة المدرسة الحربية بعد دي تافارن، وجمعة القرقني أحد قواد البحر.

  26. وأفاد من علومه الإسلامية والدينية والعربية علماءُ مهرة برزوا في عصره، نذكر في مقدمتهم: الشيخ سالم بوحاجب كبير أهل الشورى، ومحمد بيرم الخامس ناظر المطبعة الرسمية ورئيس الأوقاف ومدير جريدة الإعلام وصاحب صفوة الاعتبار، ومحمد السنوسي محرر الرائد وعضو المجلس العقاري المختلط (٢) ، وابن أخته العلامة محمد بن عثمان بن محمد النجار الشريف الحسني الذي يتصل نسبه بالمتصوّف العالم الذاكر عبد السلام بن مشيش.

  27. وقد تولَّى إلى جانب التعليم بالمدرسة الحربية، وبجامع الزيتونة بتونس خططاً شرعية منها قاضي العسكر بباردو، ومفت مالكي بالحاضرة (٣) .

  28. تميّز على قرنائه بما دبّجت يراعته من آراء في مقدمته لكتاب التعبئة الحربية للجنرال جوميني (١) ، وبما نظم من شعر كان به أول أديب تونسي نحا فيه نحو إصلاح الاجتماع والسياسة والتنبيه إلى وسائل الرقي والتحذير من الإخلاد إلى الخمول (٢) . وإن الشيخ محمد الخضر حسين ليمضي في التنويه به قائلاً: "كان شعر الرجل يدلُّ على جانب من أخلاقه وآدابه. وهو أول شعر ظهر في تونس يدعو إلى مجاراة الغربيين في العلوم والفنون والصنائع، وأول شعر كان مظهر الأسف على ما وقع فيه المسلمون من إهمال الاستعداد لخصومهم، وأول شعر يرمي إلى أغراض سياسية عالية" (٣) .

    vol. 1, p. 123
  29. ولنا على ذلك من قوافيه دلائل وشواهد، منها قصيدته الميمية المقيّدة التي يقول فيها:

    فمن لم يجس خُبْراً أوروبا ومُلكَها، ... ولم يتغلغل في المصانع فهمُه

    فذلك في كنه البلاهة داجن ... وفي مضجع العادات يلهيه حلمُه

    ومن لزم الأوطان أصبح كالكلا ... بمنبته منماه، ثمة حطمُه

    همُ غرسوا دون التمدّن فرعه الر ... رياضي والعلم الطبيعي جذمُه

    أيجمل، يا أهل الحفيظة، أنهم ... يبزّوننا علماً لنا كان فخمُه (٤)

  30. وقصيدته التي ينوّه فيها بما سيترتب على صدور عهد الأمان بتونس من آثار:

    العدل عهد خلافة الإنسان ... ومداد ظل الأمن والعمران

  31. ومنها:
  32. لله قانون أقام سياسةً ... شرعيةً مرصوصة البنيان.

    قد عمّ أنواع الجنايات التي ... هي مرجع الإيلاف والشنآن.

    أبقى الورى أمناً على سكناتهم، ... لا جَور يزعجهم عن الأركان.

    منع التظالم في المكاسب بينهم، ... وتسخّر الأدنى لذي السلطان.

    هذي رئاستكم وعزَّةُ مجدكم ... نيطت بكم يا معشر الأعيان.

    وإلى أمانتكم وحُسن وفائكم ... وُكلت، وغيرتُكُم على الأوطان.

  33. ومنها في ذكر خير الدين:
  34. وأنبت خير الدين في تقريرها ... بفصاحة تزري على سحبان

    ما زال يمليها بفصل خطابه ... حتى وعتها سائر الأذهان (١)

  35. وقد علّق ابن أبي الضياف على هذه القصيدة منوّهاً بها على طولها قائلاً: "هي أقصر من ليالي الوصال، وأعذب ما يسمع من المقال" (٢) .

  36. ولا ننسى هنا تقدير شاعرنا للآراء الإصلاحية، واعتزازه بما صدر عن صديقه صاحب أقوم المسالك من إحصاءات ومقارنات، ودعوة وتوجيهات، حين قال في تقريظه لكتابه قبل طبعه ١٢٨٥/ ١٨٦٨:

    الصبح بادٍ بأفلاك السياساتِ ... منيرة منه أرجاء السياسات (٣)

  37. وقوله فيه بعد صدوره: ومن سبر بمسبار الروية أغوار السِّيَر،

    vol. 1, p. 125وجسّ بأنامل الألمعية نوابض البدو والحضر، واستشرف على استشراء الممالك الأوروبية وتغطرفها، واستئسادها وتصلّفها، بما فَوَّفته من أبراد الحضارة، وما أورفته من ظلال العمارة (١) .

  38. وقد ذيل لهذا التقريظ النفيس بقصيدته التي طالعها:

    صبح بدا من رأى خير الدين ... أغنى العيان له عن التبيين

  39. وهي طويلة. ومن آخرها:
  40. فلكٌ يدير زواهرَ الحِكَم التي ... هي هديُ مُختبط ورَجم ظَنين

    طلعت به شمس الهدى من مشرق الـ ... ـخضراء في ربع الملا المسكون

    تهدي الورى للأقوم الأَمَم الذي ... أدنى من الطلبات كلَّ شَطون

    فليهتدوا، وليحمدوا، ويؤرخوا ... صبْحاً بدا من رأي خير الدين

    ١٨٧٦ - ١٨٧٨ (٢)