يد - مقاصد أحكام القضاء والشهادة

64 paragraphs · vol. 3, p. 518

Page 2 of 2

  1. وإذا عمت البلوى بسوء تصرُّف المؤتمنين فيما ائتمنوا عليه من الحقوق جاز للقضاء منعُهم من الاستبداد بالتصرّف فيها. وقد قال الشيخ ابن عطية في تفسير قوله تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} (٢) المقتضي تفويضَ ترشيد اليتيم إلى وصيه ما نصه: "قالت فرقة من أصحابنا: دفعُ الوصي المال إلى المحجور يفتقر إلى أن يرفعه إلى السلطان ويثبت عنده رشده، أو يكون ممّن يأمنهُ الحاكم في مثل ذلك. وقالت فرقة: ذلك موكول إلى اجتهاد الوصي دون أن يحتاج إلى رفعه إلى السلطان. والصواب في أوصياء زمننا أن لا يُستغنى عن رفعه إلى السلطان. وثبوت الرشد عنده، لما حُفظ من تواطؤ الأوصياء على أن يرشّد الوصي ويبرأ المحجور لسفهه وقلة تحصيله في ذلك الوقت" (٣) . اهـ. ومضى العمل أخيراً في تونس بما قاله ابن عطية.

    vol. 3, p. 535
  2. والنظر في تطبيق هذه الأنظار إلى غالب الأحوال العارضة للناس لا إلى النوادر والقضايا الفذة.

    vol. 3, p. 536
  3. بقي علينا إكمالُ القول في مقصد التعجيل بإيصال الحقوق إلى أصحابها، وهو مقصد من السمو بمكانة، فإن الإبطاء بإيصال الحق إلى صاحبه عند تعيّنه بأكثر مما يستدعيه تتبُّع طريق ظهوره، يثيرُ مفاسد كثيرة:

    منها حرمان صاحب الحق من الانتفاع بحقّه، وذلك إضرار به.

  4. ومنها إقرار غير المستحق على الانتفاع بشيء ليس له، وهو ظلم للمُحِق.

  5. وقد أشار إلى هذين قوله تعالى: {لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (١) .

  6. ومنها استمرار المنازعة بين المحقّ والمحقوق، وفي ذلك فسادُ حصول الاضطراب في الأمّة. فإن كان في الحق شبهةٌ للخصمين ولم يتّضِح المُحق من المحقوق، ففي الإبطاء مفسدةُ بقاءِ التردّد في تعيين

    vol. 3, p. 537صاحب الحق. وقد يمتد التنازع بينهما في ترويج كلٍّ شبهتَه، وفي كلا الحالين تحصل مفسدةُ تعريض الأخوة الإِسلامية للوهن والانخرام.

  7. ومنها تطرق التهمة إلى الحاكم في تريّثه بأنه يريد إملال المحق حتى يسأمَ متابعةَ حقِّه فيتركه فينتفع المحقوق ببقائه على ظلمه، فتزول حرمة القضاء من نفوس الناس. وزوالُ حرمته من النفوس مفسدة عظيمة.

  8. فهذا تعليله من جهة المعنى والنظر. ووراء هذا أدلة من تصرفات الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. ففي الآثار الصحيحة الكثيرة: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يقضي بين الخصوم في مجلس المخاصمة الواحد ولم يكن يُرجئُهم إلى وقت آخر، كما قضى بين الزبير والأنصاري في ماء شراج الحرة (١) *، وكما قضى بين كعب بن مالك وعبد الله بن أبي حدرد بالصلح بينهما بالنصف في دين لكعب على ابن أبي حدرد (٢) *. وكما قضى بين رجل ووالد عسيفه أي أجيره (٣) *

    vol. 3, p. 538بإبطال الصلح الواقع بينهما. وكما جاء في ذلك الحديث أن رسول الله قال لأنيس الأسلمي: "واغدُ يا أنيس على زوجة هذا فإن اعترفت فارجمها" (١) فاعترفت فرجمها, ولم يأمره أن يأتي بها إليه.

  9. وفي صحيح البخاري: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا موسى الأشعري إلى اليمن قاضياً وأميراً، ثم أتبعه معاذ بن جبل. فلما بلغ معاذ وجد رجلاً مُوثَقاً عند أبي موسى فألقى أبو موسى لمعاذ وسادة وقال له: أنزل. قال معاذ: ما هذا؟ قال: كان يهودياً فأسلم ثم تهوّد. قال معاذ: لا أجلس حتى يقتل قضاءً لله تعالى (ثلاث مرات) . فأمر به أبو موسى فقتل (٢) .

