الفصل الثاني: موضوعات من علم المقاصد في كتب جماعة من الفقهاء
95 paragraphs · vol. 2, p. 96
Page 3 of 3
- vol. 2, p. 116
ويتبع الإمام الأكبر قوله هذا بتوجيه نصيحته لعلماء الأمة قائلاً:
ومن حق العالِم بالتشريع أن يَخْبَر أفانين هذه المصالح في ذاتها وفي عوارضها. وأن يسبر الحدود والغايات التي لاحظتها الشريعة في أمثالها وأحوالها (٣) .
-
وقسَّم المصالحَ باعتبار آثارها في قوام أمر الأمة، فذكر كغيره ممن تقدمه الأقسام الثلاثة: الضروريّات والحاجيّات والتحسينيّات، وعرّف كل واحد منها تعريفاً مميّزاً، باحثاً عن طرق المحافظة على الكليّات الخمس وعلى الحاجيّات والتحسينيّات واحدة بعد الأخرى (٤) .
-
وربط بين المشروعات المأذون فيها من قبل الشريعة، فأناط أعمال الناس بها قائلاً: ويلخِّصُ هذه المعاني أن الأعمال كلها منوطة بأسباب، وأن الأسباب ما جعلت أسباباً إلا لاشتمالها على الحِكم والمصالح التي ضبطها الشرع بها، وجعلَها علامة عليها ومعرّفاً بها (٥) .
- vol. 2, p. 117
ومن أدق النتائج التي تستخلص من وراء بحثه لهذه المصالح:
أن الشريعة حريصة على تحقيق الأمن والمساواة والرفق، كم تتولّى بأحكامها مراعاة مصلحة نظام العالَم بحياطتها المصالح المألوفة المطّردة بسياج الحفظ الدائم، ولو في الأحوال التي يظنّ فوات المصلحة من سائر جوانبها (١) .
-
[تقسيم التكاليف إلى عزائم ورخص]
-
إذا كانت الأعمال العبادية وحتى التعاملية متنوعة في الأمر الواحد، بحيث لا يمكن التمييز بينها أو الاطمئنان إلى ما يسوق إليه الواجب التكليفي منها، فقد انتبه الفقهاء ورجال الشريعة إلى تقسيم التكاليف عامة إلى نوعين:
الأول: ما يُوصف بالعزيمة.
-
والثاني: ما يُعرف بالرخصة.
-
وذكر الشاطبي هذين النوعين في قوله: إن الرخصة مستمدة من قاعدة: رفع الحرج، كما أن العزيمة راجعة إلى أصل التكليف، وكلاهما أصلي كلي (٢) . والشيخ - رحمه الله - لا يتردّد في إبداء رأيه الخاص في هذا الموضوع فيقول: إني وجدت بعض أنواع الرخص مغفولاً عن التعرّض لها.
-
وقوله: إني رأيت الفقهاء لا يمثّلون إلا بالرخصة العارضة للأفراد في أحوال الاضطرار.
-
ونحن إذا تأملنا الرخصة ووجدناها ترجع إلى عروض المشقة
vol. 2, p. 118والضرورة، صحّ لنا أن ننظر إلى عموم الضرورة وخصوصها. وأن هناك قسماً ثالثاً مغفولاً عنه أيضاً، وهو الضرورة العامة المؤقتة. ويكشف المؤلف عن هذه الضرورة بقوله: كأن يعرض الاضطرار للأمة أو لطائفة عظيمة منها تستدعي إباحة الفعل الممنوع لتحقيق مقصد شرعي مثل سلامة الأمة، وإبقاء قوتها ونحو ذلك. ولا شك أن اعتبار هذه الضرورة عند حلولها أولى وأجدر من اعتبار الضرورة الخاصة، وهي تقتضي تغيير الأحكام الشرعية المقرّرة للأحوال التي طرأت عليها تلك الضرورة. وقد مثَّلوا لذلك بالكراء المؤبّد الذي جرت به فتوى علماء الأندلس، كابن سراج وابن منظور وبإحكار الأوقاف الذي أفتى فيه ناصر الدين اللقّاني بمصر، وبالنِّصبة والخلو والإنزال بتونس، وبالجِلسة والجزاء اللذَيْن كانا معروفين بفاس، وببيع الوفاء في الكروم الذي أفتى به علماء بخارى (١) .
- التحيّل:
-
تحدث الإمام الشاطبي عن التحيّل فقال في المسألة الثانية عشرة في القسم الثاني من كتاب المقاصد: إن الأحكام شرعت لمصالح العباد، وكانت الأعمال معتبرة بذلك؛ لأن مقصود الشارع فيها. فإذا كان العمل في ظاهره وباطنه على أصل المشروعية فلا إشكال، وإن كان الظاهر موافقاً والمصلحة مخالفة فالفعل غير صحيح ولا مشروع؛ لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها، وإنما قُصد بها أمور أخرى هي معانيها، وهي المصالح التي شرعت لأجلها. فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع فليس على وضع المشروعات (٢) .
- vol. 2, p. 119
وتحدث أكثر الأصوليين عن التحيّل فتناولوه من حيث إنه يفيت القصد الشرعي كله، أو بعضه، أو لا يفيته. وإنا لنجده متفاوتاً في ذلك تفاوتاً أدّى بنا الاستقراء إلى تنويعه إلى خمسة أنواع، ستَرِدُ مفصّلة في موضعها من كتاب المقاصد (١) .
-
ومن يتتبع الصور التطبيقية لهذه الأنواع يتبين له حُكم التحيّل بصورة واضحة. ويُدرك أن اعتماد صوره للقياس عليها يُعدُّ من الغفلة؛ لأن الحيلة لا تشتمل على معنى وحكمة يصح القياس عليها، إذ قد اتفقنا على أن الحيلة مخالفة للحِكمة ومفيتة للمقصد (٢) . ومثل هذا يجري في الرخصة، بدليل إباء أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - إدخال الرضعاء الكبار عليهن، واعتبارهن ذلك بتبنّي أبي حذيفة لسالم رخصة لا يُحمل عليها غيرها من الأحوال المشابهة لها بطريق القياس (٣) .
-
وهذه المسائل جميعها كانت موضع تجاذب بين المؤلف وبين طائفة من الروّاد في علم الأصول وعلم المقاصد المتقدم ذكرهم. ولم يمنعه هذا من تخصيص بعضها بالنظر والدرس فاستأنفَ الحديث في ذلك (٤) .