ح - أنواع المصلحة المقصودة من التشريع
59 paragraphs · vol. 3, p. 230
Page 1 of 2
- vol. 3, p. 230
قد ثبت مما قررته في المبحثين قبل هذا أن مقصد الشريعة من التشريع، حفظ نظام العالم، وضبطُ تصرّف الناس فيه، على وجه يعصم من التفاسد والتهالك. وذلك إنما يكون بتحصيل المصالح واجتناب المفاسد على حسب ما يتحقق به معنى المصلحة والمفسدة. فحقيق عَلَيَّ أن أبين أمثالاً ونظائر لأنواع المصالح المعتبرة شرعاً والمفاسد المحذورة شرعاً، لتحصل للعالِم بعلم مقاصد الشريعة مَلَكةٌ يعرف بها مقصود الشارع. فينحو نحوه عند عروض المصالح والمفاسد لأحوال الأمة جلباً ودرءاً.
-
ووجهُ حاجة هذا العالِم إلى ذلك: أن المصالح كثيرة متفاوتة الآثار قوة وضعفاً في صلاح أحوال الأمة أو الجماعة، وأنّها أيضاً متفاوتة بحسب العوارض العارضة والحافة بها من مُعضَّدات لآثارها أو مُبطلات لتلك الآثار كلًا أو بعضاً. وإنّما يُعْتَبرُ منها ما نتحقق أنه مقصودٌ للشريعة، لأن المصالح كثيرة منبثة.
-
وقد جاءت الشريعة بمقاصد تنفي كثيراً من الأحوال التي اعتبرها العقلاء في بعض الأزمان مصالح، وتُثبِت عوضاً عنها مصالحَ أرجحَ منها. نعم إن مقصد الشارع لا يجوز أن يكون غير مصلحة، ولكنه ليس يلزم أن يكون مقصوداً منه كل مصلحة. فمن حق العالِم بالتشريع أن يَخْبُرَ أفانين هذه المصالح في ذاتها وفي عوارضها، وأن
vol. 3, p. 231يَسْبُرَ الحدود والغايات التي لاحظتْها الشريعة في أمثالها وأحوالها إثباتاً ورفعاً، واعتداداً ورفضاً، لتكون له دستوراً يُقتدَى، وإماماً يُحتذى (١) ، إذ ليس له مطمع - عند عروض كل النوازل النازلة والنوائب العارضة - بأن يظفر لها بأصل مماثل في الشريعة المنصوصة ليقيس عليه، بله نصٍّ مقنع يفيء إليه. فإذا عَنَّتْ للأمة حاجةٌ وهرع الناس إليه يتطلّبون قوله الفصلَ فيما يُقدمون عليه وَجَدُوه ذكيَّ القلب صارم القول غير كسلان ولا متبلِّدٍ.
-
وتنقسم المصالح باعتبار آثارها في قوام أمر الأمة إلى ثلاثة أقسام: ضرورية، وحاجيَّة، وتحسينية.
- vol. 3, p. 232
وتنقسم باعتبار تعلّقها بعموم الأمة أو جماعاتها أو أفرادها إلى: كلية، وجزئية.
-
وتنقسم باعتبار تحقق الاحتياج إليها في قوام أمر الأمة أو الأفراد إلى: قطعيّة، أو ظنيّة، أو وهميّة (١) .
-
فأما التقسيم الأول إلى: ضرورية، وحاجية، وتحسينية. فهذه ثلاثة أصناف:
فالمصالح الضرورية، هي التي تكون الأمةُ بمجموعها وآحادها في ضرورة إلى تحصيلها، بحيث لا يستقيم النظامُ باختلالها، بحيث إذا انخرمت تؤول حالة الأمة إلى فساد وتلاش. ولست أعني باختلال نظام الأمة هلاكَها واضمحلالها، لأن هذا قد سلمت منه أعرق الأمم في الوثنية والهمجية، ولكنَّي أعني به أن تصير أحوال الأمة شبيهة بأحوال الأنعام، بحيث لا تكون على الحالة التي أرادها الشارع منها. وقد يُفضي بعضُ ذلك الاختلال إلى الاضمحلال الآجل بتفاني بعضها ببعض، أو بتسلط العدو عليها إذا كانت بمرصد من الأمم المعادية لها أو الطامعة في استيلائها عليها. كما أوشكت حالة العرب في الجاهلية على ذلك مثلما قال زهير:
تداركتما عبساً وذبيان بعدما ... تفانوا ودقوا بينهم عِطرَ مَنشَم (٢)
- vol. 3, p. 233
وقد مثّل الغزالي (١) - في المستصفى (٢) - وابن الحاجب (٣) لقرافي (٤) والشاطبي (٥) هذا القسم الضروري بحفظ الدين والنفوس
vol. 3, p. 234والعقول والأموال والأنساب. وزاد القرافي نقلًا عن قائلٍ: حفظَ الأعراض. ونُسب في كتب الشافعية إلى الطوفي (١) *.
