ط - عموم شريعة الإسلام
40 paragraphs · vol. 3, p. 259
- vol. 3, p. 259
معلومٌ بالضرورة من الدين أن شريعة الإسلام جاءت شريعة عامةً داعيةً جميع البشر إلى اتباعها، لأنها لما كانت خاتمة الشرائع استلزم ذلك عمومها - لا محالة - سائرَ أقطار المعمورة، وفي سائر أزمنة هذا العالم.
-
والأدلة على ذلك كثيرة من نصوص القرآن والسنة الصحيحة، بحيث بلغت مبلغ التواتر المعنوي. قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} (١) . وقال: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} (٢) . وفي الحديث الصحيح: "أُعطيت خمساً لم يُعطَهن أحدٌ قبلي" فعدّ منها: "وكان الرسول يُبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" (٣) .
- vol. 3, p. 260
فعمومُ الشريعة معلومٌ للمسلمين بالضرورة، فلا حاجة بنا إلى الإطالة به، إذ لسنا الآن في مقام إثباته على منكريه، وإنما غرضنا الإفضاء إلى ما يترتّب عليه.
-
وإذ قد أراد الله بحكمته أن يكون الإسلام آخر الأديان التي خاطب الله بها عباده تعَيَّن أن يكون أصلُه الذي ينبني عليه وصفاً مشتركاً بين سائر البشر، ومستقراً في نفوسهم، ومرتاضةً عليه العقولُ السليمة منهم، ألا وهو وصف الفطرة، حتى تكون أحكام الشريعة مقبولة عند أهل الآراء الراجحة من الناس، الذين يستطيعون فهم مغزاها، فيتقبّلوا ما يأتيهم منها بنفوس مطمئنة، وصدور مثلجة، فيتبعوها دون تردد ولا انقطاع، وحتى يتسنّى لأرفعهم قدراً في الفهم محاذاةُ نظائرها وتفريعاتُ فروعها، وحتى يكون تلقّي بقيَّة طبقات الأمة الذين لم يبلغوا مستوى أهل الآراء الراجحة إياها تلقياً عن طيب نفس، ويسهل امتثالُهم لما يؤمرون به منها.
-
وإذ قد تعذّر أن يكون الجائي بالشريعة جماعة من الرسل من جميع أجناس البشر أو قبائلهم، إذ لا يستقيم الأمر في ذلك التعدد، اختار الله تعالى للإرسال بهذه الشريعة رسولاً من الأمة العربية، إذ هو واحد من البشر كما قال تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا} (١) .
-
ولله تعالى حِكَمٌ جَمَّة في أن اختار لهذه الرسالة رجلاً
vol. 3, p. 261عربياً - ليس هذا موضع بيان ما بلغ إليه العلم من تلك الحِكَم - وقد قال الله تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} (١) .
-
بَيْدَ أنا نقول: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما كان عربياً كان بحكم الضرورة يتكلّم بلسان العرب. فلزم أن يكون المتَلَقُّون منه الشريعة بادئ ذي بدء عرباً. فالعرب هم حملة شريعة الإسلام إلى سائر المخاطبين بها، وهم من جملتهم. واختارهم الله لهذه الأمانة لأنهم يومئذ امتازوا من بين سائر الأمم باجتماع صفات أربع لم تجتمع في التاريخ لأمة من الأمم. وتلك هي جودة الأذهان، وقوة الحوافظ، وبساطة الحضارة والتشريع، والبعد عن الاختلاط ببقية أمم العالم.
-
فهم بالوصف الأول أهلٌ لفهم الدين وتلقينه.
-
وبالوصف الثاني أهل لحفظه وعدم الاضطراب في تلقّيه.
-
وبالوصف الثالث أهل لسرعة التخلّق به، إذ هم أقرب إلى الفطرة السليمة ولم يكونوا على شريعة معتد بها متماثلة حتى يصمِّموا على نصرها (٢) *.
