ز - طلب الشريعة للمصالح

29 paragraphs · vol. 3, p. 219

  1. المصلحة بأنواعها تنقسم قسمين:
  2. أحدهما ما يكون فيه حظ ظاهر للناس في الجبلة يقتضي ميل نفوسهم إلى تحصيله لأن في تحصيله ملاءمةً لهم.

  3. والثاني ما ليس فيه حظ ظاهر لهم.

  4. ووصفتُ الحظ بأنه ظاهر للتنبيه على أن كثيراً من المصالح من القسم الثاني ليس الحظ فيه ظاهراً للناس، ولكنّ فيه حظوظاً خفية يغفلون عنها.

  5. مثال القسم الأول: تناول الأطعمة لإقامة الحياة، ولبس الثياب، وقربان النساء.

  6. ومثال الثاني: توسيع الطرقات وتسويتها، وإقامة الحرس بالليل. فهذا ونحوه ليس فيه حظ ظاهر لفرد من الأفراد. فإن جمهور

    vol. 3, p. 220الناس لا يشعرون بالمنافع التي تنجر إليهم من معظم المصالح العمومية ما دامت قائمة، وإنما يشعرون بها متى فقدوها، على أن بعض الناس قد يعيش دهراً لا ينتفع ببعض المصالح العامة، مثل الزمِنِ بالنسبة إلى مصلحة توسيع الطريق وتسويته.

  7. ولكل من قسمي المصلحة خصائص من عناية الشارع.

  8. فالقسم الأول ليس من شأن الشارع أن يتعرض له بالطلب، لأن داعي الجِبلة يكفي الشريعة مؤونة توجيه اهتمامها لتحصيله. وإنما شأنها أن تزيل عنه موانع حصوله، كمنع الاعتداء على أحد بافتكاك طعامه ولباسه، وكتحديد كيفية عقد النكاح لإزالة موانع التناسل كالغيرة والعضل. ولذلك نجد البيع والنكاح في قسم الإباحة، وإن كانا مصلحتين مهمتين يقتضيان لهما حكم الوجوب.

  9. والقسم الثاني يتعرّض له التشريع بالتأكيد، ويرتّب العقوبة على تركه والاعتداءِ عليه. وقد أوجب بعضَه على الأعيان، وبعضَه على الكفايات بحسب محل المصلحة. فالذي مصلحته لا تتحقّق إلا بأن يقوم به الجميع، مثل حفظ النفس يكون واجباً على الأعيان. والذي مصلحته تتحقَق بأن يقوم به فرد أو طائفة يجب على الكفاية على الفرد أو على الجماعة، كإنقاذ الغريق وإطفاء النيران الملتهمة الديار. ومن هذا القسم الإنفاقُ على الزوجات والأبناء، ومواساةُ ذي الحاجة، وإضافةُ الغريب، وإجراءُ الوظائف لمن يقوم بأمور الأمة.

  10. وقد يلتحق بهذا القسم أنواع من القسم الأول يعرض لها ما يغشى الجبلة من العوائد والتعاليم الفاسدة التي تحجب الجبلة عن التأثير، مثل من يصاب برعونة ترك الطعام. كما يذكر عن بعض الجاهلية أنه جلس يتغدَّى حذو غدير، فرأى في الماء صورة نفسه

    vol. 3, p. 221يزدرد الطعام، فكره تلك الهيئة وآلى أن لا يذوق طعاماً حتى مات جوعاً. فهذا من اختلال العقل.

  11. ومثل ما عرض لبعض أحياء العرب من وأد بناتهم، خشيةَ أن يلحقهم العارُ من جرائهن بالأسر أو الفقر.

  12. ومثل الهاجس الذي هجس بنفس المعرِّي، فأعرض عن التزوج كيلا يأتي بنسلٍ غايته الموت، إن صحّ ما نسب إليه أنه أوصى أن يكتبوا على قبره:

    هذا جناه أبي عليْـ ... ـيَ وما جنيتُ على أحد (١)

  13. وكذلك ما يعرض من الكسل عن الاكتساب لبعض الناس، وما يعرض لبعض الزهاد من الانقطاع إلى العبادة حتى يفضي بهم إلى إضاعة منافع أخرى.

