بدء النهضة الفكرية بتونس وبلاد المغرب

86 paragraphs · vol. 1, p. 96

Page 3 of 3

  1. فبمثل هذه الأفكار والأشعار طبع الكاتب الأديب والشاعر المبدع قابادو جيلاً كاملاً من المثقفين، عاش عصره أو تخرّج عليه، من روّاد المدرسة الحربية التي أرادها مؤسسُها المشير الأول أحمد باي أن تَسُدّ عوزاً، أو تُحدث تطوراً ومنهجاً، ومن طلبة الجامع الأعظم جامع الزيتونة الواعين بأحكام الشرع والدين، والملتزمين بمنهج الأئمة السابقين، داعياً هؤلاء وأولئك إلى الأخذ بأسباب القوة، والتطلُّع إلى موجبات المنعة والعزّة. فدعوته إلى التنظيمات متبعاً بذلك سنن شيخه شيخ الإسلام عارف بك، واطلاعه على آثار معاصره رفاعة رافع الطهطاوي المصري مثل تخليص الإبريز في تلخيص باريز، ومناهج

    vol. 1, p. 126الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية، والمرشد الأمين للبنات والبنين، وتأثره بما كان ينشره أحمد فارس شدياق في صحيفة الجوائب، وتجاوُبَه مع الوزير أحمد بن أبي الضياف في الكثير من مواقفه، ومساندته وتأييده لرجل الدولة خير الدين صاحب البرنامج الإصلاحي الذي أعدّه على الصعيد الحكومي ليخاطب به جماهير الأمة، جَعَلَت كتبَهُ ومقالاته وأدبَه وشعرَه ترشح بهذه المبادىء الإصلاحية والآراء القويمة الفكرية. وهي وإن ظهرت أحياناً على طريقة عصره، وقد كان مولعاً بالإغراب في التعبير وبوحشي المباني، إلا أنها بدون شك مقبولة من معاصريه، جليّة المعاني معبّرة ومؤثّرة.

    vol. 1, p. 125
  2. تراه ينوّه بالفكر والحضارة الإسلامية التي يعتدّ بها ويفاخر بأمجادها حين يقول: "كم للعلوم الرياضية والطبيعية في الصحائف الإسلامية من خيرات حسان، لم يطمثها من أفكار الفرنج إنس ولا جان. فطال ما عرض عليّ من عيون كلامهم ما وصف لي قصور أفهامهم، حتى هممتُ، ولم أفعل وكدت، وليتني جابهتهم من الحساب ببراهين وقواعد، تأتي بعضَ بنيانهم من القواعد. ولكن أين خُطَّابُها، حتى يكشف عنها نقابها! وهب أن خطابها كثير، فأين الناقد البصير؟! وهب أن لها عِرفة، فأين منها النِّصفة؟! بلى إن لها سوقاً نافقة في هذه الحضرة الرائعة. وحسبك جلاء لعدم ارتياضهم بالرياضة وانطباعهم بالطبيعة أن ليس بين أظهرهم بالمرايا المحرقة خبير، ولا من يعرف منها قبيلاً من دبير" (١) .

  3. وهو يرد ظهور المسلمين على غيرهم في الماضي بما اقتنوه من معارف وكان لهم به من علم وقدرة. فلما وهنوا وتقاعسوا، وتركوا

    vol. 1, p. 127الأخذ بعوامل القوة وطرق التقدم، أفل نجمهم وتلاشت قدرتهم وزلّت بهم قدمهم وولّت هيبتهم. "فالدولة الإسلامية لمّا نشرت لها راية الرعب وخفقت في كل قلب، لم تزل الكفرة في طلاب النجاة منها تمشي تحت كل كوكب. وما منهم إلا من آب بعد الأين بخُفَّيْ حُنَيْن. إلى أن قضى القدر المتيح، والجد المريح، بأن يكون إقبال المراد وإبقال المواد في هذا العهد الحديث، غبّ ذلك السعي الحثيث، لأحلام السفنج، وجرأة الفرنج. فاستحدثوا تلك الطاقة التي هي إحدى الكُبَر، وذات الوَدْقين التي لا يعفو لها أثر، لوّاحة للبشر، التي لا تبقي ولا تذر، الصواعقَ الصناعية، الصادرة عن الأسلحة النارية. فأرادوا بها دائرة البوار على اليَلَب المُدَار، وأباحوا حمى الدِّلاص المادية، والمَوْضونة الحَطْمية، وَقَلَصوا ظلال القنوات، وبَتَروا البِيض الباترات، فَزُفَّ حديث البسالة للمنزل المهجور، ولعبت به ريح صباً ودبور. ولما طبقوا بها من أمنيتهم المِفْصل، وأَصْمَوْا من رميتهم المَقْتَل، شبّ عمرو جُنْدبِهم عن طوق أوزار الحروب السالفة، وشَمَخَ طورُ طورِهم إلى الإشراف على أوزار مستأنسة" (١) .

  4. وبعد هذه المقارنة بين الحالين، وذكر تفوق الفرنجة في القوة المادية والاختراعات النارية، هبّ يدعو كما فعل غيره من المصلحين في عصره إلى الاستفادة من تجارب الغير، وما حقّقه من غلبة وظهور، واتجه في ذلك إلى تنبيه المسلمين الغافلين لا إلى ما يتحتم عليهم من المبادرة إلى الجمع بين ما اقتضاه العقل ودعا إليه الشرع، بل إلى اقتباس ما تفرد به الغرب من الوسائل والطرق المحقّقة لنهضته، المقتضية لسبقه وتقدمه.

  5. وفي لهجة حزينة وقوية، فيها لهفة وحسرة، وإلحاح وشدّة في الطلب، كتب يقول لأقوام عن سنن عوائد الله يعمهون، وفي تيه اطِّراح الأسباب يهيمون. "قد بَرَّح الخفاء ولكن لا تفهمون {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (١) . أولئك قوم أتوا البيوت من أبوابها وأدمنوا القرع، ولن يجيب سبحانه سائلاً بلسانه القابلية بمنع. وإنما الحرمان أن تتَنكَّب السبل عن ضلة أو يأس، وقد قال سبحانه: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (٢) . وما ظنّك بقوم استدارت رحاهم على قطب الجِدّ، وبَكْرَتُهُم على محور الكَدّ، واستمروا خلاف المريرة، واستمرؤوا المُرَّ ودقاريره. وصاهروا ببنات أفكار صعلوكهم أبناء أقيال ملوكهم، فتلقّحت أذهانهم، وتناسلت فنونهم وأفنانهم، واستنبتت قرائحهم، وتنافست موانحهم" .

    vol. 1, p. 128
  6. ثم يمضي في محض النصيحة: "ولقد تقرر لديك أن العدو إذا هجم مغيراً، أو عمّم أمير المؤمنين نفيراً، أنَّ الجهاد يكون إذ ذاك فرض عين، في هاتين الصورتين، وفي غيرهما يعدّ فرض كفاية، كما حققه أهل الدراية، وما لزمنا عن هاتين الصورتين من فسحة، فما لأحد من بنيه عن التعاليم الحربية من ندحة. فهي في الوجوب كمقاصدها، على رغم أنف جاحدها. ألم يبلغك في الآيات المتلوة، قوله عز شأنه: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} (٣) أو ليس تلك التعاليم من القوة المستطاعة، فيتناولها أمر الوجوب وينظمها في سلك الطاعة؟! " (٤) .