-
وبالوصف الرابع أهلٌ لمعاشرة بقية الأمم، إذ لا حزازات بينهم وبين الأمم الأخرى. فإن حزازات العرب ما كانت إلّا بين قبائلهم، بخلاف حال الفرس مع الروم، وحال القبط مع الإسرائيليين. ولا عبرة بما جرى بين بعض قبائل العرب وبين الفرس والروم في نحو
vol. 3, p. 262يوم ذي قار (١) ويوم حليمة (٢) ، لأنها حوادث نادرة. على أن العرب كانوا فيها يقاتلون انتصاراً لغيرهم من الفرس أو الروم فإحنهم معهم محجوبة بإحن من قاتلوا هم وراءهم.
-
ومن أعظم ما يقتضيه عموم الشريعة أن تكون أحكامها سواءً لسائر الأمم المتبعين لها بقدر الاستطاعة، لأن التماثل في إجراء الأحكام والقوانين عون على حصول الوحدة الاجتماعية في الأمة.
-
ولهذه الحِكمة والخصوصية جعل الله هذه الشريعة مبنيةً على اعتبار الحِكم والعلل التي هي من مُدركات العقول لا تختلف باختلاف الأمم والعوائد. وقد أجمع علماء الإسلام في سائر العصور، إلّا الذين لا يُعتدُّ بمخالفتهم، على أن علماء الأمة مأمورون بالاعتبار في أحكام الشريعة، والاستنباط منها. وجعلوا من أدلة ذلك قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (٣) ، وقوله: {فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي
vol. 3, p. 263الْأَبْصَارِ} (١) . وهما دليلان خطابيان، ولكننا نتمسك في هذا بالإجماع وعمل الصحابة وعلماء الأمة في سائر العصور.
-
ومن آثار ذلك ورود الكليات الكثيرة في آي القرآن نحو قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (٢) ، وقوله: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} (٣) ، وقوله: {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (٤) ، وقوله: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} (٥) .
-
وفي الأحاديث نجد القواعد العامة، مثل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن دماءكم وأموالكم وأبشاركم عليكم حرام" (٦) ، وقوله: "ما أسكر كثيره
vol. 3, p. 264فقليله حرام " (١) ، وقوله: " لا ضرر ولا ضرار" (٢) .
-
وكذلك المُجملات والمُطلقات التي في القرآن معظمُها مُرادٌ إطلاقُه وإجمالُه. وللفقهاء في تَطَلُّب بيان المجمل وتقييد المطلق بحمل اللفظ المطلق في موضع على مقيد في موضع آخر - وإن لم يكونا من نوع واحد - طرائق.
-
وقد وقع ذلك في عصر الصحابة في فهم عبد الله بن مسعود وهو بالكوفة قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} (٣) أن العقد على الأم لا يحرم البنت حتى يدخل بالأم حملاً على قوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} (٤) حتى رجع ابن مسعود إلى المدينة فأخبر أن السنة مضت على اعتبار الإطلاق
vol. 3, p. 265في أمهات نسائكم. ومن العجيب أن أهل الأصول توسّعوا في حمل المطلق على المقيد ولو كان الإطلاق في حكم والتقييد في جنسه.
-
وما كان من التشريعات جزئياً، وهي قضايا الأعيان، تحتمل أن يراد تعميمها، وتحتمل أن يراد تخصيصها. ولعل هذا النوع هو الذي نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كتابته فقال: "لا تكتبوا عني غير القرآن" (١) خشية أن تتخذ الجزئياتُ الخاصة كلياتٍ عامة. ولذلك احتاج المسلمون إلى صدور إذن من الرسول عليه الصلاة والسلام حين أراد أبو شاة أن يكتبوا له قول رسول الله عليه الصلاة والسلام في تحديد الحرم، فقال لهم: "اكتبوا لأبي شاة" (٢) . ولذلك نجد بين العلماء
vol. 3, p. 266اختلافاً كثيراً في الاحتجاج بقضايا الأعيان، وبأخبار الآحاد إذا خالفت القواعد أي الكليات اللفظية أو المعنوية، أو خالفت القياس، أو خالفت عمل أهل المدينة على مذاهب معروفة في أصول الفقه (١) .