قال الغزالي: "وتحريمُ تفويت هذه الأصول الخمسة يستحيل أن لا تشتمل عليه ملة [من الملل] وشريعة [من الشرائع] التي أريد بها إصلاح الخلق" (٢) . وقد علم بالضرورة كونها مقصودة للشرع لا بدليل واحد وأصل معين بل بأدلة خارجة عن الحصر.
وقال الشاطبي (٣) *: "وعلم هذه الضروريات صار مقطوعاً به، ولم يثبت ذلك بدليل معين بل علمت ملاءمتها للشريعة بمجموع أدلة لا تنحصر في باب واحد. فكما لا يتعين في التواتر المعنوي أن يكون المفيد للعلم خبراً واحداً من الأخبار دون سائر الأخبار، كذلك لا يتعين هنا لاستواء جميع الأدلة في إفادة الظن على انفرادها. فنحن
vol. 3, p. 235إذا نظرنا في حفظ النفس مثلًا نجد النهي عن قتلها (١) ، وجعل قتلها سبباً للقصاص ومتوعَّداً عليه ومقروناً بالشرك (٢) ، ووجوب سد الرمق على الخائف على نفسه ولو بأكل الميتة (٣) . فعلمنا تحريم القتل علم اليقين. وإذا انتظم الأصل الكلي جارياً مجرى دليل عام فاندرجت تحته جميعُ الجزئيات التي يتحقق فيها ذلك العموم" اهـ.
-
وقد تنبّه بعض علماء الأصول إلى أن هذه الضروريات مشار إليها بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} (٤) إذ لا خصوصية للنساء المؤمنات. فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأخذ البيعة على الرجال بمثل ما نزل في المؤمنات كما في صحيح البخاري (٥) .
vol. 3, p. 236قال الشاطبي: "وحفظ هذه الضروريات بأمرين:
أحدهما ما يقيم أصل وجودها.
-
والثاني ما يدفع عنها الاختلال الذي يعرض لها" (١) اهـ.
-
وأقول: إن حفظ هذه الكليات معناه حفظها بالنسبة لآحاد الأمة وبالنسبة لعموم الأمة بالأولى.
-
فحفظ الدين معناه حفظ دين كل أحد من المسلمين أن يدخل عليه ما يفسد اعتقادهُ وعملَه اللاحق بالدين. وحفظ الدين بالنسبة لعموم الأمة، أي دفع كل ما شأنه أن ينقض أصول الدين القطعية. ويدخل في ذلك حمايةُ البيضة والذبُّ عن الحوزة الإسلامية بإبقاء وسائل تلقي الدين من الأمة حاضرها وآتيها.
-
ومعنى حفظ النفوس حفظُ الأرواح من التلف أفراداً وعموماً، لأن العالَم مركب من أفراد الإنسان، وفي كل نفس خصائصُها التي بها بعضُ قِوام العالم. وليس المرادُ حفظَها بالقصاص كما مثل به الفقهاء، بل نجد القصاص هو أضعفَ أنواع حفظ النفوس، لأنه تداركُ بعضِ الفوات. بل الحفظ أهمه حفظُها عن التلف قبل وقوعه،
vol. 3, p. 237مثل مقاومة الأمراض السارية. وقد منع عمر بن الخطاب الجيش من دخول الشام لأجل طاعون عمواس (١) . والمرادُ النفوس المحترمة في نظر الشريعة، وهي المعبر عنها بالمعصومة الدم. ألا ترى أنه يُعاقَب الزاني المُحصَن بالرجم مع أن حفظ النسب دون مرتبة حفظ النفس. ويلحق بحفظ النفوس من الإتلاف حفظُ بعض أطراف الجسد من الإتلاف، وهي الأطراف التي يُنزَّل إتلافُها منزلة إتلاف النفس في انعدام المنفعة بتلك النفس. مثل الأطراف التي جُعلت في إتلافها خطأَ الديةُ كاملة (٢) .
