و - بيان المصلحة والمفسدة

52 paragraphs · vol. 3, p. 200

Page 1 of 2

  1. أما المصلحة: فهي كاسمها شيء فيه صلاح قوي. ولذلك اشتق لها صيغة المَفْعَلة الدالة على اسم المكان الذي يكثر فيه ما منه اشتقاقه، وهو هنا مكان مجازي.

    vol. 3, p. 200
  2. ويظهر لي أن نعرفها بأنها وصف للفعل يحصل به الصلاح، أي النفع منه دائماً أو غالباً للجمهور أو للآحاد.

  3. فقولي: "دائماً" ، يشير إلى المصلحة الخالصة والمطّردة، وقولي: "أو غالباً" ، يشير إلى المصلحة الراجحة في غالب الأحوال، وقولي: "للجمهور أو للآحاد" ، إشارة إلى أنها قسمان كما سيأتي (١) .

  4. وعرف عضد الدين في شرح مختصر ابن الحاجب الأصلي المصلحةَ بأنها اللذة ووسيلتها (٢) . وعرفها هو في المواقف بأنها ملاءمة الطبع (٣) .

  5. وعرفها الشاطبي في مواضع من كتابه عنوان التعريف - بما

    vol. 3, p. 201يتحصل منه بعد تهذيبه - أنها ما يؤثر صلاحاً أو منفعة للناس عمومية أو خصوصية، وملاءمةً قارة في النفوس في قيام الحياة (١) . وهو أقرب التعاريف السابقة على تعريفنا، ولكنه غير منضبط.

  6. وأما المفسدة فهي ما قابل المصلحة. وهي وصف للفعل يحصل به الفساد، أي الضر دائماً أو غالباً للجمهور أو للآحاد.

  7. وقد لاح من التعريف أن المصلحة قسمان:

    مصلحة عامة: وهي ما فيه صلاحُ عموم الأمة أو الجمهور، ولا التفاتَ منه إلى أحوال الأفراد إلّا من حيث إنهم أجزاء من مجموع الأمة، مثل حفظ المتموّلات من الإحراق والإغراق. فإن في بقاء تلك المتموّلات منافع ومصالح، هي بحيث يستطيع كل من يتمكّن من الانتفاع بها نوالها بالوجوه المعروفة شرعاً. فإحراقها وإغراقها يفيت ما بها من المصالح عن الجمهور. وهذا هو معظم ما جاء فيه التشريع القرآني. ومنه معظم فروض الكفايات، كطلب العلم الديني والجهاد وطلب العلم الذي يكون سبباً في حصول قوة للأمة.

    vol. 3, p. 202
  8. ومصلحة خاصة: وهي ما فيه نفع الآحاد باعتبار صدور الأفعال من آحادهم ليحصل بإصلاحهم صلاح المجتمع المركب منهم. فالالتفات فيه ابتداء إلى الأفراد، وأما العموم فحاصل تبعاً. وهو بعض ما [جاء] به التشريع القرآني، ومعظم ما جاء به في السنة من التشريع. وهذا مثل حفظ المال من السرف بالحجر على السفيه مدة سفهه (١) . فذلك نفع لصاحب المال ليجده عند رشده أو يجده وارثه من بعده وليس نفعاً للجمهور.

  9. ويحق على العالِم أن يغوص برأيه في تتبع المصالح الخفية. فإنه يجد معظمها مراعًى فيه النفع العام للأمة والجماعة، أو لنظام العالم. مثل الدية في قتل الخطأ فإنها وجبت على القرابة من القبيلة (٢) ، وليس

    vol. 3, p. 203فيها في ظاهر الأمر نفع لدافعيها، حتى قال زهير:

    تُعَفَّى الكلوم بالمئينَ فأصبحت ... يُنَجِّمها من ليس فيها بمجرم (١)

  10. وفيها مصلحة خاصة للقاتل خطأً إذ استُبقي مالُه. ولو كان النظر إلى تلك المصلحة الخاصة لكان النظرُ يوجب إلغاء مصلحة القاتل في مقابلة مضرة أقاربه من قبيلته. ولكن غوص النظر ينبئنا بأنها روعي فيها نفع عام، وهو حق المواساة عند الشدائد، ليكون ذلك سنة بين القوم في تحمل جماعاتهم بالمصائب العظيمة. فهي نفع مدّخَر لهم في نوائبهم كما قال الله تعالى: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} (٢) ، مع ما في ذلك من إرضاء أولياء القتيل حتى تنتزع الإحن من قلوبهم. تلك الإحن التي قد تدفعهم إلى الاجتراء على إذاءة القاتل، فإن فرحهم بمال الدية الكثير يجبر صدعهم. ولو كلف القاتل دفع ذلك لأعوزه أو لصار بحالة فقر. فبذلك كله حصلت مقاصد الأمن والمواساة والرفق.

