الفصل الثاني: موضوعات من علم المقاصد في كتب جماعة من الفقهاء
95 paragraphs · vol. 2, p. 96
Page 2 of 3
- vol. 2, p. 107
٤ - نقل كلام القرافي المعقّب به على أبي الحسين البصري: إن في أصول الفقه مسائل ضعيفة المدارك ليست من قواعد الدين الأصلية، وإنما هي من التتمات في ذلك العلم (٢) .
-
[ (٣) المقاصد وكتاب تنقيح الفصول]
-
جاء ذكر القرافي في كتاب المقاصد على لسان الشيخ ابن عاشور لتناوله في تحقيقاته وتقريراته بعض ما أودعه صاحب الفروق كتابه تنقيح الفصول. وذلك في ستة مواضع:
١ - قال الشيخ ابن عاشور: ليس للإنسان الإذنُ بقطع عضو من أعضائه باطلاً. وينظر هذا إلى القاعدة العامة التي تقدّمت الإشارة إليها في كتاب الفروق عند حديث القرافي عن الفرق بين قاعدة حقوق الله وقاعدة حقوق الآدميين. وملخّص ذلك تحريمُ القتل والجرح صوناً لمصلحة العبد وأعضائه ومنافعها عليه، وتحجير ذلك على الخلق لطفاً من الله بهم ورحمة منه عليهم. وقد ورد ذكر هذه القاعدة وأمثلتها عند القرافي في موضعين (٣) .
-
٢ - تحرير لغوي قرآني يثبت إجماع أهل اللغة على أنه إذا اجتمع المذكر والمؤنث غُلِّب المذكر. ومعنى هذا أنه إذا اجتمع الجنسان استقل أفراد كل منهما بوصف غُلِّب المذكر وجُعل الحكم له. وكان التناول عن طريق التغليب. ولا خلاف بين النحاة
vol. 2, p. 108والأصوليين في أن جمع المذكر لا يتناول المؤنث بحال، وإنما قال بعض الأصوليين بتناوله الجنسين لأنه لما كثر اشتراك الذكور والإناث في الأحكام لم تقصر الأحكام على الذكور. واتفق الكل على أن المذكر لا يدخل تحت الخطابات إن وردت مقترنة بالتاء علامة التأنيث (١) .
-
٣ - تقرير أن القسم الثاني من الذرائع يتجلّى فيه القياس ويخفى بحسب ما يرى الفقيه من قُربه من الأصل المقيس عليه وبُعده، وترجع مراعاة هذه الذرائع إلى حفظ المصالح ودرء المفاسد. مثال ذلك بيوع الآجال. وأضاف القرافي في الذخيرة قوله: اعتبرنا نحن الذريعة منها وخالفنا غيرنا. وحاصل القضية أنا قلنا بسدّ الذرائع أكثر من غيرنا، لا أنّها خاصة بنا (٢) .
-
٤ - تبنّى الشيخ ابن عاشور الإنكار الشديد على أهل النظر والمعرفة في صدوفهم عن الاجتهاد والتفريط فيه مع الاستطاعة ومكنة الأسباب والآلات. وذلك قوله جرياً على كلام القرافي: لو لم يبق مجتهد واحد والعياذ بالله .... (٣) . وهو لذلك يقول في تعليقه في هذا الباب: يُعد آثماً في ذلك العلماءُ المتمكّنون من الانقطاع إلى خدمة التفقّه الشرعي للعمل في خاصة أنفسهم. وتُعد العامة آثمة في سكوتها عن المطالبة بذلك، بل وفي إعراضها عمن يدعوها إليه إذا شهد له أهل العلم، ويُعد الأمراء والخلفاء آثمين في إضاعة الاهتمام بحمل أهل الكفاءة على الاجتهاد (٤) .
- vol. 2, p. 109
٥ - ترتيب المقاصد والوسائل بعد بيان الفرق بينهما أخذاً من مقالة القرافي: المقاصد هي المتضمّنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، والوسائل هي الطرق المفضية إليها. والوسائل إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل، وإلى ما هو متوسط (١) .
