قاعدة [١١٣] إذا وجدنا جملة ذات أعداد موزعة على جملة أخرى؛ فهل تتوزع أفراد الجملة الموزعة على أفراد الأخرى

174 paragraphs · vol. 2, p. 347

Page 3 of 5

  1. والثَّاني: أنَّ انفكاك أحد النَّصيبين وقبض صاحبه له لا يتوقَّف على المقاسمة؛ فإنَّ الشَّريك يقبض نصيبه من المشترك من غير اقتسام، ويكون قبضاً صحيحاً؛ إذ القبض يتأتَّى في المشاع.

    vol. 2, p. 364
  2. ويشبه هذه المسألة ما إذا كاتب عبدين له صفقة بعوض واحد، ثمَّ أدَّى أحدهما حصَّته من الكتابة؛ هل يعتق أم لا؟ على وجهين:

    أحدهما: يعتق، وهو اختيار القاضي وأصحابه؛ لأنَّه أدَّى ما يخصُّه؛ فهو كما لو أدَّى أحد المشترِيَيْن حصَّته من الثَّمن؛ فإنَّه يتسلَّم نصيبه تسلُّماً مشاعاً عند الأصحاب.

  3. وما ذكره في «المغني» من منع التَّسليم (١) في هذه المسألة (٢) ؛ فهو يرجع إلى أنَّه لا يتسلَّم العين كلَّها، وهذا صحيح، وقد صرَّح (٣) به القاضي في «الخلاف» و «الجامع الصَّغير «.

  4. والوجه الثَّاني: أنَّه لا يعتق واحد منهما حتَّى يؤدِّيا جميع مال الكتابة، وهو قول أبي بكر وابن أبي موسى، ونقل مهنَّى عن أحمد ما يشهد له.

  5. واختلف في (٤) مأخذه؛ فقيل: لأنَّ الكتابة عتقٌ (٥) معلَّق بشرط؛ فلا يقع إلَّا بعد كمال شرطه، وهو ههنا أداء جميع المال.

  6. وهذا بعيد على أصل أبي (١) بكر؛ لأنَّه يرى أنَّ الكتابة عقد معاوضة محضة لا تعليق فيها بحال.

    vol. 2, p. 365
  7. وقيل: لأنَّ كلَّ واحد منهما (٢) كفيلٌ ضامن عن صاحبه، فلا يعتق حتَّى يؤدِّيَ جميع ما عليه.

  8. وقيل: لأنَّها صفقة واحدة، فلا تتبعَّض، وهذا قد يرجع إلى الضَّمان أيضاً، كأنَّه التزم كلُّ واحد منهما الألف عنه وعن صاحبه؛ فيكون توزيعاً للمفرد على الجملة؛ إذ لو لم يلزم أحدَهما أداءُ جميع المال؛ لما وقف عتقه على أدائه.

  9. وقد اختلف كلام القاضي وابن عقيل في ضمان كلٍّ منهما عن الآخر، فنفياه تارة، وأثبتاه أخرى.

  10. ونقل ابن منصور عن أحمد في رجل له على قوم حقٌّ، إن كتب في كتابهم: أيُّهم شئت أخذت بحقِّي: يأخذ أيَّهم شاء (٣) .

  11. ومفهومه: أنَّ الغرماء لا ضمان بينهم بدون الشَّرط بكلِّ حال (٤) .

  12. ومنها: لو وضع المتراهنان الرَّهن على يدي عدلين، وكان عينين منفردتين، أو كان ممَّا ينقسم؛ كالمكيل والموزون؛ فهل لهما اقتسامه وانفراد كلِّ واحد منهما بحفظ نصفه أم لا؟ على وجهين:

    vol. 2, p. 366أحدهما: يجوز ذلك، قاله القاضي في «المجرَّد» ؛ توزيعاً للمفرد على المفرد؛ فيكون كلُّ واحد منهما أميناً على نصفه، وصرَّح القاضي بذلك.