  11. ومثال مراعاة مصلحة نظام العالم حياطةُ الشريعة المصالح المألوفة المطردة بسياج الحفظ الدائم، ولو في الأحوال التي يظن

    vol. 3, p. 204فوات المصلحة من سائر جوانبها، كما يقال في الشيخ الهرم المنهوك بالمرض، الفقير الجاهل الذي لم يبق فيه رجاء نفع ما، فهو مع هذه الأحوال محترم النفس محافظة على مصلحة بقاء النفوس، لأن مصلحة نظام العالم في احترام بقاء النفوس في كل حال، مع الأمر بالصبر على ما يلوح من شدة الأضرار اللاحقة لحياة بعض الأحياء، كيلا يتطرق الوهن والاستخفاف بالنفوس إلى عقول الناس، فتتفاوت في ذلك اعتباراتهم تفاوتاً ربما يفضي إلى خرق سياج النظام. فالحفاظ على ذلك تأمين للأحياء من تلاعب أهواء الناس وأهواء نفوسهم بهم، وتأمين لنظام العالم من دخول التساهل في خرم أصوله.

  12. هذا وتحقيق الحد الذي نعتبر به الوصف مصلحة أو مفسدة أمر دقيق في العبارة، ولكنه ليس عسيراً في الاعتبار والملاحظة، لأن النفع الخالص والضر الخالص وإن كانا موجودين إلّا أنهما بالنسبة للنفع والضر يعتبران عزيزين.

  13. ولذلك قال عز الدين بن عبد السلام في الفصل الثالث من قواعده: "واعلم أن المصالح الخالصة عزيزة الوجود. فإن تحصيل المنافع المحضة للناس كالمأكل والمسكن لا يحصل إلا بالسعي في تحصيلها بمشقة الكد والنصب. فإذا حصلت فقد اقترن بها من المضار والآفات ما ينغصها" (١) . وقال فيه أيضاً: "واعلم أن تقديم الأصلح فالأصلح ودرء الأفسد فالأفسد مركوز في طبائع العباد ... ولا يُقدَّمُ الصالح على الأصلح إلا جاهل بفضل الأصلح أو شقيٌ متجاهل لا ينظر إلى ما بين المرتبتين من التفاوت" (٢) .

  14. وقال الشاطبي في المسألة الخامسة من أول كتاب المقاصد من الموافقات: "فالمصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا إنما تفهم على مقتضى ما غَلب. فإذا كان الغالب جهة المصلحة، فهي المصلحة المفهومة عُرفاً. وإذا غلبت الجهة الأخرى فهي المفسدة المفهومة عُرفاً. ولذلك كان الفعلُ ذو الوجهين منسوباً إلى الجهة الراجحة فإن رجحت المصلحة فمطلوب، ويقال فيه: إنه مصلحة. وإذا غلبت جهةُ المفسدة فمهروب عنه، ويقال: إنه مفسدة، على ما جرت به العادات في مثله" (١) اهـ.

    vol. 3, p. 205
  15. وإياك أن تتوهم من كلامهما اليأسَ من وجود النفع الخالص والضر الخالص، فإن التعاون الواقع بين شخصين هو مصلحة لهما وليس فيه أدنى ضر، وإن إحراقَ مال أحد إضرار خالص. على أننا لا نلزم فرض الأمرين في خصوص تعامل شخصين أو أكثر بل إذا صورناه في فعل الشخص الواحد نستطيع أن نكثر من أمثلته. على أن بعض المضرة قد يكون لضعفه مغفولاً عنه ممّن يلحقه، فذلك منزّلٌ منزلة العدم، مثل المضرة اللاحقة للقادر على الحمل الذي يُناول متاعاً لراكب دابة سقط منها متاعه. فإن فعله ذلك مصلحة محضة للراكب، وإن ما يعرض للمناول من العمل لا أثر له في جلب ضر إليه. وكأنّ عز الدين تصور ذلك عزيزاً، لأنه نظر إليه من جهة المعاملة بين شخصين.

  16. وقد حام ذانك الإمامان حول تحقيق الضابط الذي به نعتبر الوصف مصلحة أو مفسدة، لكنهما لم يقعا عليه.