- vol. 3, p. 267
إذن فمراعاةُ عوائد الأمم المختلفة هو خلاف الأصل في التشريع الإلزامي. وإنما يسعه تشريع الإباحة حتى يتمتع كل فريق من الناس ببقاء عوائدهم. لكن الإباحة لما كان أصلها الدلالة على أن المباح ليس فيه مصلحة لازمة ولا مفسدة معتبرة لزم أن يراعى ذلك في العوائد. فمتى اشتملت على مصلحة ضرورية أو حاجية للأمة كلها، أو ظهرت فيها مفسدة معتبرة لأهلها لزم أن يصار بتلك العوائد إلى الانزواء تحت القواعد التشريعية العامة من وجوب أو تحريم، ولهذا نرى التشريعَ لم يتعرّض لتعيين الأزياء والمساكن والمراكب،
vol. 3, p. 268فلم يندب الناس إلى ركوب الإبل في الأسفار. ولم يمنع أهل مصر والعراق من ركوب الحمير، ولا أهل الهند والترك من الحمل على البقر. ولذلك لم يحتج المسلمون إلى تطلب دليل على إباحة استعمال العجل والعربات والأرتال. وكذلك أصناف المطاعم التي لا تشتمل على شيء محرم الأكل بحيث لا يسأل عن ذلك إلّا من جاهل بالتركيب أو جاهل بكيفية التشريع.
-
فنحن نوقن أن عادات قوم ليست يحق لها - بما هي عادات - أن يُحمَل عليها قوم آخرون في التشريع، ولا أن يُحمل عليها أصحابُها كذلك. نعم يراعي التشريع حمل أصحابها عليها ما داموا لم يغيّروها، لأن التزامهم إياها واطرادها فيهم يجعلها مُنَزَّلة مَنْزِلَة الشروط بينهم يُحملون عليها في معاملتهم إذا سكتوا عما يضادُّها. ومثاله قول مالك رحمه الله: بأن المرأة ذات القدر لا تجبر على إرضاع ولدها في العصمة، لأن ذلك عرف تعارفه الناس، فهو كالشرط (١) ، وجعل قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} (٢)
- vol. 3, p. 269
مخصوصاً بغير ذات القدر، أو جعله مسوقاً لغرض التحديد بالمدة، وليس مسوقاً لأصل إيجاب الإرضاع.
-
ومن معنى حمل القبيلة على عوائدها في التشريع - إذا روعي في تلك العوائد شيء يقتضي الإيجاب أو التحريم - يتضح لنا دفع حيرة وإشكال عظيم يعرض للعلماء في فهم كثير من نهي الشريعة عن أشياء لا تجد فيها وجه مفسدة بحال، مثل تحريم وصل الشعر للمرأة، وتفليج الأسنان، والوشم، في حديث ابن مسعود: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعن الواصلات والمستوصلات، والواشمات والمستوشمات، والمتنمّصات والمتفلّجات للحسن، المغيّرات خلق الله" (١) . فإن الفهم يكاد يضل في هذا إذ يرى ذلك صنفاً من أصناف التزين المأذون في جنسه للمرأة كالتحمير والخلوق والسواك فيتعجب من النهي الغليظ عنه.
-
ووجهه عنديَ الذي لم أر من أفصح عنه، أن تلك الأحوال كانت في العرب أماراتٍ على ضعف حصانة المرأة. فالنهي عنها نهي عن الباعث عليها أو عن التعرض لهتك العرض بسببها.
-
وفي القرآن: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ
vol. 3, p. 270يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} (١) . فهذا شرع روعيت فيه عادة العرب. فالأقوام الذين لا يتخذون الجلابيب لا ينالهم من هذا التشريع نصيب.
-
والتفقه في هذا والتهمّمُ بإدراك علل التشريع في مثله يلوح لنا منه بارقُ فرق بين ما يصلح من جزئيات الشريعة لأن يكون أصلاً يقاس عليه نظيره، وبين ما لا يصلح لذلك. فليس الأمر في التشريع على سواء.
-
ولقد يُعدّ مما يناسب عموم الشريعة أنها أوكلت أموراً كثيرة لاجتهاد علمائها مما لم يقم دليل على تعيين حكمه وإرادة راويه. وفي الحديث: "إن الله حدَّد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها" (٢) . وإلى هذا يرجع ما قدمنا عن نهي الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يكتبوا عنه غير القرآن خشية التباس التشريع العام بالتشريع الخاص، وقد كان الصحابة يتأسون ما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو قضى به، ولم يرد فيه نص لفظي يقتضي الدوام لأنه ينير لهم وجوه الحق، ولأن أحوالهم كانت قريبة من الحال التي
vol. 3, p. 271كانت في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام. ولذلك أمر عمر بن عبد العزيز في خلافته أو إمارته أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (١) بكتابة ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الآثار، أَحْسَب أنه أراد أن تكون نبراساً يستضيء به علماء الأمة في تفهّم مقاصد الشريعة ومنازعها، إذ قد يضيق الوقت ويقصر النظر عن الاستنباط من أصول أدلة الشريعة مع أنهم ربما جدّدوا أحكاماً لتلك الجزئيات إذا تجدّدت الأحوال. وقد قال عمر بن عبد العزيز: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور" (٢) .
