الفصل الثاني: منهج الشيخ ابن عاشور في تقريراته وفي تناوله لبعض متممات الخطاب
154 paragraphs · vol. 2, p. 222
Page 2 of 4
- vol. 2, p. 227
٣ - تشديد النكير على القول بالرأي غير المستند إلى أحد الأصول الثلاثة: الكتاب، والسُّنة، والإجماع. وذلك لما يلاحظ فيه من انفصال بل انقطاع عن البرهان الشاهد بصحّته.
-
٤ - أقرّت الشريعة مسلكين لبناء الآراء المستنبطة في الأحكام، هما:
° مسلك الحَزم في إقامة الشريعة بالترهيب والموعظة.
-
° مسلك التيسير والرحمة لابتناء الشريعة على سهولة قبولها في النفوس (٣) .
-
٥ - لا ينتزع الحق من صاحبه إلا لضرورة تقيم مصلحة عامة (٤) .
- vol. 2, p. 228
وفي مقاصد التصرّفات المالية:
١ - نفى أن يكون المال منظوراً إليه بعين الشريعة إغضاء، واعتباره غير لاقٍ من معاملتها إلا رفضاً.
-
٢ - الجانب الروحاني من الشريعة يقتضي جعل انصراف الهمة إلى الفضائل النفسانية والكمالات الخُلقية في الدرجة الأولى من التقدير.
-
٣ - الشريعة لم تنهَ الناس عن اكتساب المال من وجوهه المعروفة، مبيّنة ما في وجوه صرفه من المصالح والمفاسد ترغيباً وترهيباً، مقررة مجازاة أصحاب الأموال على ما يحصل لهم من الفضائل والدرجات بسبب أموالهم، إن هم أنفقوها في مصارفها النافعة (١) .
-
[الأسباب]
-
هي الطرق إلى معرفة علل الأحكام واتضاحها لدى المخاطبين. نلمس هذا في:
° فسخ النكاح في مرض الموت لكونه وسيلة إلى مقصد حفظ حقوق الميراث.
-
° سقوط حق الحضانة عن الحاضنة عند تزوجها من أجنبي (٢) .
-
° إقامة أمناء على أصحاب الحقوق أو المصالح المشتركة (٣) .
-
° سلب الحق ممن تبيّن أنه غير أهل له.
- vol. 2, p. 229
° سلب الحق ممن لا تساعده الخلقة على نواله.
-
° سلب حق الجهاد من النساء. ودليله {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} (١) .
-
° سلب الحق لأجل ترجيح جانب من المستحقين إياه على جانب آخر.
-
° سلب المعتوه حق التصرّف في المال.
-
° سلب السفيه حق التصرّف في المال (٢) .
-
ومن المتممات ما يتصل بذات الخطاب لما يقتضيه الأمر من إضافة أو تعميم أو تخصيص أو تقرير ونحوه.
-
ومنها ما يرجع إلى موضوع الخطاب. وهو أمر يحتاج في ذاته إلى الانتباه والدقة وإلا اختلطت على المخاطب سبل البيان، والتبست عليه الحقائق والصور المراد إبلاغها إليه. فلا تكون في هذه الحال خالية من التردّد والإيهام والاضطراب.
-
ويترتب على وجوب معرفة المقاصد والوسائل والتفريقِ بينها، انتفاء الالتباس، بارتباط الوسائل بمقاصدها.
- إعمال النظر الشرعي طلباً لتحديد الأحكام:
-
يكون هذا بالعودة إلى ما تقتضيه القواعد والأصول والمصالح لتقرير ما يكون القضاء به جارياً على وفق تلك الأسس، يدعَم هذا المنهج سلوك المجتهد فيما اعتمده من أنظار لبناء الحكم. وهذا ما
vol. 2, p. 230ينبغي أن تقام عليه الفتوى وقرارات المجامع الفقهية، فإن لم يتسنَّ ذلك فإن تصرفاته يمكن أن تعتمد مسالك أخرى:
١ - فمن واجب الفقيه عند تحقق أن الحكم تعبدي أن يحافظ على صورته، وألا يزيد في تعبّديتها كما لا يضيع أصل التعبّدية. وهذا ما اقتضى، في صدر الإسلام في زمن عمر - رضي الله عنه -، النظر في قضية العول في الميراث (١) .
-
٢ - سلوك بعض الصحابة والأئمة مسلك النظر إلى الحالة التي هي مورد النهي كما في حديث رافع بن خديج في كراء الأراضي. فقد احتُكِم في ضبطها إلى عدة آراء منها رأي ابن عمر، ورأي ابن عباس الذي أورده البخاري في كتاب المزارعة من صحيحه (٢) ، ورأي الليث بن سعد. وهكذا أخضعها بعضهم إلى ما كان عليه الأمر في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصدر الخلافة الراشدة. وتردد آخرون بين النهي وبين الإقرار على هذا التصرف، وقالت طائفة بعدم جواز ذلك للمخاطرة.
-
٣ - عند اختلاط الأمر على الناس في حال نظرهم إلى المصالح المتعددة التي لا يمكن تحصيل جميعها، وإلى المفاسد المتعددة التي لا يمكن درء جميعها، نقل عن العز بن عبد السلام تنبيهه إلى طريق الحَلِّ، بقوله: تقديمُ أرجحِ المصلحتين هو الطريق الشرعي، أو درء أرجح المفسدتين كذلك (٣) .
-
وقد تعرض الإمام ابن عاشور إلى المقاصد من مصالح ومفاسد، ولجأ في كتابه أحياناً كثيرة إلى اعتماد أمثلة تطبيقية لنظريته
vol. 2, p. 231أو إلى ما يُتَّجَه إليه من آراء فيها. وهذه الأمثلة تبرز في جملة من المسائل العامة والمسائل الفقهية. وكان طريقه إليها الاستقراء.
