الدروس الأساسية للتعليم بجامع الزيتونة، وبيان طريقة المؤلف في نقد العلوم المقررة
181 paragraphs · vol. 1, p. 245
Page 3 of 5
- vol. 1, p. 264
ثالثها: مذهب القائلين بالقَدَر والجبر. وقد انساق وراءهم جمهور المتصوّفة الذين زيّنوا للعامة مقالاتهم.
-
وتوسَّطت بين هذه الفرق فرقة رابعة كان منزعها تأييد مذهبها الشرعي بالفلسفة. وقامت مدرسة هؤلاء على الأشعرية والماتريدية فتعرضوا لسخط السلفيين الذين اعتبروهم من المرجئة، ولغضب المعتزلة الذين اتهموهم بالجبرية. ولإقبال أكثر هذه الفرق على الفلسفة وآلتها وهي المنطق، تعرّضوا لنقد كبار العلماء ممن ذموا الفلسفة منذ القديم لزلزلتها أصول الإيمان الفطري والأدلة الإقناعية، كما لقوا من خصوم آلة المنطق التي استخدمها الفلاسفة مَن أوسَعهم ذماً كالإمام الشافعي الذي يقول: "إذا سمعت أحداً يقول: هل الاسم عين المسمّى أو غيره؟ فاعلم أنه من أهل الكلام ولا دين له" (١) .
- vol. 1, p. 265
وممّا روي عنه في ذمّ علم الكلام قوله: "ولقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما توهّمته قط، ولأن يُبتلى المرء بجميع ما نهى الله عز وجل عنه، سوى الشرك بالله، خير من أن يبتليه الله عز وجل بالكلام" (١) . وقال الزعفراني: سمعت الشافعي يقول: "حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإبل منكَّسين، ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنّة وأخذ بالكلام" (٢) . ومما رووا عنه في ذم الجدل:
لم يبرح الناس حتى أحدثوا بِدَعاً ... في الدين بالرأي لم تُبعث بها الرسلُ
حتى استخفّ بدين الله أكثرهم ... وفي الذي حملوا من حقه شغل (٣)
-
إن هذه المعركة الكلامية تنطفىء معها أصول العقيدة السمحة، وتكاد تنمحي بسبب غلبة الجدل والمناقشات الفكرية التي سندها طُرقُ البحث والنظر الشائعة يومئذ. وفي هذا يكمن تدلّي علم الكلام واحتياج الأمر فيه إلى التنبيه على جملة أسباب يتأكد الانصراف عنها وتحاشيها لرجوع هذا العلم إلى حقيقته بين المسلمين، وقيامه بوظيفته لديهم. فمن ذلك الاختلاف في الاصطلاحات والصفات وتعددها، والغلو في التنزيه، والقول بما لا يعقل واعتقاده، والتنابز وإلزام لوازم المذهب، وإدخال أشياء في التوحيد ليست منه.
-
وقد قامت حركة محاولة الإصلاح أولاً على يدي أبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين عبد الملك الجويني حين فصلا الفلسفة عن الاعتقاد، ووجَّها هذا العلم بتوجيه العقيدة الإسلامية بما يوافق الحجج المنطقية، ثم بسلوك الإمام الغزالي في الصراط المستقيم
vol. 1, p. 266وابن السيد البطلوسي في كتاب الإنصاف منهجاً يقي الخلق من ضلالات الخلاف.
-
واقترح الغزالي أن تساق للعامة في العقيدة الأدلة الإقناعية، وللخاصة جملة من الأدلة بحسب السن والعلم لتفادي التقليد في الدليل والمدلول. وهو ما لا يمكن لصحة العقيدة.
-
وذهب أحد المتأخّرين عند تحديده - في بعض محاضراته - علمَ الكلام، إلى القول بأن من يعلم علم الكلام على طريقة تكفل له الانتفاع به في الوصول إلى اليقين والإيمان، يمتلىء قلبه خشية من الله. ويكون ذلك بإطلاق النظر في آيات الله في الآفاق حتى يَبلغ الغاية.
