الفصل الخامس: العقود
244 paragraphs · vol. 2, p. 422
Page 2 of 7
- vol. 2, p. 428
وتقدم القول في المغارسة والسَّلَم والمزارعة والقراض. وعدّها بعض علمائنا رخصاً، باعتبار أنها مستثناة من قاعدة الغرر، وإن لم يكن فيها تغيير حكم من صعوبة إلى سهولة لعذر. واعتبروا في إطلاق اسم الرخصة عليها أن تغيير الحكم أعم من تغييره بعد ثبوته، أو تغيير ما لو ثبت لكان مخالفاً للحكم المشروع (٤) .
-
ومن العقود ذات المقاصد المعتبرة المعاملاتُ المنعقدة على الأبدان. وهي إجارة الأبدان والمساقاة والمغارسة والقراض والجعل والمزارعة. وفي المغارسة لا بد من إحضار متمول قليل من طرف
vol. 2, p. 429عاملها. وكذلك ما يحصل بالمساقاة بقلة من إصلاح ولو إصلاح حوض.
-
وهذه العقود لا تخلو من غرر، كما قدمنا، لعسر انضباط مقادير العمل المتعاقد عليه فيها، وعسر معرفة العامل ما ينجر إليه من الربح من جراء عمله، ولعسر انضباط ما ينجر إلى صاحب المال فيها من إنتاج أو عدمه، غير أن الشريعة ألغت هذا الغرر، لأن أضرار مراعاته أشدُّ من أضرار إلغائه، لما في مراعاته من حرمان كثيرٍ من أفراد الأمة فوائد السعي والاكتساب (١) .
-
[التبرعات]
-
التبرّعات من عقود التمليك.
-
التبرع لغة: التطوّع بغير شرط. وفي اصطلاح الفقهاء: بذل المكلف مالاً أو منفعة لغيره في الحال أو في المآل بلا عوض بقصد البر والمعروف غالباً.
-
التبرّعات من التمليكات وهي قسيمة لها وتتنوع إلى: هبة، ووصية، ووقف، وقرض، وعارية.
- ويندرج تحتها ما يلي:
-
• تبرّعات ابتداء وانتهاء. كالهبة المطلقة والصدقة والوصية والعارية.
-
• وتبرّعات ضمن عقد معاوضة.
-
• وتبرّعات ابتداء. وقد ينتهي بها الأمر إلى أن تصير تبرّعات في النهاية، أو تنقلب إلى معاوضات. وتشمل الهبة، والصدقة، والوصية، والإعارة، والقرض، والوقف، والإبراء من جهة كونه تمليكاً، والعمرى، والرقبى، والإباحة، والصلح عن إنكار، والهبة بشرط
vol. 2, p. 430العوض على قول، واقتصر القول المشهور على حصرها في الهبة.
-
وتنقسم التبرّعات إلى قسمين متفاوتين أثراً وأهمية. فالأول منها هو مطلق العطايا مثل الصدقات اليومية والعطايا الموسمية والنفقات والقربات، والثاني هو العطايا الأخرى التي قصد منها التمليك والإغناء وإقامة المصالح الكائنة في الغالب بأموال يتنافس في مثلها المتنافسون ويتشاكس في الاختصاص بها المتشاكسون.
-
فمن القسم الأول الصدقة والهبة والعارية مما يدخل في عداد النفقات.
قال الإمام الأكبر الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور: "عقود التبرعات قائمة على أساس المواساة بين أفراد الأمة الخادمة لمعنى الأخوة. فهي مصلحة حاجيّة جليلة" (١) .
-
[الرهن]
-
هو لغة: الحبس واللزوم، وقيل: الثبوت والدوام. قال تعالى: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} (٢) ، وقال: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} (٣) . ويطلق أيضاً على الشيء المرهون. وعدّه ابن عابدين في التبرّعات (٤) .
-
وهو في الاصطلاح: حبس عين مالية، توثقةً لدين يستوفى منها أو من ثمنها عند تعذر الوفاء من غيرها لعجز أو غيبة أو مماطلة. وهذا ما عناه ابن شاس بما أورده من قوله: احتباس العين وثيقة بالحق يستوفى الحق من ثمنها أو من ثمن منافعها عند تعذّر أخذه من الغريم (٥) .
