الفصل الرابع: مقاصد التصرفات المالية ونظر الشريعة في أهمية الأموال

157 paragraphs · vol. 2, p. 380

Page 3 of 4

  1. فرأس المال الإنتاجي إما أن يكون عينياً، وهو عبارة عن مجموع الأموال المادية التي تزيد في إنتاجية العمل متى استخدم في العملية الإنتاجية، وإما أن يكون نقدياً وهو مجموع المبالغ النقدية المستخدمة في تمويل العملية الإنتاجية.

    vol. 2, p. 399
  2. ورأس المال التجاري هو مجموع الأموال الاقتصادية، عينية كانت أو نقدية، المستخدمة في المبادلات من أجل الحصول على الأرباح. وبخصوص النقدية يلاحظ أنها قادرة على تمويل العمليات التجارية، لبلوغ نفس الغرض. وذلك مثلاً عن طريق شراء السلع وإعادة بيعها (١) .

    vol. 2, p. 400
  3. وتجب في رأس المال التجاري الزكاة مهما كانت أنواعه. قال الجمهور: تقوّم باليوم الذي تجب فيه، فتؤدّى الزكاة من قيمته. وذهب الشافعي إلى تقويمها بالثمن الذي اشتريت به وتؤدى الزكاة (٢) . وعائد هذا النوع من رأس المال ربح أو خسارة، وعلى الشركاء فيه مثل ذلك. وليس لواحد منهم اشتراط ربح مخصوص لنفسه، لما في ذلك من اختلال العدل في توزيع الربح بين الشركاء. ولا يخلو أن يكون رأس المال نقوداً أو عروضاً. فإن كان الأول فقد اتفق الفقهاء على صحة الشركة فيه، وإن كان رأس المال عروضاً، قوّمت تلك العروض وجعلت القيمة رأسَ مال للشركة.

  4. ولا مندوحة هنا من الوقوف على المعاملات المالية. وقد أشرنا قبلُ إلى أن منها ما يكون من باب التملك كبيع ديار السكنى، والأطعمة المأكولة، ومنها ما يكون من قبيل التكسب كبيع أرض الحراثة وأشجار الزيتون، وعقود الشركات من قراض ومزارعة ومغارسة ومساقاة، وعقود الإيجار في الذوات والدواب والآلات والسفن والبواخر والأرتال. والمقصود الشرعي في الأموال كلها خمسة أمور هي: الرواج، والوضوح، والحفظ، والثبات، والعدل فيها.

  5. [د - مجالات التكسب]

    vol. 2, p. 401
  6. اعتبر رجال الاقتصاد أن في مجالات التكسب ميادين تطبيقية ترعاها وتقوم بها وهي ثلاثة: التجارة والصناعة والفلاحة. وجرى على هذا التقسيم من قبل الإمامُ البخاري فيما رواه من أحاديث المعاملات. ونحن نعرض لهذه الوسائل بإلماعات تكفل الوفاء بتصورها على وجه دقيق، إن شاء الله.

  7. [° التجارة]

  8. إن القصد من التجارة هو تنمية المال، بشراء البضائع ومحاولة بيعها بأعلى من ثمن الشراء. إما بانتظار حوالة الأسواق، أو بنقلها إلى بلد هي فيه أنفق وأغلى، أو ببيعها بالغلاء على الآجال. وهذا الربح بالنسبة إلى رأس المال نزر يسير، لأن المال إن كان كثيراً عظم الربح لأن القليل في الكثير كثير. ثم لا بد من محاولة هذه التنمية التي هي الربح من حصول هذا المال بأيدي الباعة في شراء البضائع وبيعها، ومعاملتهم في تقاضي أثمانها، وأهلُ النصفة قليل.

  9. وقد كان تعلق الصدر الأول من المسلمين بالتجارة يحملهم على الرغبة في هذا العمل وتقديمه على غيره من الأعمال. كانوا يفاخرون به ويتمنون القيام عليه. قال تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (١) .