- vol. 1, p. 267
[ب - من علوم الوسائل]
-
بكثير من العمق ونفاذ البصر في فحص مواد هذه العلوم كان نقد الإمام لعلوم الوسائل التي أتقنها أجودَ إتقان. ووقف على أنواع التصانيف فيها، ومارسها ممارسة طويلة بسعة فهم وقوة حفظ وإبداع تأليف. وكان تعرّضه لجملة فنون اللغة العربية في مراحل قوتها وأطوار ضعفها. فأقبل على دراسة مادتها، وبيان أسباب تدنّيها وانحطاطها، معقّباً على ذلك ببيان طرق إصلاحها. وكذلك كان تدبّرهُ وبحثُه لفنونها الأدبية من شعر ونثر، ونظرُه في أساليب الكلام، عند العرب وأئمة فنّ القول، انطلاقاً من نقد علوم العربية نحوها وصرفها، وأسرار العربية بجملة وجوهها الفنية والبلاغية، مما كان مطروحاً على ساحة النظر والدرس بين الطلاب، كعلوم المعاني والبيان والبديع لتحصيل النطق العربي السليم، واكتساب الملكة الأدبية والفنية للإسهام في الإنتاج الفكري والأدبي، إسهاماً يربط حياة الفرد والجماعة بحياة اللغة العربية في هذا العصر.
-
ومن بديع صنع الإمام الأكبر تقديمُه نقد العلوم اللغوية والبلاغية بفذلكة فيها تعريف بحياة اللغة العربية، وما مرّت به من أطوار وما امتزج بها وبالعرب من أسباب كانت علَّة تَمايُزِ مراحلها، وموجبَ رجوعها القهقرى أمام الأمراض الاجتماعية التي انتابت اللغة من القرن الخامس، وأنواع الصراعات التي أساءت إليها مادة وجوهراً وقواعد وأسلوباً. فسمج اللسان واعتلّ، وذهب
vol. 1, p. 268من اللغة ما كانت تعرف به من فصاحة وإبداع وعمق وإمتاع.
-
[أسباب تدهور العلوم اللسانية]
-
من أشدّ الأسباب، تأثيراً على هذا اللسان وإضعافاً له وإعجاماً، وجود فئات ثلاث:
١ - كتّاب تلقوا اللسان العربي تلقِّياً علمياً صناعياً لا سماعياً ذوقياً، تشهد لهذا قصص كثيرة أودعها الأبشيهي كتابه المستطرف في جماعة من النحاة تنكيتاً عليهم، بذكر أخطائهم.
-
٢ - الأدباء والشعراء المولَّدون، ممن أفسدوا المجاز والاستعارة، ناسِين أن القصد منهما تخييل المعاني وإحضار صورها في الأذهان.
-
٣ - طائفة من غير المحقّقين أفسدت اللغة بتفسيرها ألفاظ القرآن بقوة معنى الكلام من غير رجوع إلى أصول تلك الكلم ودلالاتها فيما تعارف عليه أهل اللسان مما جرت به الاستعمالات العربية. فترتّب على ذلك كثرة المشترك من الألفاظ، وتداخلت المعاني، واختلطت الحقيقة بالمجاز، وهم في غفلة عن الإبدال في لهجات العرب، مع مبالغتهم وتوسّعهم في معاني الحروف، بما حصل منه التَّشتِيتُ في الأفهام والخلط في المعاني، واستعمال ألفاظ كثيرة دخيلة غير عربية، كما نلمس ذلك في قاموس الفيروزآبادي.
-
وتوقِّي هذه الآثار لا يكون إلا بتتبّع أساليب العرب الفصيحة، والابتعاد عن سقط الكلام وحوشيِّه، ورعونة التعبير والإجحاف فيه، والحفظ والعناية والتمرّس بالقرآن الكريم بصورة تتّحد بها دلالات الألفاظ، وتسطعُ بها في النفس الصور والاستعمالات الرائعة والأساليب البليغة العجيبة.
- vol. 1, p. 269
ولا شك أن بجانب تلك الأسباب، التي ألمعنا إلى طرق تحاميها والتغلب عليها، أسباباً لا ترجع إلى استعمالات الجهلة باللغة العربية وأسرارها، ولكنها عرضت للغة الضاد نفسها لأسباب:
أولاً: إشراف الأسلوب العربي على الاضمحلال لتقادم العهد به، واحتكام المتحدّثين به إلى اختيارات شخصية، غير مؤصَّلة ولا مقبولة.
-
ثانياً: سوء التعليم فيها وما تَبِعه من اختلال الأفهام أو جرَّ إليه من استعمالات فاسدة هابطة مختلّة.