  13. وعلى هذا: فلو دفع أحدهما النِّصف المقسوم الَّذي بيده إلى الآخر، فتلف في يده؛ فهل يضمنه؟ على احتمالين ذكرهما القاضي؛ لأنَّه انفرد به بعد القسمة، بخلاف ما إذا سلَّم الكلَّ قبل القسمة؛ فإنه لا يضمن، كذا قال القاضي.

    وقال مرَّة أخرى: يضمن نصفه أيضاً.

  14. والثَّاني: لا يجوز اقتسامه، بل يتعيَّن حفظه كلّه (١) على كلِّ واحد منهما مجتمعين، وهو قول القاضي في «خلافه» ، وابن عقيل، وصاحبي «المغني» و «التَّلخيص» ؛ لأنَّ المتراهنين إنَّما رضيا بحفظهما جميعاً؛ فلا يجوز لهما الانفراد؛ كالوصِيَّيْن والوكيلين في البيع.

  15. وعلى هذا نخرِّج الوديعة لاثنين، والوصيَّة بالنِّسبة إلى الحفظ خاصَّة دون التَّصرُّف؛ فإنَّه لا يستقلُّ أحدهما بشيء منه.

  16. وقد روي عن أحمد ما يدلُّ على جواز انفراد كلِّ واحد منهما بنصف التَّصرُّف، فنقل عنه حرب فيمن قال لرجلين: تصدَّقا عنِّي بألفي درهم من ثلثِي، فأخذ كلُّ واحد ألفاً فتصدَّق بها على حدة؛ ليكون أسهل عليهما؛ فلم ير به بأساً.

  17. وهذا قد يختصُّ بالصَّدقة؛ لحصول المقصود منها بالانفراد،

    vol. 2, p. 367بخلاف غيرها من التَّصرُّفات الَّتي يقصد فيها (١) الحظُّ والغبطة والكسب (٢) .

    قال في «التَّلخيص» : (ولو وكَّل اثنين في المخاصمة؛ لم يكن لواحد الاستبداد بها؛ كالوصيَّين ووكيلي التَّصرُّف، ويحتمل أن يكون له؛ لأنَّ العرف في الخصومة يقتضيه، بخلاف غيرها) انتهى.

    وقال أيضاً: (ولو تعدَّد المعيَّن؛ فاحتمالان) . يعني: في تعدُّد الصَّفقة واتِّحادها.

  18. ومنها: الضَّمان، فإذا ضمن اثنان دَيْن رجل لغريمه؛ فهل كلُّ واحد منهما ضامن لجميع الدَّين أو بالحصَّة؟ على وجهين:

    أحدهما: كلُّ واحد منهما ضامن للجميع، نصَّ عليه أحمد في رواية مهنَّى في رجل له على رجل ألف درهم؛ فكفل بها كفيلان، كلُّ واحد منهما كفيل ضامن؛ فأيُّهما شاء أخذ بجميع حقِّه (٣) .

  19. وكذلك قال أبو بكر فيمن قال في السَّفينة لرجل: ألقِ متاعك في البحر على أنَّي ورُكْبان السَّفينة ضمناء، فألقاه؛ ضمنه دونهم، إلَّا أن يتطوَّعوا بالضَّمان معه (٤) .

  20. وقد يكون مأخذ أبي بكر: أنَّ هذا من باب التَّغرير؛ فإنَّه إنَّما ألقاه ظنًّا منه أنَّ قيمته تُرَدُّ عليه اعتماداً على قول هذا القائل؛ فلذلك لزمه

    vol. 2, p. 368الضَّمان كلُّه.

  21. وعلى هذا: فيفرَّق بين أن يكون صاحب المتاع عالماً بالحكم أو جاهلاً به.

  22. والوجه الثَّاني: أنَّ الضَّمان بالحصَّة إلَّا أن يصرِّحوا بما يقتضي خلافه، مثل أن يقولوا: ضمنَّا لك وكلُّ واحد منَّا الألف الَّتي لك على فلان، فإنَّ كلَّ واحد يلزمه الألف حينئذٍ، وأمَّا مع إطلاق ضمان الألف منهم؛ فبالحصَّة، وهذا قول القاضي في «المجرَّد» ، و «الخلاف» ، وصاحب «المغني» .