  17. وأنا أقول تبعاً لذلك: إن ضابط تحقُّق ذلك الحد أحدُ خمسةِ أمور.

    vol. 3, p. 206
  18. أولها أن يكون النفع أو الضر مُحَقَّقاً مطَّرِداً. فالنفع المحقق مثل الانتفاع بانتشاق الهواء، وبنور الشمس، والتبرد بماء البحر أو النهر في شدة الحر، مما لا يدخل في الانتفاع به ضرُّ غيره. والضرّ المحقَّق مثل حرق زرع لقصد مجرد إتلافه من دون معرفة صاحبه ولا تشف، وكما حرق (نيْرون) (١) مدينة رومة.

  19. الثاني أن يكون النفعُ أو الضر غالباً واضحاً تنساق إليه عقول العقلاء والحكماء بحيث لا يقاومه ضدُّه عند التأمل. وهذا أكثرُ أنواع المصالح والمفاسد المنظور إليها في التشريع. وهو الذي لاحظه عزّ الدين والشاطبي، مثل إنقاذ الغريق مع ما فيه من مضرة للمنقذ كشدّة التعب أو شدّة البرد أو حدوث مرض، لكنها لا تُعدُّ شيئاً في جانب مصلحة الإنقاذ، وأمثلة هذا كثيرة في معظم المصالح والمفاسد.

  20. الثالث أن لا يمكن الاجتزاء عنه بغيره في تحصيل الصلاح وحصول الفساد، مثل شرب الخمر. فقد اشتمل على ضُرٍّ بيِّن وهو إفساد العقل وإحداث الخصومات وإتلاف المال، واشتمل على نفع بيَّن وهو إثارة الشجاعة والسخاء وطرد الهموم. إلّا أننا وجدنا مضارَّه لا يخلُفُها ما يصلحها، ووجدنا منافعه يَخلُفها ما يقوم مقامها من الحث على الخير بالمواعظ الحسنة والأشعار البليغة.

  21. وقولي: "أن لا يمكن الاجتزاءُ عنه بغيره في تحصيل الصلاح وحصول الفساد" . فيه إجمال في استخلاص المراد دعاني أن أشرح هذه الجملة.

    vol. 3, p. 207
  22. اعلم أن المقصود من هذا القسم الثالث تصويرُ مرتبة في النفع أو الضر دونَ مرتبة القسم الثاني (١) وفوقَ مرتبة القسم الرابع (٢) .

  23. فالمراد بقولي: "أن لا يمكن" : أن لا يُلفِيَ المجتهدُ عند سَبره مراتبَ المصلحة أو المفسدة من حيث إنها خالصةٌ أو مختلطةٌ بضدها، بعد السبر والبحث عن المُعارض.

  24. فالمراد بكلمة "الاجتزاء" : الاكتفاءُ، أي اقتناع المجتهد بتحقّق وصفٍ للفعل غير الوصف الذي بَدَا له في ذلك الفعل المبحوث عن وصفه. فمعنى الاجتزاء: الاعتياضُ عنه بوصف آخَرَ، بحيث لا محيص للفعل الموصوف عن مقارنة الوصف إياه، على حاله في النفع أو الضر دون تخفيف في ذلك.

  25. ومعنى قولي: "بغيره" ، أي بوصف آخر من نوع النفع بالنسبة إلى الوصف النافع، أو من نوع الضر بالنسبة إلى الوصف الضار.

  26. والضميران في قولي: "عنه" وقولي: "بغيره" عائدان على النفع أو على الضر. فجاء الضميران مفردين، لأن المَعَاديْن متعاطفان بـ (أو) (كما ذُكر ذلك في الضابط الأول) ، و (أَوْ) لأحد الشيئين.

  27. ومعنى قولي: "لا يخلفها ما يصلحها" أن لا توجد حالة

    vol. 3, p. 208تشتمل على وصف مع الأوصاف المذكورة يُعدِّل فسادَها وضُرَّها أو ينفيه من أصله، بحيث نظن أن أوصاف فسادِها مطردةٌ ملازمَةٌ للفعل لا تتخلف عنه إلا في أحوال طَردْية لا يَعتدُّ بها الشارع، شأنَ كل الأوصاف الطردية. وهذا مثل البُطءِ أو السرعة في حصول نَشوة الخمر لشاربيها، ومثلُ تناول الخمر صرفاً أو ممزوجة. فعند عروض الأحوال الطردية لا يجوز التسامح في الاعتداد بالوصف، وترتُّبِ أثره على طمع أن يَخِفَّ فساده وضره في نادر الأشخاص أو نادر الأوقات، إذ العبرة في مناط الأحكام هي الأحوال الغالبة.