  10. حملت هذه الآية المسلمين على بذل جهودهم للفوز في الدارين الأولى والأخرى: أولاً: بالضرب في الأرض ابتغاء الرزق،

    vol. 2, p. 402وثانياً: بالقتال في سبيل الله لنشر دينه وإعلاء كلمته. وتأول ابن مسعود الضرب في الأرض بقوله: "أيما رجل جلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين محتسباً فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء" (١) ، وقال عمر: "ما خلق الله موتة [أموتها] بعد الموت في سبيل الله أحبَّ إليَّ من أن أموت بين شعبَتَي رحلي أبتغي من فضل الله ضارباً في الأرض" (٢) . والابتغاء من فضل الله في الأرض هو السفر للتجارة. قال بعض الصحابة: "تكشف هذه الآية عن فضيلة التجارة والسفر للتجر، حيث سوى الله بين المجاهدين والمكتسبين للمال الحلال" (٣) .

  11. وقد تَعرِض أسباب تُخيف الممارسين للتجارة فتحملهم على عدم الاطمئنان على أموالهم. فمن ذلك ما حذر منه ابن خلدون مما لا بد أن يقع في المعاملات التجارية كالغش والتطفيف المجحف بالبضائع، ومن المطل في الأثمان المجحف بالربح كتعطيل المحاولة في تلك المدة وبها نماؤه، ومن الجحود والإنكار المسحِتِ لرأس المال إن لم يتقيد بالكتاب والشهادة. وغَناءُ الحكام في ذلك قليل، لأن الحكم إنما هو على الظاهر، فيعاني التاجر من ذلك أحوالاً صعبة (٤) .

  12. [° الفلاحة]

    vol. 2, p. 403
  13. هي أقدم الصنائع وهي إثارة الأرض وازدراعها وعلاج نباتها وتعهده بالسقي (١) . فثمرة الفلاحة إنماء الأقوات والحبوب إلى بلوغ حصاد سنبله، واستخراج حبه من غلافه، وإحكام الأعمال لذلك وتحصيل أسبابه ودواعيه.

  14. والفلاحة وإن اختصت بالبدو قديماً لهي ذات أهمية كبرى، لأنها محصلة للقوت المكمل لحياة الإنسان غالباً" (٢) .

  15. ومن ثم نجد في القرآن الإيماء إلى جملة من أنواعها والتنويه بها، كما في قوله - عز وجل -: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (٣) ، وقال جل وعلا: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (٤) ، وقال - جل جلاله -: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} (٥) . فالفلاحة بأنواعها والأشجار والزروع، وما تحتاجه من عمل وجهد بالحرث والسقي وحصاد الزرع وجني الثمار، وما خلقه سبحانه لنا في هذا الكون كالليل والنهار والسبات والنشور والرياح اللواقح الرخية، والماء الطهور الذي أنزله تعالى علينا من السماء، وأجراه ينابيع في الأرض لآيات تدل على قدرة الله سبحانه

    vol. 2, p. 404وخالقيته ووحدانيته وتوجيهه لعباده ليعمروا الأرض التي استخلفهم فيها. ولن يكون منهم ذلك إلا بالعمل والمثابرة عليه والإتقان له.

  16. وتطورت الفلاحة في العصور الأخيرة، وخصّت بالدراسات الكثيرة. وتعدّدت أنواعها، وتضاعفت أهميتها وأصبحت مورداً مدراراً من موارد الرزق خصوصاً بعد ما دخلتها الصناعة. فوفّرت تلك الموارد، مع ما حققته من جودة في الزروع والغراسات، وما قامت به من جهود لحمايتها من الأمراض والعوارض المفسدة لها، وما تخيّرته من مشاتل ومركّبات نوعية لها، عملت على مزاحمتها في الأسواق لكثير من البضائع الأخرى، وجعلتها من أجود ما يقتنى. وهي في عصرنا الحاضر تتطلب جهوداً كبرى مع ما يقبل عليه الناس وتقتضيه الفلاحة بأنواعها الفصلية من حراثة وسماد وجهد غير قليل. وإن البال لمنشغل بها، ويداوم التفكير في تطويرها لمضاعفة الإنتاج. وهكذا أصبحت الفلاحة في هذا العصر تحتاج إلى العديد من الخبراء والعمال الذين يُعنَون بها، وينصرفون إليها طمعاً في الكسب الجيد والرزق الواسع الحسن الذي لا ينقطع بفضل التربة الخصبة وأيدي المهرة من العمال، وأصحاب الخبرة في هذا المجال.

