الفصل الأول: أسس النظر في المقاصد والأحكام

59 paragraphs · vol. 2, p. 205

Page 2 of 2

  1. فلا يلجأ بعض العلماء إلى الخطأ حين الاقتصار على اعتصار الألفاظ قصد التوصل إلى استنباط أحكام الشريعة، ويضعف اعتقادهم بأن للفظ وحده أهمية بالغة ودوراً كبيراً في الكشف عن المعنى المراد المنصوص عليه (١) .

    vol. 2, p. 217
  2. وبالحرص الكبير على اختيار أنجع الطرق لفهم النصوص الشرعية أبطل الشيخ ابن عاشور مقالات أهل الأهواء الذين أرادوا حمل أتباعهم على الشك في مدلولات النصوص من الكتاب والسُّنة بما أذاعوه بينهم من الاحتمالات العدمية العشرة.

  3. ولفت النظر إلى ما أورده البخاري في كتاب الاعتصام من صحيحه من ضرورة الرجوع إلى المقام، وإلى أحوال الحرمين ومشاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحوال المهاجرين والأنصار لفهم الحديث فهماً صحيحاً، وإبطال الشكوك والأوهام العارضة له (٢) . ومما يشهد لهذا حديثُ عاصم. قال لأنس بن مالك: "أَبَلَغَك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا حلف في الإسلام؟ قال أنس: قد حَالف النبي - صلى الله عليه وسلم - بين قريش والأنصار في داري التي بالمدينة" . يشير بهذا إلى إبطال الحديث المروي عن أم سَلَمة، وعن جبير بن مطعم وعن ابن عباس. وفي هذا ما يحرر مقدار الاعتبار بمذاهب الصحابة فيما طريقه النقل والعمل. فقد كانوا يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا عرضت لهم الاحتمالات، ويشاهدون من الأحوال ما يبصّرهم بمقصد الشارع (٣) .

  4. ولاستقصاء النظر في الأدلة وحُسن التعامل معها نبّه الشاطبي في أكثر من مناسبة إلى أن الأدلة العقلية إذا استعملت في هذا العلم

    vol. 2, p. 218فإنها تستعمل مركبة على الأدلة السمعية، أو مُعِينة فى طريقها، أو محققة لمناطها، أو ما أشبه ذلك، لا مستقلة بالدلالة (١) .

  5. ويؤكد ما ذهب إليه هنا بقوله: الأدلة المعتبرة، المستقرأة من جملة أدلة ظنيّة تضافرت على معنى واحد فأفادت فيه القطع، ذلك لأن للاجتماع من القوة ما ليس في الافتراق (٢) .

  6. ويزيد هذا تفصيلاً وبياناً بقوله: إن من الكلام ما يدل على مقصده دلالة أصلية، ولكنّه مع ذلك يحتاج إلى مكمّلات ومتمَّمات. وهذه هي الجهة الثانية من الدلالة على مقاصد الكلام. وهي تابعة للأولى مثل الوصف لها (٣) .

  7. ومضى الشيخ ابن عاشور على السَّنن نفسه في قوله، يصور النظم القرآني ونسجه: إنك لتمر بالآية الواحدة فتتأملها وتتدبّرها فتنهال عليك معانٍ كثيرة يسمح بها التركيب على اختلاف الاعتبارات في أساليب الاستعمال العربي. وقد تتكاثر عليك فلا تكُ من كثرتها في حَصَر، ولا تجعل الحمل على بعضها منافياً للبعض الآخر إن كان التركيب سمْحاً بذلك (٤) .

    وقال أيضاً: إن نظم القرآن مبني على وفرة الإفادة وتعدد الدلالة. فجمل القرآن لها دلالتها الوضعية التركيبية التي يشاركها فيها الكلام العربي، ولها دلالتها البلاغية التي يشاركها في مجملها كلام البلغاء، ولا يصل شيءٌ من كلامهم إلى مبلغ بلاغتها. ويتميز نظم القرآن ببلوغه منتهى ما تسمح به اللغة العربية من الدقائق واللطائف لفظاً ومعنى بأقصى ما يراد بلاغه إلى المرسل إليهم (٥) .