وقالت المالكية: إنه شيء متموّل يؤخذ من مالكه، توثّقاً به،
vol. 2, p. 431في دين لازم أو آئل إلى اللزوم (١) .
-
وهو جائز غير واجب بالاتفاق؛ لأنه وثيقة دين. وحكمه في هذا كحكم الكفالة. ويصح بكل حق لازم في الذمة ثابتٍ غير معرض للإسقاط من الراهن كدين السَّلَم وعوض القرض وثمن المبيعات وقيم المتلفات، والمهر وعوض الخلع غير المعينين، والدية على العاقلة بعد حلول الحول والأجرة في إجارة العين (٢) .
-
واشترطت الحنفية في صيغة الرهن ألا يكون معلقاً بشرط، ولا مضافاً إلى زمن مستقبل، لأن عقد الرهن يشبه عقد البيع من ناحية كونه سبيلاً إلى إيفاء الدين واستيفائه (٣) .
وقالت المالكية: يصح الشرط الذي لا يتنافى مع مقتضى العقد. فهو شرط فاسد، ولا يؤول إلى حرام. أما ما يتنافى مع مقتضى العقد فهو شرط فاسد مبطل للرهن (٤) .
-
ويقع الرهن في السفر والحضر باتفاق المذاهب، لم يخالف أحد في ذلك إلا مجاهداً والضحاك (٥) . ولا يستحق المرتهن الرهن لعجز الراهن عن فكاكه لما رواه أبو هريرة من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يُغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غرمه" (٦) .
- وله حالات ثلاث يصح فيها:
-
الأولى: أن يقع مع العقد المنشئ للدين، كأن يشترط البائع على المشتري بثمن مؤجل إلى المستقبل في مدة معينة تسليم الرهن بالثمن.
-
الثانية: أن يقع بعد الحق أو نشوء الدين. ويصح أيضاً بالاتفاق؛ لأنه دين ثابت تدعو الحاجة إلى أخذ الوثيقة فيه كالكفالة في الضمان.
-
الثالثة: أن يقع قبل نشوء العقد، مثل رهنتك متاعي هذا بمائة تقرضنيها.
-
وهذه الصور جائزة وصحيحة عند المالكية والحنفية، لأنها وثيقة بحق، ولا تصح في ظاهر المذهب عند الشافعية والحنابلة، لأن الوثيقة بالحق لا تلزم قبله لأنها كالشهادة.
-
ومشروعية الرهن ثابتة بالكتاب والسُّنة. قال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} (١) .
-
ومن السُّنة ما روته عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترى طعاماً من يهودي إلى أجل ورهنه درعاً من حديد (٢) .
-
والحكمة من تشريع الرهن توثيق الديون. مثله في ذلك مثل الكفالة. فهذه توثق الدين شخصياً، والرهن يوثق مالياً. وهو طريق لتسهيل القروض، كما أنه يفيد الدائن بإعطائه حق الامتياز والأفضلية على سائر الغرماء من الدائنين.
- vol. 2, p. 433
[الوقف]
-
الوقف لغة: الحبس. ومنه وقفُ الأرض والدابة أو غير ذلك (١) . وفي الاصطلاح: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة (٢) أخذاً من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمر: "حبَّس الأصل وسبَّل المنفعة" . رواه عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر (٣) .
-
واختلفت عبارات الفقهاء في تعريف الوقف باختلاف شروطه وأحكامه بينهم. وهذا من حيث لزومه وعدمه، واشتراط القربة من الواقف، وتعيين الجهة المالكة للعين بعد وقفها، وما يتصل بذلك من اشتراط القبول أو التسليم لتمامه.
-
وذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والمالكية والحنابلة والحنفية والظاهرية والزيدية والجعفرية إلى القول بجوازه في الدور والأرضين بما فيها من البناء والغراس، وفي السلاح والكراع والثياب والمصاحف ونحوها. لم يشذّ عن هذا غير أبي حنيفة وزفر في رواية عنهما.
-
واستدل المجيزون للوقف من الفقهاء بأدلة عامة وخاصة. فمن الأولى قوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} (٤) ، قال القرطبي: ففي هذه الآية دليل على استعمال ظاهر الخطاب وعمومه (٥) . ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من
vol. 2, p. 434ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (١) .