-
٦ - قصر العز بن عبد السلام والقرافي الذرائع على تحصيلها بمبحث المصالح والمفاسد. واتجاهُ المؤلَّف أوسع، والفقيه إليه أحوج. ومن ثم قال ابن عاشور: إن الأحكام المنوطة بتصرّفات الناس في معاملاتهم الصالحة والفاسدة وإن كانت قد توجد متماثلة في الرتب المعبّر عنها، في الفقه وأصوله، بأقسام الحكم الشرعي، هي في الاعتبار الشرعي متفاوتة بحسب كون مناطها من التصرّفات مقصداً أو وسيلة في نظر الشارع، أو في نظر الناس. فلذلك تعيّن أن نبحث عن هاتين المرتبتين من التصرّفات (٢) .
-
[الشاطبي وكتاب الموافقات]
-
هو الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي المتوفى سنة ٧٩٠، الأصولي المفسّر، والفقيه المحدّث، واللغوي النحوي. أبرزُ ما عرف به من المصنفات: الموافقات، والاعتصام. أولهما في مقاصد الشريعة، وثانيهما في محاربة البدع.
-
ذكره الشيخ ابن عاشور بفائق التقدير والإجلال، ووصفه بالرجل الفذّ الذي تميّز بوضع تصنيف نفيس في المقاصد هو الجزء الثاني من كتاب الموافقات. فكتابه هذا عمدة لكل من جاء بعده.
- vol. 2, p. 110
وفيه مسائل وفوائد وابتكارات لم يسبقه إليها غيرُه. وبدون شك كانت مقاصد الشاطبي من موافقاته أوسعَ المراجع التي عاد إليها جُلُّ الباحثين في أسرار الشريعة. وللشيخ محمد الطاهر ابن عاشور صلة أية صلة بالشاطبي.
-
وقد نقده مع تنويهه بعمله. وسبب ذلك، فيما يبدو، هو ما قاله صاحب المقاصد في بيان الغرض من تأليفه. وهو الاستدراك على الشاطبي وعلى من سبقه جملة من الأغراض ذات العلاقة بمقاصد الإسلام من التشريع في قوانين المعاملات والآداب.
-
وقد تتبعنا موضوعات البحث المشتركة بين كتابي هذين العالِمين: الموافقات، والمقاصد فوجدنا بها كثيرة جداً. وحاولنا اختصارها بردّها إلى سبعة مواضع في هذا الفن الجديد المبتكر، تتناول جملة قضايا اخترنا ترتيبها على الوجه التالي:
(١) رأي ابن عاشور في عمل الشاطبي.
-
(٢) قصد الشارع من التشريع.
-
(٣) التعبّد في العبادات.
-
(٤) عرض قضية قطعية أصول الفقه وظنيتها.
-
(٥) التكاليف الشرعية.
-
(٦) المقاصد والمصالح.
-
(٧) الحيل.
-
[رأي ابن عاشور في عمل الشاطبي]
-
أما الموضع المتعلق بنقد الشاطبي وعمله فهو واقع بين تنويه
vol. 2, p. 111وتقدير، ومؤاخذة وتخطئة. يتجلّى الوجه الأول في وصف ابن عاشور للشاطبي بالفذاذة (١) . وتظهر سورة النقد في التنبيه إلى بعض تصرّفاته. قال صاحب المقاصد: ولكنه تطوّح في مسائله إلى تطويلات وخلط، وغفل عن مهمات من المقاصد، وأنه أتى في المسألة الثامنة عشرة والتاسعة عشرة ومن النوع الرابع من كتاب المقاصد بكلام طويل في التعبّد والتعليل معظمه ضعيف ومنتقد (٢) . وربما نازعه في الاستدلال ببعض الأدلة كالتي تعقبّها عليه في المسألة الحادية عشرة بقوله: وفي بعضها نظر كحديث: "لَيَشرَبنَّ ناس من أمتي الخمر" . وسنده ضعيف وهو موقوف. وحديث النهي عن هديّة المِدْيَان، وسنده مطعون فيه وضعيف أيضاً (٣) .