  28. ومثال هذا أن لا نلتفت إلى قول عُمارة بن الوليد بن المُغيرة (١) يخاطب امرأته، وكانت شَرَطَت عليه عند تزوّجه أن يترك الشُّرب، ثم شَرب واعتذَر لها بشعر منه قوله:

    أَسَرَّكِ لمّا صَرَّعَ القومَ نَشوةٌ ... خُروجيَ منها سالماً غيرَ غارم

    بريئاً كأنِّي قبلُ لم أكُ منهم ... وليس النزاع مُرتضًى في المكارم (٢)

  29. فهذا شخص نادر، إن كان صادقاً فيما زعمه. فلا يؤثر مِثلُه نقضاً لكلية الحكم الشرعي.

    vol. 3, p. 209
  30. ومما يصلح مثالاً للاجتزاء عن الوصف بغيره في صورة الضُّر تجارةُ المسلم في الخمر مع غير المسلمين، فإنَّ ما يُتوقع في شرب الخمر من المفاسد حاصل من الكافر والمسلم سواء، لارتفاع الوازع باختلال العقل. لكنْ يخلُفُ ما فيها من الضُّر في هذه الحالة شيءٌ قد يكون مسيغاً للتسامح في الإذن بالتجارة فيها مع الكفار. وهو: أن الضر الذي يصدر من الكافر لا يعدو قومَه وأهلَ مَحلته أو بلده غالباً. فالمسلمون في أمن من إضرار أهل الكفر، ويُضم إليه أن المسلمين غير مطالبين بحمل أهل الذمة على ترك ما تبيحه لهم ملَّتُهم. فبهذا قد يُعتبر الضر في التجارة بالخمر مع الكفار أضعفَ من النفع الحاصل للمسلمين بأرباح تجارة الخمر. فجانب ما في التجارة بها معهم من النفع قد يُرجَّحُ على جانب المفاسد اللاحقة لهم، أو يرجّح على ذريعة أن يتناولها المسلمون في حانات أهل الذمة أو في ديارهم. فإذا تكاثر تردد المسلمين على حاناتهم أَمْكنَ تحجير التجارة في الخمر تحجيراً خاصاً ببعض الأوقات أو بعض الجهات بحسب فُشُوِّ ذلك.

  31. الرابع أن يكون أحد الأمرين من النفع أو الضر مع كونه مساوياً لضده معضوداً بمرجِّح من جنسه، مثل تغريم الذي يُتلف مالاً عمداً قيمة ما أتلفه. فإن في ذلك التغريم نفعاً للمتلَف عليه، وفيه ضررٌ للمتلِف، وهما متساويان. ولكن النفع قد رجّح بما عضَّده من العدل والإنصاف الذي يشهد أهل العقول والحكماء بأحَقِيَّتِه.

  32. الخامس أن يكون أحدهما منضبطاً محقَّقاً والآخر مضطرباً.

  33. وهو مثل الضر الذي يحصل من خطبة المسلم على خطبة أخيه، ومن سومه على سومه، الواقع النهيُ عنهما في حديث الموطأ عن أبي هريرة (١) . فإن ما يحصل من ذلك عند مجرد الخِطبة والتساوم قبل المراكنة والتقارب ضررٌ مضطرب، لا ينضبط ولا تجده سائر النفوس. فلو عملنا بظاهر الحديث لكانت المرأة إذا خطبها خاطب ولم تتم خطبته، والسلعةُ إذا سامها مساوم ولم يُرض السومُ ربَّها، أن يحظر على الرجال خطبة تلك المرأة وسوم تلك السلعة. ففي هذا فساد للمرأة، ولصاحب السلعة، وفساد يدخل على الناس الراغبين في تحصل ذلك.

    vol. 3, p. 210
  34. فلذلك قال مالك في الموطأ بعد أن ذكر حديث الخطبة: "وتفسير قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيما نَرى، والله أعلم، [لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه] أن يخطب الرجل المرأة، فتَركنَ إليه، ويتفقان على صداق [واحد معلوم] وقد تراضيا، [فهي تشرط عليه لنفسها] . فتلك التي نهى أن يخطبها الرجل على خطبة أخيه، ولم يَعن بذلك إذا خطب الرجل المرأةَ فلم يوافقها أمرُه، ولم تَركن إليه، أن لا يخطبها أحد. فهذا بابُ فسادٍ يدخل على الناس" (٢) .