- vol. 3, p. 238
ومعنى حفظ العقل: حفظُ عقول الناس من أن يدخل عليها خلل، لأن دخول الخلل على العقل مؤدٍّ إلى فساد عظيم من عدم انضباط التصرف. فدخول الخلل على عقل الفرد مفض إلى فساد جزئي، ودخوله على عقول الجماعات وعموم الأمة أعظم. ولذلك يجب منع الشخص من السكر، ومنع الأمة من تفشّي السكر بين أفرادها. وكذلك تفشّي المفسدات مثل الحشيشة والأفيون والمورفين والكوكايين والهروين، ونحوها مما كثر تناوله في القرن الرابع عشر الهجري.
-
وأما حفظ المال فهو حفظُ أموال الأمة من الإتلاف، ومن الخروج إلى أيدي غير الأمة بدون عوض، وحفظُ أجزاء المال المعتبرة عن التلف بدون عوض.
-
وليس من الضروري إلغاء بعض الأعواض عن الاعتبار كإلغاء دفع العوض على التأجيل وهو ربا الجاهلية، وإلغاء التعويض على الضمان وعلى بذل الجاه وعلى القرض، ولا حفظُ المال من الخروج
vol. 3, p. 239عن يد مالكه إلى يد أخرى من أيدي الأمة بدون رضًى، لأن هذين من الحاجي لا من الضروري. ثم إن حفظَ الأموال الفردية يؤول إلى حفظ مال الأمة. وبه يحصل حصول الكلُّ بحصول أجزائه.
-
وأما حفظ الأنساب - ويعبّر عنه بحفظ النسل - فقد أطلقه العلماء ولم يبيّنوا المقصود منه، ونحن نفصل القول فيه. وذلك أنه إن أريد به حفظ الأنساب أي النسل من التعطيل فظاهرٌ عدُّه من الضروري، لأن النسل هو خِلفَةُ أفراد النوع. فلو تعطل يؤول تعطيلُه إلى اضمحلال النوع وانتقاصه، كما قال لوط لقومه: {وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ} (١) على أحد التفسيرين (٢) . فبهذا المعنى لا شبهة في عده من الكليات لأنه يعادل حفظ النفوس. فيجب أن تحفظ ذكور الأمة من الاختصاء مثلًا، ومن ترك مباشرة النساء باطراد العزوبة ونحو ذلك. وأن تحفظ إناث الأمة من قطع أعضاء الأرحام التي بها الولادة، ومن تفشّي إفساد الحمل في وقت العلوق، وقطع الثدي، فإنه يكثر الموتان في الأطفال بعسر الإرضاع الصناعي على كثير من النساء وتعذره في البوادي.
-
وأما إن أُريد بحفظ النسب حفظ انتساب النسل إلى أصله، وهو الذي لأجله شرعت قواعد الأنكحة، وحرم الزنا وفرض له الحد، فقد يقال: إن عَدَّه من الضروريات غير واضح، إذ ليس بالأمة من ضرورة إلى معرفة أن زيداً هو ابن عمر وإنما ضرورتها في وجود أفراد النوع وانتظام أمرهم.
- vol. 3, p. 240
ولكن في هذه الحالة مضرّة عظيمة، وهي أن الشك في انتساب النسل إلى أصله يزيل من الأصل الميل الجبلي الباعث عن الذب عنه، والقيام عليه بما فيه بقاؤه وصلاحه وكمال جسده وعقله بالتربية والإنفاق على الأطفال إلى أن يبلغوا مبلغ الاستغناء عن العناية. وهي مَضَرّة لا تبلغ مبلغ الضرورة لأن في قيام الأمهات بالأطفال كفاية مّا لتحصيل المقصود من النسل. وهو يزيل من الفرع الإحساس بالمبرة والصلة والمعاونة والحفظ عند العجز. فيكون حفظ النسب بهذا المعنى بالنظر إلى تفكيك جوانبه من قبيل الحاجي. ولكنه لما كانت لفوات حفظه من مجموع هذه الجوانب عواقب كثيرة سيئة يضطرب لها أمر نظام الأمة وتنخرم بها دعامة العائلة، اعتبر علماؤنا حفظ النسب في الضروري، لما ورد في الشريعة من التغليظ في حد الزنا، وما ورد عن بعض العلماء من التغليظ في نكاح السر والنكاح بدون ولي وبدون إشهاد، كما سنبيّنه عند الكلام على مقصد الشريعة في نظام العائلة الراجع إلى حفظ حقوق الأولاد (١) .
-
وأما حفظ العِرض في الضروري فليس بصحيح. والصواب أنه من قبيل الحاجي. وإن الذي حمل بعض العلماء - مثل تاج الدين السبكي في جمع الجوامع - على عدّه في الضروري هو ما رأوه من ورود حد القذف في الشريعة (٢) . ونحن لا نلتزم الملازمة بين
vol. 3, p. 241الضروري وبين ما في تفويته حد. ولذلك لم يَعدَّه الغزالي وابن الحاجب ضرورياً.