-
[تأييد ابن عاشور للشاطبي في بيان قصد الشارع من التكليف]
-
وفي بيان قصد الشارع من التكاليف الشرعية التي تلزم المكلفين يذكر الشيخ ابن عاشور تأييده لقول الشاطبي في مسألة: "قَصْدَ الشارع من المكلّف يكون قصدُه في العمل موافقاً لقصده في التشريع. والدليل على ذلك ظاهر من وضع الشريعة، إذ قد مرّ بنا أنها موضوعة لمصالح العباد على الإطلاق والعموم. والمطلوب من المكلّف أن يجري على ذلك في أفعاله، وأن لا يقصد خلاف ما قصد الشارع (٤) . ومن اعتداده بكلام الشاطبي واعتماده عليه ما لخص به كلامه في الفصل الذي عقده صاحب الموافقات لبيان الجهات التي تُعرف بها مقاصد الشريعة على الحد الأوسط (٥) ؛ فقال: " لقد جاء
vol. 2, p. 112الشاطبي في آخر كتاب المقاصد بكلام أرى من المهم إثبات خلاصته باختصار" (١) .
-
[انصباب تكاليف الشريعة على العبادات والمعاملات والعادات]
-
إن تكاليف الشريعة منصبّة على العبادات وعلى المعاملات والعادات. والفرق بينها في ذلك أن الأصل فيما يتعلق منها بالعبادات التعبّد دون الالتفات إلى المعاني. ودليل ذلك الاستقراء، والمفهوم من حكمة التعبّد العامة، هو الانقياد لأوامر الله تعالى وإفراده بالخضوع والتعظيم لجلاله والتوجه إليه. وكون التعبّد لم تقصد فيه التوسعة لعدم وجود أدلة من الشارع تقيّدها كما في العادات، وعدم الاستناد بالخصوص عليه دون ما شابهه وقاربه وجامعه في المعنى المشهور من الأصل المنصوص عليه. ولا يُعدَل عن هذا في العبادات إلا أن يتبيّن لنا بنصّ أو إجماع معنى مراد في بعض الصور، والمناسب معدود فيما لا نظير له. وهو الوصف الذي اعتبر محققاً للحكمة في العبادات. ومن الأدلة على هذا أن وجود التعبّدات في أزمنة الفترات لم يهتدِ إليها العقلاء اهتداءَهم لوجوه معاني العادات.
-
وأما الأصل في العادات فهو الالتفات إلى المعاني والتعليل والقياس، وأن العلّة المطلوبة في أمور العبادات هي مجرد الانقياد من غير زيادة ولا نقصان، بخلاف العادات وكثير من العبادات؛ فإن لها معنى خاصاً: هو ضبط وجوه المصالح، وتعذر الرجوع إلى أصل شرعي. وكل ما ثبت فيه اعتبار التعبّد فلا تفريع فيه. وكل ما ثبت فيه اعتبار المعاني دون التعبّد فلا بد فيه من اعتبار التعبّد (٢) .
- vol. 2, p. 113
وفي التعليق على هذه النظرة يقول صاحب المقاصد: "إن لنا اليقين بأن أحكام الشريعة الإسلامية كلها مشتملة على مقاصد الشارع؛ وهي حِكَم ومصالح ومنافع راجعة للصلاح العام للمجتمع والأفراد. ولذلك كان الواجب على علمائها تعرُّفُ علل التشريع ومقاصده ظاهرِها وخفِيّها. فإن بعض الحكم قد يكون خفياً، وإن أفهام الفقهاء متفاوتة في التفطّن لها، فإذا أعوز العلماء في بعض العصور الإطلاع على شيء منها؛ فإن ذلك قد لا يعوز مَن بعدهم، فإن هم فعلوا ذلك فاستمر عوز الكشف عن مراد الشارع وجب عليهم ألا يتجاوزوا المقدار المأثور عن الشارع في ذلك الحُكم، ولا يفرّعوا على صورته، ولا يقيسوا فلا ينتزعوا منه وصفاً ولا ضابطاً ... وإذا جاز أن نثبت أحكاماً تعبدية لا علّة لها، ولا يُطّلع على علّتها فإنما ذلك في غير أبواب المعاملات المالية والجنائية. فأما هذان فلا أرى أن يكون فيها تعبدي، وعلى الفقيه استنباط العلل فيها (١) .
- مناقشة الشاطبي قوله بقطعيّة الأدلة:
-
ورد في كتاب الموافقات حديث طويل عن أدلة أصول الفقه التي وصفها من قبل أبو الحسين البصري بالقطعيّة. وجرى على إثره في ذلك إمام الحرمين عبد الملك الجويني حين ذكر ما هو ظنيّ في أصول الفقه مع إيقانه بقطعيّة الأدلة. وحمله ذلك على الاعتذار عن صنيعه هذا. وهو وإن لزم موقفه وتبعه عليه الأبياري والشاطبي؛ فقد اعترض الشيخ ابن عاشور على موقفهم وأبطل أدلتهم (٢) .