  10. وفي كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري وهو قاضٍ بالبصرة، "فاقض إذا فهمت وأنفذ إذا قضيت" (٣) . فجعل القضاء

    vol. 3, p. 539بعد حصول الفهم وبدون تأخير, لأن شأن جواب الشرط أنه حاصل عند حصول الشرط، وأمره أيضاً بالتنفيذ عند حصول القضاء. وكل ذلك للتعجيل بإيصال الحق إلى صاحبه.

  11. وإنما قلت فيما تقدم: "بأكثر مما يستدعيه تتبع طريق ظهور الحق" لزيادة تقرير معنى قولي: "إيصال الحق إلى صاحبه" للاحتراز عما يتوهمه كثيرٌ من الضعفاء في العلم أو المرائين من ضعفاء القضاة من الاهتمام بالإكثار من إصدار الأقضية تفاخراً بكثرتها، في حين أنها لم يُستوف ما يجب استيفاؤه من طرق بيان الحق حتى يجدها متعقِبُها مختلةَ المبنى معرَّضةً للنقض. فليس الإسراع بالفصل بين الخصمين وحده محموداً إذا لم يكن الفصل قاطعاً لعود المنازعة، ومقنعاً في ظهور كونه صواباً وعدلاً. ولذلك قال عمر: "فاقض إذا فهمت" .

  12. ولقد كانت طرق المرافعات في عهد النبوءة وما يليه بسيطة

    vol. 3, p. 540جداً. فقد كان الناس يومئذ متخلقين بالتقوى والصدق والطاعة لولاة أمورهم. فكان الذي يتعدّى حدودَ الشريعة يأتي ممكَّناً من نفسه، كما في قضية ماعز الأسلمي إذ اعترف على نفسه بالزنا (١) *، وقضية الغامدية (٢) *. وكان الذي يدعى إلى الانتصاف لدى الرسول - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء من بعده لا يتردّد في الاعتراف والصدق فيما يسأل عنه غالباً، وإذا أنكر فإنما ينكر عن شبهة لعدم تحقّقه أن طالبه محق.

  13. وفي صحيح مسلم (١) * وأبي داود (٢) * والترمذي (٣) * أن رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أحدهما كندي والآخر حضرمي. فادعى الحضرمي أن أبا الكندي غصب منه أرضاً، وقال الكندي: أرضي ورثتها من أبي. فسأل رسول الله الحضرمي: أله بيّنة، فقال: لا، ولكن يحلف لي أنه لا يعلم أن أباه غصبها مني، فترك الكندي اليمين (٤) . ولم يذكر مسلم ولا أبو داود ماذا قضى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما. وظاهره أنه قضى بتسليم الأرض للحضرمي، وأنه بمجرد نكول الكندي، ويحتمل أنه بيمينه.

    vol. 3, p. 541
  14. ثم إن الناس اجترؤوا على الحقوق تدريجاً، وابتكروا تحيّلات، وظهرت شهادة الزور في الإِسلام في آخر خلافة عمر، واستباحوا النكاية بخصومهم وإثارة الشغب، وكتموا أشياء في النوازل ليتوسلوا إلى تعطيل تنفيذ الأحكام عند صدورها، وتحيّلوا على القضاة إذا وجدوهم بحدثان الولاية فأعادوا لديهم خصومات اتصل بها قضاء من كان قبلهم من القضاة، فأخذ القضاة والعلماء يجعلون أساليب في إجراء الخصومات لقطع الشغب وتحقيق الحقّ. وأول ذلك البحثُ

    vol. 3, p. 542عن أحوال الشهود. وقد قال علماء المدينة: إن اليمين لا تتوجه على المدعى عليه حتى تثبت الخلطة أو يكون المدعى عليه ظنيناً، أي متهماً (١) . وقد قال عمر بن عبد العزيز: "تحدث للناس أقضية بقدر

    vol. 3, p. 543ما أحدثوا من الفجور" (١) . ثم أضيفت إلى ذلك ضوابط كثيرة مفصلة في كتب النوازل. وقد اختص علماء المالكية بأفانين كثيرة في ذلك (٢) .