-
[الاستدلال]
-
ومما يعتمده الخطاب الشرعي الاستدلال. ومعناه لغة: طلب الدليل، وهو يُطلق عند الأصوليين أولاً على إقامة الدليل مطلقاً من نص أو إجماع أو غيرهما، وثانياً على نوع خاص منه، وهو ما ليس بنص ولا إجماع ولا قياس. والأصح في تعريف هذا النوع الثاني من الدليل أنه: ما يستلزم الحُكم ويُقضى به. وهو وجود السبب الخاص أو وجود المانع أو عدم الشرط المخصوص. وقد اختلفوا فيه لأنه إما عبارة عن التلازم بين الحكمين من غير تعيين علّة وإلا فهو قياس، وإما استصحاب الحال، وإما شرع مَن قبلنا. واعتبر الحنفية من ذلك الاستحسان، وأطلقه المالكية على المصالح المرسلة. وقيل هو انقضاء الحكم لانتفاء مدركه. وقال البزدوي في تعريفه: الاستدلال هو انتقال الذهن من الأثر إلى المؤثر ويحتمل العكس، وقيل مطلقاً.
-
وبجانب هذا الموضوع الواسع الدقيق الذي نجد إفاضة القول فيه وتفصيلَه في مظانه، تتعين هنا الإشارة إلى مسألة أخرى لها أهميتها في استخدام النصوص الشرعية والاستنباط منها. ذلك أن دلالة اللفظ على معناه تتنوع إلى دلالة مطابقة ودلالة تَضَمُّن ودلالة التزام.
-
والاستدلال يكون بعبارة النص، وبإشارته، وبدلالة النص وباقتضائه (١) .
- vol. 2, p. 232
وعبارة النص هي دلالة اللفظ على المعنى، أو الحكم المقصود من سوقه أو تشريعه أصالة أو تبعاً. ويعرف قصد المشرع أو المتكلم بالقرائن الخارجية، أو من سياق النص نفسه، أو من سبب النزول. وتشمل عبارة النص أنواعَ النصوص الواضحة جميعها من ظاهر ونص ومفسر ومُحكم كما قدمنا. كما تشمل أيضاً المعنى اللازم الذاتي المتأخر. ولعل من الأوضح أن نعرّف عبارة النصّ بدلالة اللفظ على المعنى الموضوع له أو على جزئه، أو على لازمه الذاتي المتأخر، مع قصد الشارع أو المتكلم هذا المعنى وسوقه الكلام لأجله (١) .
-
وإشارة النص هي دلالة اللفظ على معنى أو حكم غير مقصود للشارع، لا أصالة ولا تبعاً، لكنه لازم عقلي ذاتي متأخر للمعنى الذي سيق أو شُرع النص من أجله (٢) .
-
ودلالة النص هي أن يُفهِم نفسُ اللفظ ثبوتَ حكم الواقعة المنطوق بها لواقعة أخرى غير مذكورة لاشتراكهما في معنى، يدرك العالِم باللغة أنه العلّة التي استوجبت ذلك الحكم. وفرق أساسي بين هذه العلّة في دلالة النصّ، والعلّة التي يرتبط بها القياس. فالعلّة الأولى بيّنة واضحة تفهم من اللغة، يستوي في إدراكها المجتهد وغيره من أهل العلم باللغة، أما العلّة في القياس فهي تحتاج إلى الاجتهاد بالرأي لخفائها. ولا بد من التزام مسالك العلّة المقررة في منهج القياس في استنباطها (٣) .
-
والاقتضاء عند الأصوليين هو دلالة اللفظ على معنى مقدّر لازم
vol. 2, p. 233للمعنى المنطوق متقدمٍ عليه، مقصودٍ للمتكلم، يتوقّف على تقديره صدق الكلام أو صحّته عقلاً أو شرعاً. والعناصر التكوينية لدلالة الاقتضاء ثلاثة: هي النص أو الكلام الذي يستلزم معنى مقدراً ومقدماً على المعنى المعياري المنطوق. وهو المعروف بالمقتضي، والمقتضى وهو المعنى الضروري المقدّر مقدّماً الذي يطلبه الكلام لتصحيحه. والاقتضاء هو استدعاء المعنى المنطوق نفسِه لذلك المقدّر لحاجة إليه (١) .
-
والاقتضاء عند البزدوي: دلالة الكلام على معنى هو لازم متقدم، توقّف على تقديره صحته شرعاً (٢) ، والتعريف الأول أوسع من المتأخر.
-
ويضاف إلى هذين الطريقين (الاقتضاء ودلالة الكلام) من الاستدلال ما نص عليه الأصوليون من الأدلة المقبولة. وهى ستة:
° الأول: أن الأصل في المنافع الإباحة.
-
° الثاني: أن الباقي راجح على عدمه، وإذا كان راجحاً وجب العمل به اتفاقاً.
-
° الثالث: الاستقراء.
-
° الرابع: الأخذ بأقل ما قيل. واعتمده الشافعي في إثبات الحكم إذا كان الأقل جزءاً من الأكثر.
-
° الخامس: المناسب المرسل إن كانت المصلحة ضروريّة قطعيّة كليّة اعتبر، وإلا فلا. وقال مالك باعتباره مطلقاً؛ لأن اعتبار المصالح يوجب ظن اعتباره.
- vol. 2, p. 234
° السادس: فقدان الدليل بعد التفحّص البليغ يغلب ظنّ عدمه، وعدمه يستلزم عدم الحكم لامتناع تكليف الغافل.