-
ثالثاً: البعد عن أمرين ضروريين لعصمة اللسان من الخطأ، هما حفظ كلام العرب من أشعار وخطب، ومعرفة تاريخ أحوال العرب وعاداتها، ثم جريان الكلام على مناهج مقبولة ومعانٍ مستعذبة وتصوّرات دقيقة. وهو ما يحتاجه الأديب والخطيب والكاتب والشاعر. وذلك برجوع هؤلاء إلى كلامِ العرب نثرِه ونظمِه، والتأدّبِ به والتعاملِ معه تعاملاً يضمن صحّة التأليف وسلامة الحس والذوق، وإلمامهم بتاريخ العرب وأيامها وأهوائها وعاداتها وهو ما تتفاوت به الملكات، وتتمايز به القدرات لدى الأدباء الباحثين عن الأساليب الدقيقة، وعن روائع القول البديعة.
-
رابعاً: أخلال القواميس اللغوية، والغفلة عن التفقّه فيها لتنقيتها من اختلاط الحقيقة والمجاز في دلالات المفردات، كما فعل الثعالبي في مقدمة فقه اللغة، والزمخشري في أساس البلاغة.
-
خامساً: صرف العناية عن تحقيق مسميات الأسماء وردُّ ذلك إلى المتعارف عليه والشائع بين الناس منها. وكثيراً ما تكون تلك المسمَّيات لا معروفة على التحديد، ولا مدلولاتها شائعة. ويمكن
vol. 1, p. 270تدارك ذلك بتتبّع استعمال المتكلّمين بالعربية في مختلف البلاد الإسلامية.
-
وقبل الانتقال إلى فني الإنشاء والشعر، يلفت الشيخ ابن عاشور نظر المتدبّرين إلى أن الأمة إذا سَمَتْ مداركها، وارتقت لغتها، وأُودعت من دقائق الحكمة والشعر والخطابة ما كان به انتصاب أعلامها وارتفاع شانها وتنويه الخاصة والعامة بها، فهي لا محالة مصونة بتراثها، متجدِّدة من نفسها. والعربية جمعت من دواعي الخلود الاعتبارين العلمي والديني. فهي لغة الحضارة الإسلامية، وعن طريقها انتشرت العقيدة في ربوع الإسلام. وهذا كافٍ للتمسك بها والعودة إليها. فهي مقدّسة بقداسة الدين الذي نشرته، ومحصَّنة بما نقلته للأمم والشعوب من الحضارات القديمة وطوّرته، وكذلك بما نمته من علوم إنسانية وطبيعية ورياضية طوال قرون.
-
[الأدب]
-
وما من شكّ في أنه لا يُقتدر على إحياء اللغة العربية إلا بمخالطة أهلها، واكتساب خصائصهم اللغوية والأدبية. فإن انقطعَ هؤلاء أمكنَ الرجوع إلى الكتب الأصيلة القديمة، وإلى دواوين العرب التي حفظت لنا مجالسهم الرائعة، ورسائلهم النادرة، وخطبهم المؤثّرة، وأشعارهم الساحرة. وفي آخر هذا الفصل يدعو المؤلف إلى:
١ - إنشاء مدرسة خاصة لصغار التلاميذ، يؤدَّبون فيها بتلقين الفصحى والتمرّن عليها، والأخذِ بفنون هذه اللغة من أشعار وخطب ورسائل، مع التعمّق في دراسة القرآن والتخرّج به في مباني الألفاظ وتصرّفات المعاني.
- vol. 1, p. 271
٢ - إنشاء جمعية من جلّة العلماء تعنى بإحياء المفردات المناسبة، وتمحيص الحقيقة من المجاز، وتعليق كل لفظ على المعنى المناسب له. وفي ذلك طريق عملي ونافع يُعين على إحيائها وإبراز أهمّ خصائصها.
-
وقبل أن يقف عند علوم العربية وأسرارها، يؤكّد على وجوب العناية بفنون هذه اللغة من شعر ونثر، لتكوين الملكة اللسانية علماً وعملاً وحسّاً وذوقاً. فمعرفة طرائق العرب في ذلك شرط أساسي، وحفظ نماذج من الكلام البليغ يرسم في الفكر أمثلة ومقاييس يسير عليها الكاتب والشاعر، والدربة والممارسة شرط لشحذ الملكة وتعويدها انتقاء الصيغ، وتخيّل الأفكار وأدائها بأبلغ صورة في الكلام المتميّز الذي يخضع لشروط الصحة والإحسان، وضوابط الإحكام والإبداع.