-
ومثال هذا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضرب في شرب الخمر ضرباً غير محصور العدد ولا الآلة. وضرب أبو بكر وعمر أربعين سَوطاً، ثم ضرب عمر ثمانين برأي من علي إذ قال له: "إن السكران إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى. فأرى أن عليه حد الفرية" (٣) . فيه إقامة الحد مع الشك في حصول مسببه اعتباراً بالظِنَّة، وهو منزع غريب.
-
ومن الأمثلة في التحديد عكوف الفقهاء على ما صدر في عصر الخلفاء من تحديد مقادير الجزية والخراج والديات وأروش الجنايات، مع أن بعض تلك المقادير قد يطرأ عليه نقص القيمة أو الرواج، فلا يصلح لأن يبقى عوضاً لما عُوض به فيما مضى.
-
ومن أمثلة ذلك ما حدّد به فقهاء المالكية مقادير الآجال
vol. 3, p. 272للحجج ونحوها (١) .
- vol. 3, p. 273
وما ذهب إليه فقهاء المذاهب من ألفاظ الطلاق والأيمان. فتسمع ألفاظاً لم يبقَ للناس عهد بها مثل اللازمة والحرام (١) ونحو
vol. 3, p. 274ذلك من كلمات تجري على الألسن، ولم يبق للناس علم بمدلولها. فهذه أمثلة نتأمل فيها ونحتذيها.
-
فعموم الشريعة ساير البشر في سائر العصور مما أجمع عليه المسلمون. وقد أجمعوا على أنها مع عمومها صالحة للناس في كل زمان ومكان. ولم يبيّنوا كيفية هذه الصلوحية. وهي عندي تحتمل أن تتصور بكيفيتين:
الكيفية الأولى أن هذه الشريعة قابلةٌ بأصولها وكليّاتها للانطباق على مختلف الأحوال بحيث تساير أحكامُها مختلفَ الأحوال دون حرج ولا مشقة ولا عسر. وشواهد هذه الكيفية ما نجده من محامل علماء الأمة أدلةً كثيرة من أدلة الأحكام على مختلف الأحوال. ولكل من أئمة الشريعة نصيب من هذه المحامل. فإذا جُمعت أنصباؤهم تَجَمَّعَ منها شيء وفير من تأويل ظواهر الأحكام على محامل صالحة لمختلف أحوال الناس. مثاله النهيُ عن كراء الأرض. قال مالك والجمهور: محملُ النهي على التورّع وقصدِ مواساة بعض المسلمين بعضاً دون جزم بنقض عقدة كراء الأرض (١) ، وكالنهي عن جر السلف منفعة (٢) . وقد حمله جماعة من فقهاء الحنفية على ما ليس فيه
vol. 3, p. 275ضرورة. ولذا رخّصوا في بيع الوفاء في كروم بخارى (١) .
-
الكيفية الثانية أن يكون مختلف أحوال العصور والأمم قابلاً للتشكيل على نحو أحكام الإسلام دون حرج ولا مشقة ولا عسر، كما أمكن تغيير الإسلام لبعض أحوال العرب والفرس والقبط والبربر والروم والتتار والهنود والصين والترك من غير أن يجدوا حرجاً ولا عسراً في الإقلاع عما نزعوه من قديم أحوالهم الباطلة. ومن دون أن يلجؤوا إلى الانسلاخ عما اعتادوه وتعارفوه من العوائد المقبولة. [وهاتان الكيفيتان متآيلتان وقد جمعهما معاً مغزى قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ] (٢) .