-
ومن السُّنة الفعلية ما روته عائشة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل سبع حيطان له بالمدينة صدقة على بني عبد المطلب وبني هاشم (٢) .
-
وذكر الإمام الأكبر أن من الصدقات الجارية والأوقاف التي كانت في زمان الرسول - صلى الله عليه وسلم -: صدقة عمر، وقد أشار عليه بها، وكذلك صدقة أبي طلحة الأنصاري فإنها كانت أيضاً بإشارة منه - صلى الله عليه وسلم -. وصدقة عثمان ببئر رومة. قال - صلى الله عليه وسلم -: من يشتري بئر رومة فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين؟ فاشتراها عثمان وتصدّق بها على المسلمين، وتصدق سعد بن عبادة بمخراف له عن أمه بعد وفاتها. وكانت هذه الصدقات أوقافاً ينتفع المسلمون بثمرتها على تفصيل في شروطها (٣) .
-
وفي تفصيل المقصد الشرعي يقول: والحُبس والعمرى والوصية والعتق لا تقع إلا في الشق الثاني (وهو غير النفقات الواجبة وما يلحق بها) فتكون غنى وتمليكاً سواء أكانت لأشخاص معينين أم لأصحاب أوصاف مقصودة بالنفع، أم لمصالح عامة للأمة كالذي يعطى لطلبة العلم والفقراء وأهل الخير والعبادة، وإقامة الحصون، وتجهيز الجيوش، ومداواة المرضى (٤) .
-
وذكر الكبيسي أن الوقف من أنواع الصدقات التي يقصد بها التقرب إلى الله. فهو من القرب المشروعة. وهو طريق من طرق إدرار الخير، وإجزال المثوبة للمتصدّق إذا اقترن عمله بنية صالحة
vol. 2, p. 435ورغبة صادقة ... والتصور الإسلامي للوقف ينطلق من التصور الإسلامي للملكية وللوظيفة الاجتماعية للمال (١) .
-
وقال القاضي شُريحُ بنُ الحارث الكندي، قاضي الكوفة بتعيين عمر بن الخطاب له، بحظر التحبيس. ولما بلغت مقالته سمعَ الإمام مالك، قال: رحم الله شُريحاً تكلم ببلاده، ولم يَرِد المدينة، فيرى آثار الأكابر من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والتابعين بعدهم، وما حبّسوا من أموالهم. وهذه صدقات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبع حوائط. وينبغي للمرء ألّا يتكلّم إلا فيما أحاط به خبراً (٢) . والحبس أو الوقف تبرع. وهو الصدقة الجارية.
-
وشرط التبرّعات أن تكون عن طيب نفس، وتكون مهلة لزوم عقد التبرع عقب العزم عليه وإنشائه أوسعَ من مهلة انعقاد عقود المعاوضة ولزومها. وفي تلك المهلة يتم التحويز والإشهاد. فلا يعتبرُ عقد التبرّع إلا بعد التحويز. وحدوث مرض الموت قبل تحويز العطيّة مفيت لها. والإشهاد بالعطيّة قائم مقام الحوز في الانعقاد. يدل على ذلك حديث النعمان بن بشير (٣) .
-
ويهرع المتبرّع إلى الإشهاد إن تأخّر الحوز. وهذا كاف في تحقّق التبرّع عند المالكية. وقال الشافعي وأبو حنيفة: الحوز شرط صحة لانعقاد التبرّع فلا يلزم الوفاء بالتبرع إذا لم يحصل الحوز. وقالت الحنفية بجواز الرجوع في الهبة في سبع صور هي: الزيادة المتصلة بنفس الموهوب إذا كانت سبباً في رفع قيمته، وموت أحد المتعاقدين، وقبول الواهب عنها عوضاً ولو من أجنبي، وخروج
vol. 2, p. 436الموهوب عن ملك الموهوب له، وهلاك العين الموهوبة (١) . وأباحت الشريعة تعليق العطيّة على حصول موت المعطي كما في الوصية.
-
وأمضى المالكية الشروط في الوقف والهبة والصدقة. وذلك كاشتراط الاعتصار في الصدقة والهبة، وكذلك في العمرى والتخلية. وما كان من هذه التصرّفات قد دلت القرائن على قصد الصدقة والدار الآخرة فيه فهو غير قابل للاعتصار إلا أن يشترطه المتصدّق أو الواقف.