-
وهذا الصنف الضروري قليل التعرض إليه في الشريعة، لأن البشر قد أخذوا حيطتهم لأنفسهم منذ القدم فأصبح مركوزاً في الطبائع. ولم تخل جماعة من البشر ذات تمدن من أخذ الحيطة له. وإنما تتفاضل الشرائع بكيفية وسائله.
-
ولننتقلْ إلى صنف الحاجي، وهو ما تحتاج الأمة إليه لاقتناء مصالحها وانتظام أمورها على وجه حسن، بحيث لولا مراعاتُه لَمَا فسد النظام، ولكنه كان على حالة غير منتظمة فلذلك كان لا يبلغ مبلغ الضروري.
قال الشاطبي: "هو ما يفتقر إليه من حيث التوسعة ورفع الحرج. فلو لم يراعَ دخَل على المكلَّفين الحرجُ والمشقةُ [على الجملة] ، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد [العادي] المتوقع في المصالح العامة" (١) اهـ.
-
ومثّله الأصوليون بالبيوع والإجارات والقراض والمساقاة. ويظهر أن معظم قسم المباح في المعاملات راجع إلى الحاجي. والنكاح الشرعي من قبيل الحاجي. وحفظ الأنساب، بمعنى إلحاق الأولاد بآبائهم من الحاجي للأولاد وللآباء. فللأولاد للقيام عليهم فيما يحتاجون ولتربيتهم النافعة لهم، وللآباء لاعتزاز العشيرة وحفظ العائلة.
- vol. 3, p. 242
وحفظ الأعراض - أي حفظ أعراض الناس من الاعتداء عليها - هو من الحاجي، لينكف الناس عن الأذى بأسهل وسائله وهو الكلام.
-
ومن الحاجي ما هو تكملة للضروري، كسد بعض ذرائع الفساد، وكإقامة القضاة والوزعة والشرطة لتنفيذ الشريعة.
-
ومن الحاجي ما يدخل في الكليات الخمسة المتقدمة في الضروري إلّا أنه ليس بالغاً حد الضرورة. كما أشرنا إليه فيما مضى من الأمثلة. فبعض أحكام النكاح ليست من الضروري ولكنها من الحاجي مثل اشتراط الولي والشهرة. وبعض أحكام البيوع ليست من الضروري، مثل بيوع الآجال المحظورة لأجل سد الذريعة، ومثل تحريم الربا، وأخذ الأجر على الضمان، وعلى بذل الشفاعة. فإن كثيراً من تلك الأحكام تكميلية لحفظ المال، وليست داخلة في أصل حفظ المال.
-
وعناية الشريعة بالحاجي تقرب من عنايتها بالضروري. ولذلك رتّبت الحد على تفويت بعض أنواعه، كحد القذف (١) . وفيما دونه مجال للمجتهدين. فلذلك نراهم مختلفين في حد الشرب لقليل من المسكر (٢) ،
vol. 3, p. 243وفي تحريم نكاح المتعة (١) .
-
والمصالح التحسينية هي عندي ما كان بها كمال حال الأمة في نظامها حتى تعيش آمنة مطمئنة، ولها بهجة منظر المجتمع في مرأى بقية الأمم، حتى تكون الأمة الإسلامية مرغوباً في الاندماج فيها أو في التقرب منها. فإن لمحاسن العادات مدخلًا في ذلك سواء كانت عادات عامة كستر العورة، أم خاصة ببعض الأمم كخصال الفطرة وإعفاء اللحية. والحاصل أنها مما تراعى فيها المدارك الراقية البشرية.
قال الغزالي: "هي التي تقع موقع التحسين والتيسير للمزايا ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات، مثاله: سلب العبد أهلية الشهادة مع قبول فتواه وروايته، لأن العبد ضعيف المنزلة باستسخار المالك إياه، فلا يليق بمنصبه التصدي للشهادة" (٢) اهـ.
- vol. 3, p. 244
ومن التحسيني سد ذرائع الفساد (١) . فهو أحسن من انتظار التورّط فيه.
-
فهذه أنواع المصالح باعتبار آثارها في قوام أمر الأمة. ولقد تتبع العلماء تصاريف الشريعة في أحكامها فوجدوها دائرة حول هذه الأنواع الثلاثة. ووجدوها لا تكاد تفيت شيئاً منها ما وجدت السبيل إلى تحصيله حيث لا يعارضه معارض من جلب مصلحة أعظم أو درء مفسدة كبرى.