-
والشعر في بداية عصر المؤلف كان يعرف بالكلام المقفّى الموزون. فهم يكتفون بذلك، ولا تنشغل عقولهم بطلب المعاني الجيّدة والمبتكرة. فتوقفُ الشعر عند القوافي والأوزان لا يكسبه أهمية، ولا يسمو به إلى منزلته العالية عند العرب، بل ينزل به على العكس ليكون مجرد نظم.
-
وما الحرص على التفوُّق فيه علماً وذوقاً وممارسة إلا ليبلغ غايته ويحقّق هدفه. وفي إشارات قصيرة نبّه الإمام الأكبر إلى مقوّمات هذا الفن لتنغرس في نفس الشاعر، ولتتجاوب ثقافته مع إنتاجه ومقدرته مع إبداعه.
-
فالشاعر يحتاج إلى معرفة الأوزان لبناء نظمه أتم بناء، وإلى الاختيار من الأوزان والقوافي أطوعَها لغرضه، وأكثرَها تناسباً مع مقامات النظم وحالات التصوير والتخييل اللازمين للشعر، كما يحتاج إلى شيء من علم العروض لعلاج صحة البيت مثلاً، ولا يتكلف حفظه وإتقانه والإحاطة بكل قواعده إذا كان ذا طبع موهوباً
vol. 1, p. 272وملهماً. وفي كثرة الأوزان والأعاريض واختلاف البحور وتنوّع القوافي ما جعل الشاعر العربي أروع تخييلاً وأكثر تميزاً من غيره في هذا الفن، لأن الشعر في غير العربية محصور في أوزان محدودة لأغراض مخصوصة. ويتجلّى الشاعر عندنا بمعرفته العميقة بأسرار العربية وأساليبها. وهذا جزء مهم من علم البلاغة اعتمده النقاد للنظر في صحّة المعاني واختلالها، وابتكارها وسرقتها، وبساطتها وتكلُّفها. ولا يبلغ الشاعر من الإحسان أعلى درجاته، ومن الإبداع أرقى صوره إلا إذا التقى لديه حسنُ اختيار المعاني المناسبة للظروف والمقامات التي تدعوه للنظم والإنشاء، وحُسْنُ اللفظ والميزان اللذين يمكّنانه من بديع التخييل وعميق التأثير.
-
والنثر كالشعر، وقع إغفاله والانصراف عن الاعتناء به. وقد كانوا يظنونه كلمات تحفظ وتردَّد في المناسبات. وقالوا: هو غير قابل للتعليم إذ لا قواعد له، ومن ثم وقع إهماله كالتاريخ. وما كانوا يرون في قراءة كلام البلغاء فائدة. فهم يعتبرون ذلك مجرد تظرف. ولم يعلموا أن في مطالعة كتب النثر والشعر من جيد الكلام ومحاسنه ما يورث القراء والمشغوفين بالمطالعة سعةَ في التفكيرِ، وصحةً في التعبير، وفصاحةً في اللسان. وهذا لا يتوقّف على تعلُّم قواعد تدرس، لأن قواعد هذا الفن قواعد إجمالية لتوصيف أحوال الكلام والمعنى. وإنما المعتمد في هذا المجال مخالطة البلغاء والوقوف على آثارهم والإقبال عليها، تفهماً وتذوقاً وحفظاً، ثم محاكاتها والنسج على منوالها والتدرّب عليها. ففي ذلك سر الاقتدار والتأليف في جميع فنون النثر والكتابة.
- vol. 1, p. 273
[علوم العربية: النحو والصرف]
-
لَزمَ، لتحرير القول في هذين العِلميْن وفيما انتهيا إليه، الوقوف عند مباحث ثلاثة: أولها: تعريف النحو والصرف، ثانيها: تفصيل القصد منهما، ثالثها: بيان ما لحقهما من أسباب الفساد.
-
أما تعريفهما فيقوم على اعتبار النحو والصرف علماً واحداً في الأصل، إذ هما لا يخرجان عن العلم بتركيب اللغة واستعمال مفرداتها، فهما متلازمان. وهذا ما يفسّر تعرّض ابن مالك في خلاصته إلى أبواب كثيرة من التصريف. وإنما اختلف الفنَّانِ عند تخصيص علم النحو بما يبحث عن أحوال الكلم من حيث الإفراد والتركيب في الكلام، وتخصيص علم الصرف بما يبحث عن جوهر الكلمات في الاشتقاق. فعند تفشي اللحن وانتشاره زمن الإمام علي كانت الحاجة ماسة إلى وضع علم النحو.