  17. والذي تتأكد ملاحظته في ميدان الفلاحة في بلادنا العربية ثلاثة أشياء هي:

    أولاً: أن مساحة الأرض عندنا تأتي ثانية بعد مساحة الاتحاد السوفييتي سابقاً، وأن الأراضي المزدرعة عندنا تبلغ فقط ٤٧,٣ مليون هكتار أي نحو ٣ % من جملة مساحة أرضنا وهي نحو ٣,٢ % من كل المساحة الزراعية على وجه البسيطة.

  18. ثانياً: أن الأرض الزراعية من قديم كانت تمثل العمود الفقري

    vol. 2, p. 405للاقتصاد العربي فيما عدا معظم الأقطار النفطية. وهي، وكأنها قد نشأت بالبلاد العربية، وانتشرت منها إلى بلاد العالم، تشهد لِذلك السدود والقنوات القديمة في بلادنا: بمصر وبلاد الرافدين وديار الشام واليمن السعيد وليبية وأنحاء متفرقة من الجزيرة العربية. وهي اليوم بسبب التحولات والعوارض الطبيعية من جفاف وتصحُّر وأمطار إعصارية ونحوها فقدت نضارتها وتدنَّت ثروتها.

  19. ثالثاً: أن الكثير من شعوبنا بسبب الفقر والجهل بالوسائل الحديثة ما يزال يعتمد الطرائق البدائية في الفلاحة، مبقياً على الزراعة التقلدية المتخلّفة، التي تقوم على الحيوان وعضلات الإنسان. فإن المزاحمةَ الصناعية تهدّدها، وعليها أن تطلب المخصّبات لزراعتها، وتحرص على إيجاد المدخلات الزراعية، وتنشئ من الآلات ما يوفر عليها الطاقة والإنتاج، وتهتم بمكافحة الحشرات الضارة، وتطبيق أحدث المبتكرات العلمية والتكنولوجية كما في البلاد المتطوّرة. وإنما يبدأ هذا بإصلاح الأراضي الزراعية، وإنشاء أطر فنية تكون عنواناً على مدى حضارة الفلاح وقدرته. فوجود الأرض وحدها لا يغني، ولكن رؤوس الأموال والبذل والتحديث والخبرة هي التي تحيي الموات، وتغير وجه الأرض وترفع من مداخيلها وريعها (١) .

  20. ولا بد أن نقتبس مما قدمنا توجيهاً وتنويراً. فإن العرب والمسلمين بتداول العصور واختلاف الأوضاع واختلالها أصبحوا عاجزين معدمين، سواء في ذلك أسرهم وأفرادهم، شعوبهم أو جماعاتهم. وقد تفشّى مع العوز والحاجة التشكي مما آلوا إليه. وقامت في وجوههم الصعاب والمشاكل المعقدة. وهذه لمن يشعر

    vol. 2, p. 406بواجبه ويقدّر نعمة الله عليه بالاستخلاف في الأرض، من أسباب النهضة والحوافز لها، تجيش بذلك مشاعر الفلاح وعقيدته، فيكون هذا طريقاً للحفاظ على دينه وأمانته، ومخرجاً له من كل ضيق، خاصة إذا اتَّحدت القوى، وكان التنسيق، واستولت الإرادة على التدبير لصنع عالم ومجتمع جديدين.