-
وليس غرضنا من بيان هذه الأنواع مجردَ معرفة مراعاة الشريعة إياها في أحكامها المتلقاة عنها، لأن ذلك مجرد تفقه في الأحكام. وهو دون غرضنا من علم مقاصد الشرعية، ولا أن نقيس النظائر على جزئيات تلك المصالح، لأن ذلك ملحق بالقياس وهو من غرض الفقهاء. وإنما غرضنا من ذلك أن نعرف كثيراً من صور المصالح المختلفة الأنواع المعروف قصدُ الشريعة إياها، حتى يحصل لنا من تلك المعرفة يقين بصور كلية من أنواع هاته المصالح. فمتى حلت الحوادث التي لم يسبق حلولها في زمن الشارع، ولا لها نظائر ذات أحكام متلقاة منه، عرفنا كيف ندخلها تحت تلك الصور الكلية، فنثبت لها من الأحكام أمثال ما ثبت لكلياتها، ونطمئن بأننا في ذلك مثبتون أحكاماً شرعية إسلامية.
- vol. 3, p. 245
وهذا ما يسمى بالمصالح المرسلة (١) .
-
ومعنى كونها مرسلة أن الشريعة أرسلتها فلم تُنِط بها حكماً معيناً، ولا يُلفى في الشريعة لها نظير معين له حكم شرعي فتقاس هي عليه. فهي إذن كالفرس المرسل غير المقيَّد.
-
ولا ينبغي التردد في صحة الاستناد إليها، لأننا إذا كنا نقول بحجية القياس الذي هو إلحاق جزئي حادث لا يُعرف له حكمٌ في الشرع بجزئي ثابت حكمُه في الشريعة للمماثلة بينهما في العلة المستنبطة، وهي مصلحة جزئية ظنّية غالباً لقلة صور العلة المنصوصة، فَلَأَنْ نقول بحجية قياس مصلحة كلية حادثة في الأمة لا يُعرف لها حكم على كلية ثابت اعتبارُها في الشريعة باستقراء أدلة الشريعة الذي هو قطعي أو ظني قريب من القطعي أولى بنا وأجدرُ بالقياس وأدخلُ في الاحتجاج الشرعي.
-
وإني لأعجب فَرط العجب من إمام الحرمين - على جلالة علمه ونفاذ فهمه - كيف تردّد في هذا المقام (٢) . وأما الغزالي، فأقبل
vol. 3, p. 246وأدبر، فلحق مرّة بطرف الوفاق لاعتبار المصالح المرسلة، ومرّة بطرف رأي إمام الحرمين إذ تردد في مقدار المصلحة (١) .
- vol. 3, p. 247
وجلبُ كلام إمام الحرمين في كتاب البرهان وكلام الغزالي في المستصفى يطول.
-
ثم إني أقفي على أثرهما فأقول: لا ينبغي الاختلاف بين العلماء بتصاريف الشريعة المحيطين بأدلتها في وجوب اعتبار مصالح هذه الأمة ومفاسد أحوالها عندما تنزل بها النوازل وتحدث لها النوائب. وإنه لا يترقب حتى يجد المصالح المثبتة أحكامها بالتعيين، أو الملحقة بأحكام نظائرها بالقياس. بل يجب عليه تحصيل المصالح غير المثبتة أحكامها بالتعيين، ولا الملحقة بأحكام نظائرها بالقياس. وكيف يخالف عالم في وجوب اعتبار جنسها على الجملة، وبدون دخول في التفاصيل ابتداء، ثقةً بأن الشارع قد اعتبر أجناسَ نظائرها التي ربما كان صلاحُ بعضها أضعفَ من صلاح بعض هذه الحوادث.
-
ثم لا أحسب أن عالماً يتردّد - بعد التأمل - في أن قياس هذه الأجناس، - المحدثة على أجناس نظائرها الثابتة في زمن الشارع أو
vol. 3, p. 248زمان المُعتَبَرين من قدوة الأمة المجمعين على نظائرها - أولى وأجدر بالاعتبار من قياس جزئيات المصالح عامها وخاصها بعضها على بعض، لأن جزئيات المصالح قد يطرق الاحتمال:
١ - إلى أدلة أصول أقيستها.
-
٢ - وإلى تعيين الأوصاف التي جُعلت مشابهاتها فيها بسبب الإلحاق والقياس، وهي الأوصاف المسماة بالعلل.
-
٣ - وإلى صحة المشابهة فيها.