-
وأما القصد منه فهو:
أولاً: حفظ أصول العربية من النسيان.
-
ثانياً: الإعانة على تدبّر وجوه التقديم والتأخير في الكلام، وتصوُّر معاني الحروف، والانتباه إلى محاسن العطف مما شحن به سيبويه كتابه. فكان بذلك عمدة في علم المعاني: واستمداد كثير من قوانين البلاغة.
-
وصرَف الشيخ ابن عاشور النظر عن القصد الآخر من النحو
vol. 1, p. 274وهو الحاجة إليه في حصول التفاهم؛ كبحث أحوال (ما) وورودها في الكلام بمعانٍ مختلفة من تعجب واستفهام ونفي ونحوه. فإن هذا التمييز بين أحوالها في الاستعمال يمكن أن يقتنص من سياق الكلام، ومما يبرز فيه من قرائن وعلامات.
-
وفي مقابل هذا ركّز المؤلف على أن طلب علم النحو كان من أجل التعرّف على وجوه تحسين الكلام. وذلك ما ظهر في أجلّ طور من أطوار ارتقاء اللغة العربية، ومن ثمّ كانت بداية علم البلاغة والاشتغال بعامة فنونها.
-
وأما علم الصرف فهو الأدخل في علوم اللغة. فإن المتكلم بها من غير إتقانه والإلمام به لا يتمّ له ما يريد من استعمالها، ولا يحصل له ذلك إلا مع طول معاناة.
-
تأخّر علوم العربية وأسبابه
إن أسباب اختلال هذين العلمين وانحطاطهما مع تطوّر الأزمنة واختلاف المراحل التي أقبل فيها الطلاب على معرفة فني النحو والصرف فهي:
أولاً: إطالة المباحث في العلمين بتبيين العلل والأسباب. وهو ما أقبل عليه الدخلاء على اللغة المعنيون بضبطها المضطرون إلى التأمل في دقائقها. فإن ذلك يجمع عليهم المتفرّقات، ويهديهم إلى خبايا تذكّرهم عند النسيان، وتكشف لهم أسرار الاختلاف عند الاشتباه. وقد نبغ في هذا المولدون من العرب كالخليل بن أحمد والموالي كسيبويه.
-
لكن الاشتغال بذلك في كل مراحل التعليم موجب للتشويش على الأذهان. فكانت النتائج عقيمة. فإن الطلاب كانوا يتخرَّجون،
vol. 1, p. 275وقد شَدَوا محفوظات كثيرة من القواعد، وارتسمت في عقولهم جملة من قضايا الحجاج واللَّجاج دون إتقان لحسن التعبير أو رعي لقواعد الفنين. وكم كان ما يدّعونه من وراء ذلك من شحذ الأذهان قميناً بأن يصرف في خدمة مسائل العلوم التي تحتاج إلى التفكير والحل.
-
ثانياً: كثرة الخلاف بين منهج البصريين الذين وضعوا قواعدهم في النحو على أساس القياس، والجمع بين النظائر في الاستعمال، وتأويلهم ما ورد من نادر كلام العرب على خلاف ذلك، ومنهج الكوفيين الذين اعتمدوا كل ما ورد من كلام العرب باعتباره أصلاً معتبراً عندهم في الاستعمال. فذكروا لذلك الشواهد التي تحضرهم في كل مسألة خلافية بينهم وبين البصريين. وقد كان الخلاف شديداً وحاداً بين أنصار المذهبين. فكان أبو حيان الأندلسي، كما قال ابن الخطيب، حاملَ لواء سيف النصرة للدفاع عن نَحْوِ البصرة، وكان ابن مالك الأندلسي أيضاً أقلَّ حدّة منه ولكنه الحكم والعدل بين الفريقين. فناله لذلك من أبي حيان شديدُ الإذاية كلما ذكره في كتبه. ولو تُرك التعرّض لمثل هذه الخلافات إلى المطوّلات، وإلى المراحل العالية، وجرّدت منه كتب التعليم لاستقام أمر تكوين الطلاب وإكسابهم العصمة في اللسان والقدرة على البيان.