  35. وقال في باب ما ينهى عنه من المساومة بعد أن ذكر حديث ابن عمر وأبي هريرة: "ولا يَبعْ بعضكم على بيع بعض" (٣) . وتفسير

    vol. 3, p. 211قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما نرى، والله أعلم: "أنه إنما نَهى أن يَسُومَ الرجلُ على سَوْمِ أخيه، إذا ركن البائعُ إلى السائم. وجعل يشترط وزن الذهب، ويتبرأ من العيوب وما أشبه هذا مما يعرف به أن البائع قد أراد مبايعة السائم. فهذا الذي نُهي عنه .... ولو ترك الناسُ السوم عند أول من يسوم بها أُخِذت بشبه الباطل في الثمن، ودخل على الباعة في سلعهم المكروه" (١) .

    قال عز الدين بن عبد السلام: "قاعدة فيما يعرف به الصالح والفاسد: وأما مصالح الدنيا وأسبابها، ومفاسدها وأسبابها فمعروفة بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات. فإن خفي شيء من ذلك طلب من أدلته. فمن أراد أن يعرف المصالح والمفاسد راجحَها ومرجوحَها فليعرض ذلك على عقله بتقدير أن الشرع لم يرد به ثم يبني عليه الأحكام. فلا يكاد حكم منها يخرج عن ذلك إلّا ما تعبد الله به عباده، ولم يقفهم على مصلحته أو مفسدته" (٢) .

    وقال في أول الفصل الثالث من قواعده: "إن تحصيل المصالح المحضة ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان وعن غيره محمود حسن، وإن تقديم أرجح المصالح فأرجحِها ودرء أفسد المفاسد فأفسدها محمود حسن، وإن تقديم المصالح الراجحة على المفاسد المرجوحة محمود حسن، وإن درء المفاسد الراجحة على تقديم

    vol. 3, p. 212المصالح المرجوحة محمود حسن. اتفق الحكماء على ذلك ... وإن اختُلف في بعض ذلك، فالغالب أن ذلك لأجل الاختلاف في التساوي أو الرجحان " (١) .

  36. وقال أيضاً في المثال الحادي والعشرين من أمثلة ما خالف القياس من المعاوضات: "ومن تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها، وإن لم يكن فيها نص ولا إجماع ولا قياس خاص. فإن فَهْمَ نفسِ الشرع يوجب ذلك. ومَثَلُ ذلك: من عاشر إنساناً من الفضلاء الحكماء العقلاء، وفهم ما يؤثره ويكرهه في كل ورد وصدر، ثم سنحت له مصلحة أو مفسدة لم يعرف قوله فيها، فإنه يعرف بمجموع ما عهده من طريقته وأَلِفه من عادته أنه يؤثر تلك المصلحة ويكره تلك المفسدة ... وهذا ظاهر في الخير الخالص والشر الخالص.

  37. وإنما الإشكال إذا لم تفهم خير الخيرين وشر الشرين، أو تعرف ترجيح المصلحة على المفسدة، أو ترجيح المفسدة على المصلحة أو جهلنا المصلحة والمفسدة. ومن المصالح والمفاسد ما لا يعرفه إلّا كلُّ ذي فهم سليم وطبع مستقيم، يعرف بهما دِقَّ المصالح والمفاسد وجلَّهما وأرجحهما من مرجوحهما. ويتفاوت الناس في ذلك على قدر تفاوتهم فيما ذكرته. وقد يغفل الحاذق الأفضل عن بعض ما يطلع عليه [الأخرق] المفضول ولكنّه قليل" (٢) اهـ.

  38. وقد أتى في فصل اجتماع المصالح والمفاسد بأمثلة كثيرة:

    أحسنها: "أن الحجر على المريض فيما زاد على ثلث ماله مضرة له ومفسدة تلحقه، لكنه مصلحة لورثته. فقُدِّم حقُّ ورثته في ثلثي ماله" (١) .

    vol. 3, p. 213
  39. "وأنَّ وضع يد غير المالك على الملك مفسدة للمالك. ولذلك وجب الضمان بالإتلاف. ولم تُعتبر هذه المفسدةُ في تصرفات الحكام إذا أخطؤوا في الاجتهاد في الحكم. فلم يجب الغُرم على الحاكم تقديماً لمصلحة إقدام القضاة على مفسدة المحكوم عليه خطأ" (٢) .

  40. وقد يسمى الصلاح خيراً والمفسدة شراً كما ورد في حديث حذيفة: "كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشر، مخافة أن أقع فيه" (٣) . وكما ورد في قول أبي بكر لعمر

    vol. 3, p. 214في جمع القرآن، إذ قال: "هو والله خير" (١) ، أي جمعه في مصحف.