- vol. 3, p. 276
فلا يجدر بحال أن يكون معنى صلوحية التشريع للبشر أن الناس يُحملون على اتّباع أحوال أمة خاصة مثل أحوال العرب في زمان التشريع، ولا على اتباع تفريعات الأحكام وجزئيات الأقضية المراعى فيها صلاح خاص لمن كان التشريعُ بين ظهرانيهم، سواءً لاءم ذلك أحوالَ بقية الأمم والعصور أم لم يلائم، فتكون صلوحيتهُم مشوبةً بحرج ومخالفةً ما لا يستطيع الناس الانقطاعَ عنه. وَيُعلَّل معنى الصلوحية بأن يعمل الناسُ بها في كل عصر فلا يهلكوا ولا يُعنَتوا، إذ لو كان هذا هو معنى صلوحية الشريعة لكل زمان ومكان لما كان هذا من مزايا شريعة الإسلام وخصائصها، إذ لا نجد في شريعة من الشرائع المتّبعة أحكاماً، لو حُمِل الناس عليها لهلكوا أو صاروا فوضى. إذن يكون في مستطاع أهل كل شريعة أن ينحلوا شريعتهم وصف الدوام.
-
فتعين أن يكون معنى صلوحية شريعة الإسلام لكل زمان أن تكون أحكامها كليات ومعاني مشتملةً على حِكَم ومصالح، صالحةً لأن تتفرع منها أحكام مختلفةُ الصور متحدةُ المقاصد. ولذلك كانت أصول التشريع الإسلامي تتجنب التفريع والتحديد كما قال الله تعالى: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا} (١) ولم يذكر ضرباً ولا رجماً.
-
وورد في القرآن والسنة النهي عن كثرة السؤال عن الأحكام. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا
vol. 3, p. 277بِهَا كَافِرِينَ} (١) . وفي الحديث: "وسكتَ (أي الله) عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها" (٢) ، وفي الحديث: "إن شر الناس من سأل عن شيء فحُرِّم من أجل مسألته" (٣) .
-
[وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يكتبوا عنه غير القرآن، لأنه كان يقول أقوالاً، ويعامل الناس معاملة هي أثر أحوال خاصة قد يظن الناقلون أنها صالحة للاطراد مثل حديث: "قضى بالشفعة للجار" . قال علماؤنا لا حجة فيه لاحتمال خصوصية لذلك الجار. أي بأن صادف كونه شريكاً وجاراً فظن الراوي أن القضاء له لأجل الجوار] (٤) .
-
وكان مالك يكره افتراض النوازل للتفقّه، ويقول لمن يسأله عن حادثة مفروضة الوقوع: دعها حتى تقع (٥) .
-
غير أن القرآن لما أنزل في أحوال مختلفة الصور، وكان المقصد منه إرشاد الأمة إلى طرق من الإرشاد كثيرة، وكان المقصد من لفظه الإعجاز، نجده قد اشتمل على أنواع من أساليب التشريع. ففيه التشريع العام الكلِّي، وفيه التشريعات الجزئية النازلة في صورة أحكامٍ
vol. 3, p. 278لنوازلَ حلَّت، وهي أيضاً بمنزلة الأمثلة والنظائر لفهم الكليات.
-
ففي القرآن جزئيات تساوي الجزئيات التي وردت في السنة مثل قوله تعالى: {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} (١) ، وقوله: {فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} (٢) ، وفيه التشريعات المنسوخة تماماً (٣) لكن الغالب على أنواع التشريع منه هو النوع الكلّي.
-
وأما السنة فقد أحصاها العلماءُ من الصحابة، ومن تلقّى منهم. واختلفت الدواعي للإحصاء، كما اختلفت الشروط في القبول. فكان في معظمها تشريعاتٌ جزئية لأنّها في قضايا عينية، وكان فيها تشريعات كلية واضحة صالحة لأن تكون أساسَ التشريع. فمن أجل ذلك لم يكن للمجتهدين غُنية عن تقسيم التشريع إلى قسميه، وعن صرف جميع الوُسع من النظر العقلي في تمييز ما اشتمل عليه الكتاب والسنة من موارد التشريع، وإلحاق كلّ نصّ بنوعه. وهذا عمل عظيم ليس بالهيّن. وقد بذل فيه سلف علمائنا غاية المقدور، وحصلوا من البصيرة فيه على شيء غير منزور.