  15. وقديماً اتخذ قضاة الإِسلام دواوين لكتب ما يصدر عنهم من آجال، وقبول بيّنات ونحو ذلك، لتكون مذكرة للقاضي ولمن يجيء بعده، فيبني على فعل سلفه لكيلا تعود الخصومات أُنفاً، وربَما كتبوا ذلك كله بشهادة عدلين.

    vol. 3, p. 544
  16. ومن أحسنه كتابة الأحكام بشهادة العدول. ولا شك أن في كثير مما أحدثه العلماء تطويلاً في سير النوازل. ولكن طوله أقصر من التطويل الذي يحصل من مراوغات الخصوم، وتحيّلاتهم على إبقاء المتنازع فيه بأيديهم.

  17. ومن أحسن الوسائل للتعجيل بالفصل بالحقّ وإظهاره، تعيينُ المذهب الذي يكون به الحكم، وتعيين القول من أقوال أهل العلم.

  18. ومن أحسن الوسائل أيضاً ما ثبت في المذهب المالكي من توقيف المدَّعى فيه إذا قامت البيّنة ولم يبق إلا إكمالها وهو المسمى بالعقلة (١) . وهي جارية على قول مالك في الموطأ ومضى به العمل

    vol. 3, p. 545بناء على أن الغلة لصاحب الشبهة إلى يوم الثبوت لا إلى يوم الحكم (١) ، فإن إيقاف المتنازع فيه يحصل به تعطيل مفسدة استمرار

    vol. 3, p. 546الظالم على ظلمه قبل تمكين المُحقِّ بِحقّه. ويحصل به الإسراعُ بإيصال الحق إلى مستحقه عند القضاء, لأن كثيراً من أهل الشغب يعمدون إلى تغييب المدَّعى فيه عند صدور الحكم بنزعه من أيديهم أو إقامة شخص آخر يزعم أنه صاحب اليد إعناتاً للمحكوم له بتعطيل التنفيذ.

  19. ومقصد الشريعة من الشهود: الإخبارُ عما يبيّن الحقوق وتوثيقها (١) *. فلذلك كان المقصد منهم أن يكونوا مظنة الصدق فيما يخبرون به بأن يكونوا متصفين بما يزَعهم عن الكذب. والوازع أمران: ديني وهو العدالة، وخلقي وهو المروءة.

    vol. 3, p. 547
  20. فالعدالة لا تختلف إلا باختلاف مذاهب أهل العلم في اعتبار بعض الأعمال دليلاً على ضعف الديانة إذا كان الاختلاف في ذلك بين العلماء وجيهاً، وبحسب ما غلب على الناس المشهود بينهم من تقلد بعض مذاهب أهل العلم.

  21. ويعرض في هذا أن يقوم أمام الوازع ما يوجبُ ضعفَه مثل شدّة المحبة وشدّة البغضاء فإنهما يضعفان الوازع الديني، ومنها القرابة. وبمقدار ضعف الوازع يتعين التحرّي في صفات الشهود.

  22. وأما الوازع الخلقي: فمنه، لا يختلف وهو ما كان منبئاً بالدلائل النفسانية. ومنه ما يختلف باختلاف العادات، ولا ينبغي الاعتناء به في علم المقاصد، كما قيل في المشي حافياً في قوم لا

    vol. 3, p. 548يفعلون ذلك، والأكل في الطريق بين قوم يستبشعون ذلك. والمجال في هذا فسيح.

  23. والمقصد لتوثيق الحقوق المشهود بها ضبطُها وأداؤها عند الاحتياج إليه. وذلك يقتضي كتابة ما يشهد به الشهود، إذا كان الحق من شأنه أن يدوم تداولُه مدةً يبيد في مثلها الشهود. فلذلك تعيّنت مشروعية كتابة التوثقات. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} (١) .

  24. فهذا أصل عظيم للتوثيق، ولذلك ابتدئ العملُ به من عهد النبوة. ففي جامع الترمذي وسنن ابن ماجه عن العداء بن خالد: أنه اشترى من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبداً أو أمة، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكتب له: "هذا ما اشترى العداء بن خالد من محمَّد رسول الله" (٢) ... إلخ. وقد تقدم في مقصد التصرفات المالية (٣) . واتصل عملُ المسلمين في الأقطار كلها بكتابة التوثقات في المعاملات كلها، مثل رسوم الأملاك والصدقات، وكذلك إثبات صحة رسوم التملك والتعاقد بمثل وضع الختم والخطاب عليها إعلاماً بصحتها.