  21. ولعل من دواعي ذلك ما عليه العالم العربي والإسلامي بخاصة، والعالم المحيط به بعامة، من حرص على مضاعفة الإنتاج الغذائي. فإنه يحظى بمقدار أكبر من الاهتمام بجمع رؤوس الأموال في كثير من الأقطار، وتطوير الأرض تطويراً صالحاً ينمي مزارعها، ويمدها بما يحقق لها الخير والنماء. ويكون هذا من العمل الجليل لنفع الناس كافة، وسدّ حاجاتهم. وسبيل ذلك، كما دلت عليه البحوث المعاصرة في مجالات الفلاحة، يعتمد جملة وسائل:

    أولاً: توسيع المساحات الزراعية بحُسن إعدادها ومدّها بما تحتاجه من مدخلات الزراعة تنهض بها وتثريها.

  22. ثانياً: تكثيف الإنتاج والزيادة في المحاصيل واعتماد طرق الري الصناعي.

  23. ثالثاً: توسيع المساحات السقوية ومضاعفة الإنتاج عن طريقها.

  24. وفي هذا مقاومة للمجاعة في كثير من الأقطار الإفريقية، واضطلاع بواجبات تفضي إلى تحقيق المقاصد الضروريّة والحاجيّة لكثير من الناس.

  25. ونحن ما نزال نسمع دعاة الأمن والسلم، يحذرون من الإفراط في الشح ومن الإعداد للصراعات والحروب الفتاكة، إذ بسبب ذلك تركت الميادين المحتاجة للإنفاق، بعيدة عن القيام بدورها في تغذية

    vol. 2, p. 407المجتمعات الإنسانية، وبعث الحياة فيها، وتغيير ما عليه الحشود البشرية من فاقة وبؤس.

  26. [° الصناعة]

  27. الصناعة معدودة في الرتبة الثالثة قديماً، إذ لم تكن تحتاج إلى علم وتكوين دقيقين. وهي لا ترتقي إلا بالارتقاء الحضاري وازدياد الحاجة إليها وطلب الناس لها. وقد نبهتنا إلى هذه الحقائق آيات الله الحكيمة الخالدة كقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} (١) ، وقوله أيضاً: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} (٢) ، وهي تشير إلى بعض الصناعات كما في قوله: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} (٣) ، وقوله: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ} (٤) ، وقوله: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ} (٥) ، وقوله: {يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} (٦) ، وقوله: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُون} (٧) ، وقوله: {وَمَا يَسْتَوِي

    vol. 2, p. 408الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (١) .

  28. ففي هذه الآيات الكريمة امتنان من الله على عباده بما وفّره لهم، رحمة منه ولطفاً، من ضروريّات وحاجيّات وتحسينيات في هذه الحياة: تقيم أودهم، وتلبّي رغباتهم، وتَقِيهم أنواع المخاطر والمهالك. وهو سبحانه يطوي فيها أمرهم باتخاذ معدن الحديد الذي سخَّرهُ لهم يليّنونه رغم متانته وصلابته، لاستخدامه في شتى المجالات في حالتي السلم والحرب. فمنه آلة الحرث، والدروع والسيوف، والمراكب على اختلاف أنواعها، والآلات والأجهزة، وأمدّهم بالمواد الأولية لصناعة الثياب واللباس، وجعل ذلك ستراً لهم ووقاية، كما سخر لهم البحر والينابيع الجارية من الماء، وفيها رزقهم من الأسماك والحيوانات البحرية وما يحرصون على اقتنائه من جواهر ولآلئ تكون لهم حلية وزينة. إنه التذكير بالنعمة، والتحريك للمواهب، والهداية والتوجيه إلى ضروب الصناعات التي يحتاجون إليها لتحقيق الإنتاج وتنمية الثروة الزراعية والحيوانية والتطور بها.