- vol. 2, p. 114
وذكر الشيخ ابن عاشور الشاطبي، معلقاً على المقدمة الأولى من كتابه الموافقات، منبّهاً إلى الاستدلال فيها على كون أصول الفقه قطعية ضعيف. وأن خلاصة ما جاء فيها أن أصول الفقه في الدين قطعية لا ظنية. والدليل على ذلك أنها راجعة إلى كليات الشريعة، وما كان كذلك فهو قطعي (١) . ويفسّر كلامَ الشيخ ابن عاشور في تضعيف مقالة الشاطبي ما ذكره المحقق الشيخ دراز من قوله تعقيباً على قول الشاطبي: بيان الأول ظاهر بالاستقراء المفيد للقطع (٢) : إنما يبدو هذا صحيحاً؛ لأن استقراء جميع الأفراد فيه ممكن، فإنها مسائل محصورة، وكذلك ما أورده بعدُ من أن ما هو راجع إلى الاستقراء الكلي من أدلة الشريعة قطعي، ولكن المطلوب هنا هو القطع أي الجزم. ووصف دراز كلام الشاطبي بالخَطَابي لأنه لا يتأتّى اعتبار ذلك في جميع مسائل الأصول حتى ما اتفقوا عليه منها، وأن المعتبر في كل ملة بعض القواعد العامة فقط، وهي داخلة في حفظ الضروريات (٣) . وقد تقدم الحديث عن الفرق بين القطعي والظنّي من الأدلة.
-
[تعريف الشيخ ابن عاشور بأنواع المصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا]
-
عرّف ابن عاشور المصلحة والمفسدة. فقال في الأولى: إنها وصف للفعل يحصل به الصلاح أي النفع منه دائماً أو غالباً للجمهور أو الآحاد، وقال في الثانية: هي ما قابل المصلحة. وهي وصف
vol. 2, p. 115للفعل يحصل به الفساد؛ أي الضر دائماً غالباً للجمهور أو الآحاد. ثم عرض علينا تعريفات أخرى للعضد وللشاطبي وغيرهما معقّباً على هذا بقوله: "إن تعريف أبي إسحاق هو ما يتحصل منه بعد تهذيبه أن المصلحة ما يؤثر صلاحاً أو منفعة للناس، عموميةً أو خصوصيةً، ملائمة قارةٌ في النفوس في قيام الحياة" .
-
وبعد ذكر الشيخ العديد من التعريفات للمصلحة، وصف تعريف الشاطبي بكونه أقرب التعاريف السابقة على تعريفه. ووسمه رغم ذلك بكونه غير منضبط (١) .
-
وبجانب هذا الموقف الأساسي من التعريف بالمصلحة ننتقل مع الشيخ ابن عاشور إلى قضايا أخرى منها:
إن المصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا على مقتضى ما غلب. وهو لا ينكر وجود المصلحة المحضة ولا المفسدة المحضة، مثله مثل الإمامين العز بن عبد السلام والشاطبي في ذلك. ولكنه يرى من الضروري أن توضع ضوابط للمصلحة تبرزها وتتحقّق بها. وذلك:
° بأن يكون النفع أو الضر محقّقاً ومطّرداً في المصلحة.
-
° وأن يكون النفع والضرّ فيها غالباً وواضحاً.
-
° وألا يمكن الاجتزاء عنه بغيره في تحصيل الصلاح وحصول الفساد.
-
° وأن يكون أحد الأمرين النفعُ أو الضر، مع كونه مساوياً لضده، معضوداً بمرجح من جنسه.
- vol. 2, p. 116
° وأن يكون أحدهما منضبطاً محققاً والآخر مضطرباً (١) .
-
وبعد ذكره لأنواع المصالح من خاصة وعامة وتعريفه لهما، انتهى إلى أن الشريعة تسعى إلى تحقيق المقاصد في عموم طبقات الأمة بدون حرج ولا مشقة، كما أنها جاءت بمقاصد تنفي كثيراً من الأحوال التي اعتبرها العقلاء في بعض الأزمان مصالح، فتثبت لذلك، عوضاً عنها، مصالح أرجح منها (٢) .