  14. فللقائم بالشريعة ولأصحاب التفريع في التشريع أن يقفوا في هذا المقام موقفَ ردع هذه العوارض النادرة بإرشاد يزيل الضلال والخطأ، ويفضح ذلك الأفن. كما قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} (٢) . وكما قال تعالى:

    vol. 3, p. 222{وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} (١) . وفي الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: "ألم أُخْبَر أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟ " قال: قلت: إني أفعل ذلك. قال: "فإنك إذا فعلت هجمت عينك ونَفِهت (٢) نفسك، وإن لنفسك حقاً، ولأهلك حقاً، ولزوجك حقاً؛ فصم وأفطر وقم ونم" (٣) .

  15. فما كان من هذه العوارض خاصاً بنفس صاحبه فعلاجُه الموعظة الشرعية والتربية. وما كان متعدّياً إلى إضرار الناس بالفعل أو بالقول - مثل من يدعو الناس إلى اتباعه في هذه الرعونات - فعلاجهُ العقوبات.

  16. فوليُّ الأمر يُجبر تارك الاكتساب بأن يكتسب لعياله، وينفي مَن يدعو الناس إلى بدعته كما نفى عمر صَبِيغاً (٤) عن البصرة. وقد كان

    vol. 3, p. 223عمرُ ألزمَ المحتكرين للطعام بأن يبيعوا ما يحتاج الناس إلى شرائه من الحبوب، كما في الموطأ (١) ، فقد ألزمهم بنوع من البيوع مع كون أصل التصدّي للبيع والشراء مباحاً، لأن إباحته نشأت بالاعتماد على داعي النفوس للاكتساب وحب الربح، واختلاف الأغراض هو مَعدِلُ الحاجة.

  17. وعلى هذا المنهج تنتهج الشريعة في المحافظة على أنواع المصالح باعتبار تصرف الناس فيها بالتسامح والتضييق في القسمين المذكورين آنفاً. فلكل أحد الاختيار في حقوقه الذاتية الثابتة له على غيره التي هي من القسم الأول. فله أن يسقطها إن شاء، لأن كونها حقوقاً له، وكونها مطلوباً بها غيرُه له مَظِنَّةُ حرصه على تقاضيها. فالشريعة تكله إلى الداعي الجبلي، وهو داعي حب النفس والمنافسة في الاكتساب. فالإسقاط لا يكون إلا لغرض صحيح. فإن تجاوز ذلك الحدَّ فاختل الداعي الجبلّي سُمِّي سفهاً يُمنعُ صاحبُه من التصرف.

  18. وأما الحقوق الثابتة للإنسان في نفسه، ولا تعلُّقَ لها بغيره،

    vol. 3, p. 224فتصرّفه فيها بالإسقاط صحيح. ولذلك صحَّت الهباتُ والعفو عن الجنايات دون القتل، وعن الديون في الأحوال الجارية على المقاصد الحسنة. فإن اختل الداعي الجبلّي سُمِّي التصرف سفهاً، إلا إذا ترتّب على إسقاطه مفسدة. فإن ترجيح تلك المفسدة دلّ على اختلال الداعي الجبلّي. ألا ترى أن للمرء أن يأذن الطبيب بقطع عضو من أعضائه إذا رأى الطبيبُ ذلك مع كون المصلحة مظنونةً، وله بذل نفسه في الذب عن الحوزة بشروطه (١) ، وليس له الإذن بقطع عضو من أعضائه باطلًا (٢) .

  19. وأما ما كان من القسم الثاني من قسمي المصلحة فليس لأحد إسقاطُ حقه فيه لأن حقه ثابت مع حق غيره.

    vol. 3, p. 225
  20. وخلاصة القول: إن الشريعة تحافظ أبداً على المصلحة المستخفِّ بها، سواء كانت عامةً أم خاصة، حفظاً للحق العام أو للحق الخاص الذي غلب عليه هَوَى الغير أو هواه هو نفسه.

  21. ومتى تعارضت المصلحتان رُجِّحت المصلحةُ العظمى. ولهذا قدم القصاص على احترام نفس المُقتَصِّ منه، لأن مصلحة القصاص عظيمة في تسكين ثائرة أولياء القتيل، لتقع السلامة من الثارات، وفي انزجار الجناة عن القتل، وفي إزالة نفس شريرة من المجتمع. فلو أسقط وليُّ الدم القصاص زالت أعظم المصالح. فبقيت مصلحتان أخريان: إحداهما حاصلة من توقّع عدم العفو، والأخرى تحصل باستصلاح حال الجاني بالضرب والسجن. فلذلك سقط القصاصُ بالعفو فيما عدا قتل الغيلة وما عدا الحرابة، لأن عِظَم الجريمة رجَّحَ جانبَ مصلحةِ إزالةِ نفسٍ ظهرَ شرُّها وَبَعُد رجاءُ خيرها.