  29. وقد تمايزت الشعوب والبلدان بصناعاتها، وتزاحمت بذلك في ميادينها بصورة مطردة وعجيبة. فمن الصناعات ما يخدم الزراعة وينمي الإنتاج الفلاحي، ومنها ضروريّ لا يستغنى عنه، وشريف بموضوعه يحرص الناس على الإفادة منه والظهور به، ومنها ما دون ذلك مما يعدّ صنائع تابعة وممتهنة في الغالب. ولكن هذا الميدان

    vol. 2, p. 409أصبح اليوم رئيساً وشهد من القدرات والإمكانات ما لم ينكشف للناس أمره إلا في هذا العصر. وهو لا يقف في أنواعه وأشكاله، وفي تطوره وتقدمه عند ما بلغ إليه الآن بفضل التقدم العلمي والتقانة والتكنولوجيا.

  30. وإنا لنشاهد من الصناعات شعباً ثلاثة: الصناعات الاستخراجية، والصناعات التحويلية، والخدمات.

  31. فأما الأولى فكالزراعة واستخراج المعادن والانتفاع بمصادر القوة والطاقة. وهذا النوع من العمل يشهد تطوراً وزيادة على مر العصور وبخاصة في عصرنا الحاضر.

  32. وأما الأعمال التحويلية التي يطلبها الكثير من الناس فهي في الأصل من الصناعات الاستخراجية. ومن أمثلتها في المحل الأول الصناعات التحويلية الثقيلة التي يمكن أن يتوفر القيام بها، ويتم إنجازها في بلادنا الثرية بالغاز الطبيعي والنفط خاصة. وهي ترتكز بشكل أساسي على أمرين: الأول استخدام هاتين المادتين، والثاني توفر القدرة على التمويل. فهي تتطلب أن يكون رأس المال كثيفاً لإنشاء صناعات تستخدم أحدث أساليب التقنية، تكون في مراحلها الأولى موجّهة للتصدير، ثم تتحوّل تدريجياً إلى التكامل التحتي بتشجيع القيام بالعديد من الصناعات المستخدمة لمنتجاتها. وتتمثل هذه الصناعات وفقاً لما تدل عليه نتائج الدراسات الاقتصادية: في صناعة التكرير، والأسمدة الكيماوية، والبتروكيماويات (١) .

  33. وأما الخدمات فهي كالطب والتدريس اللذين عدهما ابن

    vol. 2, p. 410خلدون في الصناعات. وسكت عنهما الاقتصاديون من بعده إلى أن جاء آدم سميث فاعتبر الخدمة عامل إنتاج لما تؤدي إليه من صناعة أشياء مادية (١) .

  34. وهذه الأعمال بأنواعها تحتاج إلى دراسة وتنظيم يكون بهما الإنطلاق إلى نهضة ملموسة وتنمية فعلية عملية ينكبّ عليها الأخصائيون في شتى البلاد في كل ميدان.

  35. فالأول من تلك الأصول أو الأعمال تحكمه الفطرة وتميل إليه النفس الكريمة الطيبة. فلا يتكلف المرء معه ما يرهقه أو ينوء به من تبعات النشاط، كما لا يسند إليه فيه من الأعمال ما لا يقدر عليه أو لا يُحسنه فتلحق مضرة ذلك بالمجتمع كله، وتحول تلك العوارض دون تحقيق المراد من التكوين والاستخلاف والتثمير والإنتاج.

  36. [° الاحتكار]

  37. عرّفه الإمام أبو حنيفة بقوله: كل ما أضرّ حبسه فهو احتكار.

  38. وقيل: هو حبس ما يتضرر الناس بحبسه تربصاً للغلاء.

  39. وهو من أشدّ الظلم، وسببُ إفساد العمران والدولة. والحكر هو الجمع والإمساك. والاحتكار حبس السلع عن البيع، والحُكرة: الاحتكار. ويكون الاحتكار بمعناه العام بالتسلط على أموال الناس بشراء ما بين أيديهم بأبخس الأثمان، ثم فرض البضائع عليهم بأرفع الأثمان على وجه الغصب والإكراه في الشراء والبيع.

  40. وهو من أكل أموال الناس بالباطل. وليس البيع والشراء

    vol. 2, p. 411كالاحتكار، فالأولان يقومان على المكايسة، وهذا النوع الأخير من التعامل يقوم على الفرض والقسر والإكراه والغصب.