  8. ولكون القرآن بعموماته وديموماته جاء خطاباً إلهياً إلى الأمة قاطبة في جميع الأقطار والعصور، أُنزِل بلسان عربي للبشر؛ لأن تلك اللغة أوفر اللغات عبارة، وأقلها حروفاً، وأفصحها لهجة، وأكثرها تصرفاً في الدلالة على أغراض المتكلم. فكان القرآن جامعاً لأكثر ما يمكن أن تتحمله اللغة العربية في نظم تراكيبها من المعاني في أقل ما يسمح به نظمُ تلك اللغة (١) .

    vol. 2, p. 219
  9. وفي هذه الحقائق وأمثالها المفصّلة في التحرير والتنوير ما ينهض دليلاً على صحة ما أورده صاحب المقاصد عن مدى وفاء اللغة والاستعمالات اللغوية بما تتضمنه من معانٍ هي في حاجة إلى كمال البلاغ وتمام الإيحاء بها إلى المخاطبين. وذلك بحسب ما يحفُّ بالكلام من إشارات مقالية أو حالية.

  10. وإنا إذا ما أعدنا النظر في كلام الإمام ابن عاشور نجده متشعّباً إلى سبعة جوانب أو مسائل. واختصاراً للقول في ذلك نرد المسائل السبع التي تُستلهم من دراسته وبحثه إلى ثلاث قضايا:

    ° الأولى منها: تتعلّق بالخطاب، لغوياً كان أم شرعياً.

  11. ° والثانية: تتعلّق بدرجات أنواع الكلام.

  12. ° والثالثة: ترتبط بمقام التشريع، وما يتطلبّه من عمق التصور لدلالات الخطاب، تمكيناً للمجتهدين من القيام بدورهم على الوجه الأكمل.

  13. فالقضية الأولى، وهي الخطاب ودلالته، تفترض في المجال اللغوي وجود متكلم ومخاطب، وموضوع خطاب. وهي كذلك

    vol. 2, p. 220بالنسبة للخطاب الشرعي تقتضي وجود من يصدر عنه الخطاب وهو المشرّع، ووجود مخاطب به وهو المجتهد أو المكلف. ووجود خطاب وهو الأحكام الشرعية التي جاءت بها النصوص الشرعية الأصولية من جعل الخطابات الشرعية الواردة بها الأدلة متنوعة بين ما هو غير واضح وهو: الخفي والمُشكل والمجمل والمتشابه. وتقابل وجوه الخفاء هذه وجوه البيان وهي: الظاهر والنص والمؤول (أو المفسَّر) والمُحكم.

  14. ونفي الاحتمالية عن النص غيرُ قائم عند علماء البلاغة.

  15. أوضح ذلك الإمام عبد القاهر الجرجاني في قوله:
  16. "اعلم أنه إذا كان بيّناً في الشيء أنه لا يحتمل إلا الوجه الذي هو عليه، حتى لا يُشكل، وحتى لا يحتاج في العلم بأن ذلك حقه وأنه الصواب، إلى فكر وروية فلا مزية. وإنما تثبت المزية ويجب الفضل إذا احتمل في ظاهر الحال من الكلام وجهٌ آخر غير الوجه الذي جاء عليه ثم رأيت النفس تنبو عن ذلك الوجه الآخر، ورأيت للذي جاء حسناً وقبولاً تعدِمُها إذا أنت تركته إلى الثاني (١) .

  17. وفي قوله: الكلام على ضربين: ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحدَه ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة. ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض.

  18. وإذ قد عرفت هذه الجملة فهاهنا عبارة مختصرة، وهي أن تقول

    vol. 2, p. 221"المعنى" و "معنى المعنى" ، تعني بالمعنى المفهومَ من ظاهر اللفظ والذي تصل إليه بغير واسطة، وبمعنى المعنى أن تعقل من اللفظ معنى ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر. ومدارُ هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل (١) . واحتمالية النص في الخطاب الشرعي غير مدفوعة بالقطع عند طائفة من الأصوليين. فهو، وإن وجب العمل به لقطعيته، يحتمل التأويل. ولا يقدح فيه ذلك ما دام الاحتمال الذي يتطرّقه غير ناشئ عن دليل.

  19. ويؤكّد هذا المعنى قول السكاكي عند تنويهه بأهمية مقام الكلمات داخل مقام المقال: ثم إذا شرعت في الكلام فلكل كلمة مع صاحبتها مقام، ولكل واحد ينتهي إليه الكلام مقال (٢) .