  22. ولأجل هذا أيضاً كان إتلاف النفوس في الذب عن الحوزة غرضاً صحيحاً. وأقر النبي - صلى الله عليه وسلم - طلحةَ بن عبيد الله حين وقف يدفع بسيفه ونَبله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد حتى ضربت يده (١) ، لأنّ في

    vol. 3, p. 226بقاء الرسول بقاء الأمة جمعاء، وليس بقاء طلحة كذلك. وقد عَلم [أبو] طلحة ذلك فكان يقول للرسول عليه الصلاة والسلام: "لا تشرف على القوم يصيبك سهم، نحري دون نحرك" (١) .

  23. ومن هنا يتضح لنا طريق النظر في المصالح المتعددة إذا لم يمكن تحصيل جميعها، وفي المفاسد المتعددة إذا لم يمكن درء جميعها. وقد بيّن عز الدين بن عبد السلام في كتاب القواعد أن تقديم أرجح المصلحتين هو الطريق الشرعي، وأن درء أرجح المفسدتين كذلك. فإذا حصل التساوي من جميع الوجوه فالحكم التخيير (٢) .

  24. وأقول: قد مُثّل في أصول الفقه بمن سقط على جماعة من الجرحى، بحيث إذا وطئ على واحدٍ قتله، فإذا انتقل على غيره قتله أيضاً. فقيل: يبقى واطئاً لمن نزل عليه. وقيل: يخيّر (١) . ويظهر التخيير واضحاً في تصرّفات ولاة الأمور عند تعارض المصلحتين العامتين كتوسيع طريق بين جبلين يفضي إلى بلد بتضييق طريق بينهما يفضي إلى بلد آخر (٢) .

    vol. 3, p. 227
  25. وممّا يجب التنبّه له أن التخيير لا يكون إلّا بعد استفراغ الوسع في تحصيل مُرجِّح مّا ثم العجز عن تحصيله. وفي طرق الترجيح قد يحصل اختلاف بين العلماء، فعلى الفقيه تحقيقُ الأمر في ذلك.

  26. ويُعرفُ الترجيح بوجوه منها: أهميةُ ما يترتب على المصلحة على ما يترتب على غيرها، كتقديم مصلحة الإيمان على مصلحة الأعمال، وتقديم إنقاذ الأنفس عند الأخطار على إنقاذ الأموال،

    vol. 3, p. 228وتقديم ما حضّ الشارع على طلبه على ما طلبه طلباً غير محثوث، وتقديم الأصل على فرعه.

  27. ومن طرق الترجيح الخفيّة عن المدركات الشائعةِ آثارُها في المعاملات: ترجيح إحدى المصلحتين الفرديتين على مساويتها بمرجِّح مراعاة الأصل. فإن كثيراً من أنواع التجارات إذا احترف به التاجرُ لجلب مصلحته فدخل بمقداره إضرار على مماثله في التجارة، فمصلحة أحد التاجرين في الاحتراف بالتجارة ومصلحة الآخر في ترك غيره ذلك الاحتراف، وهما متساويتان، ولا يمكن الجمع بينهما. فراعت الشريعة طريق الترجيح في مثل هذا، بأن الأصل إرسال الناس في ميدان الاختيار والجلب، فتترجح إحدى المصلحتين باختيار جالب تلك المصلحة لنفسه. ولذلك أباحت الشريعة أن يشتغل أحد بالتجارة في ضرب من ضروب السلع مع وجود مماثل له في تلك التجارة سابق له بله المقارن. فإذا قصد بذلك الإضرار كان آثماً على نيّته ولم يكن ممنوعاً من العمل (١) .

  28. فالشريعة تسعى إلى تحقيق المقاصد في عموم طبقات الأمة بدون حرج ولا مشقة. فتجمع بين مناحي مقاصدها في التكاليف والقوانين مهما تيسر الجمع. فهي تترقى بالأمة من الأدون من نواحي تلك المقاصد إلى الأعلى، بمقدار ما تسمح به الأحوال ويتيسر حصوله، وإلّا فهي تتنازل من الأصعب إلى الذي يليه مما فيه تعليق الأهم من المقاصد.

  29. وقد مضى في مبحث الفطرة ما يمكن معه أن يجعل لأحكام المصالح والمفاسد وتعارضهما سبباً يربطها بمراعاة إقامة الفطرة وانخرامها. ولا يعوزك تتبعه في أحوال التعارض، فكن فيه على بصيرة (١) !.

    vol. 3, p. 229