و - بيان المصلحة والمفسدة
52 paragraphs · vol. 3, p. 200
Page 2 of 2
- vol. 3, p. 214
ويتحصَّل مما ذكرناه علمٌ بأن تشريع جلب المصالح ليس فيه تحصيل مفسدة، وأن تشريع درء المفاسد ليس فيه إضاعة مصلحة. بل التشريع كله جلب مصالح، لأن طرف المفسدة المغمور في جانب المصلحة الغامرة، أو طرف المصلحة المغمور في جانب المفسدة الغامرة لا يؤثر في نظام العالم شيئاً. وإذا تعطّل حصول الأثر بوجود مانع من تأثير المؤثِّر لم يبق عبرةٌ بوجود المؤثر.
-
ومنه نعلم أن ليست المصلحة هي مطلق الملائم ولا المفسدة هي مطلق المنافر والمشقة. فإن بين المصلحة والمفسدة وبين ما ذكرناه عموماً وخصوصاً وجهياً، ولذلك أثبت القرآن أن في الخمر والميسر منافع إذ قال: {فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} (٢) وليست تلك المنافع بمصالح لأنها لو كانت مصالح لكان تناوله مباحاً أو واجباً.
- vol. 3, p. 215
وقد تقدم في مقصد الفطرة ما يجب أن نتذكره هنا فَعُدْ إليه (١) .
-
ويجب التنبه إلى أن المفسدة الراجحة على جانب المصلحة أو الخالصة نجدها متفاوتة في جنسها تفاوتاً بيّنًا، تنبئ عنه آثار الأفعال المشتملة على المفاسد في خَرم المقاصد الشرعية، والكليات الضرورية أو الحاجية أو بعض التحسينية القريبة من الحاجية. وتنبئ عنه أيضاً مقادير أثرها من الإضرار والإخلال في أحوال الأمة بكثرة ذلك وقِلَّته وانتشاره وانزوائه وطول مدته وقصرها مع اختلاف العصور والأحوال.
-
فالمنهيات كلها مشتملة على المفاسد. ومع ذلك فقد رتبتها الشريعة مراتب مجملة فصلها الفقهاء من بعد. فقد جاء في الشريعة ذكع الفواحش والكبائر واللمم: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} (٢) ، وجاء ذكر الإثم والبغي: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} (٣) ، وجاء وصفُ المنهيات بأن بعضها أكبرُ من بعض: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} (٤) . وفي أحاديث من الصحيح ذكرُ أكبر الكبائر (٥) أو ذكر جواب أي الذنب أعظم، مرتباً بعضها عقب بعض (٦) .
- vol. 3, p. 216
وقد ذكر القرآن الفساد مطلقاً تارة، ومقيّداً بالكِبَر تارة فقال: {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} (١) ، وقال: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} (٢) ، وقال: {فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} (٣) .
-
وباعتبار مقادير المفاسد جعل الصحابة عقوبة اللوطيَيْن - بصيغة التثنية - الرجم مساوية عقوبة الزاني المحصن، سواء كانا محصنين أم لم يكونا محصنين، لأنهم وجدوا مفسدة ذلك أشد، والعذر عن فاعله أبعد (٤) .
- vol. 3, p. 217
وجعل علي بن أبي طالب عقوبة شارب الخمر مساوية حد القذف، لما رأى القذف مظنة لازمة للسكران غالباً (١) .
-
وكذلك تجد آثار هذا المعنى ظاهرة في تصرفات الصحابة ومن بعدهم في مراتب العقوبات والعفو. فعقوبة الحرابة جعلت أشدّ من عقوبة قتل الغيلة في التنكيل وعدم قبول العفو: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} (٢) .
- vol. 3, p. 218
وجعل قتل الغيلة غير قابل للعفو من الأولياء (١) .
-
وجعلت السرقة دون ذلك، والخِلسة دون السرقة، وكذلك الاغتصاب والغصب.
-
وقد وضع بعض الفقهاء لبعض مراتب المفاسد أسماء ليست بالكثيرة ولا بالمطردة. فرتب الشافعيةُ مراتبَ: الحرام، والمكروه، وخلاف الأولى (٢) . ورتب الحنفيةُ مراتب: التحريم، وكراهة التحريم، وكراهة التنزيه (٣) .