  23. وذكر ابن عقيل في المسألة احتمالين، وبناه القاضي: على أنَّ الصَّفقة تتعدَّد بتعدُّد الضَّامنين؛ فيصير الضَّمان موزَّعاً عليهما.

  24. وعلى هذا: فلو كان المضمون ديناً متساوياً على رجلين، فهل يقال: كلُّ واحد (١) منهما ضامن لنصف الدَّينين، أو كلٌّ منهما ضامن لأحدهما بانفراده؟

  25. إذا قلنا: بصحَّة ضمان المبهم؛ يحتمل وجهين، والأوَّل أشبه بكلام الأصحاب.

  26. وشبيه بهذه المسألة: ما إذا كفل اثنان شخصاً لآخر، فسلَّمه أحدهما إلى المكفول له؛ فهل يبرأ الكفيل الآخر أم لا؟ على وجهين:

    أشهرهما: أنَّه لا يبرأ؛ لأنَّهما كفالتان، والوثيقتان إذا انحلَّت إحداهما بغير توفية؛ بقيت الأخرى؛ كالضَّامنين إذا أبرئ أحدهما،

    vol. 2, p. 369وهذا قول القاضي وأصحابه.

  27. والثَّاني: يبرأ؛ لأنَّ التوفية قد وجدت بالتَّسليم (١) ؛ فهو كما لو سلَّم المكفول نفسه، أو وفَّى أحد الضَّامنين الدَّين، وهو احتمال في «الكافي» ، وقوَّاه الأزجيُّ في «نهايته» ، وهو ظاهر كلام السَّامريِّ في «فروقه» ، وهو يعود إلى أنَّها كفالة واحدة.

  28. والأظهر: أنَّهما إن كفلا كفالة اشتراك بأن قالا: كفلنا لك زيداً نسلُّمه إليك، فإذا سلَّمه أحدهما؛ برئ الآخر؛ لأنَّ التَّسليم الملتزم واحد؛ فهو كأداء أحد الضَّامنين للمال، وإن كفلا (٢) كفالة انفراد واشتراك؛ بأن قالا (٣) : كلُّ واحد منَّا كفيل لك بزيد؛ فكلٌّ منهما ملتزم له إحضاراً؛ فلا يبرأ بدونه ما دام الحقُّ باقياً على المكفول؛ فهو كما لو كفلاه في عقدين متفرِّقين، وهذا قياس قول القاضي في ضمان الرَّجلين للدَّين.

  29. واعلم أنَّ عقود التَّوثُّقات والأمانات إذا اشتملت على جمل؛ فإنَّه يمكن فيها توزيع أفراد الجملة أو أجزائها على أفراد الجملة المقابلة لها، أو على أجزاء العين المقابلة لها؛ فيقابل كلُّ مفرد لمفرد، أو كلُّ مفرد لجزء، أو كلُّ جزء لجزء.

  30. ويمكن توزيع كلِّ فرد من الجملة على مجموع أفراد الجملة

    vol. 2, p. 370الأخرى، أو أجزائها؛ فيثبت الاشتراك بالإشاعة، ويكون العقد على هذين الاحتمالين واحداً.

  31. ويمكن أن يثبت حكم التَّوثقة والأمانة بكماله لكلِّ فرد فرد؛ فيكون ههنا عقود متعدِّدة.

  32. وقد ذكرنا في هذه المسائل التَّفريع على هذه الاحتمالات الثَّلاث.

  33. فأمَّا عقود التَّمليكات: فلا يتأتَّى فيها الاحتمال الثَّالث، ولو قيل بتعدُّد الصَّفقة فيها بتعدُّد المتعاقدين؛ لاستحالة أن يكون الملك ثابتاً في عين واحدة لمالكين على الكمال، وإنَّما يقع التَّردُّد فيها بين الاحتمالين الأوَّلين، ويستثنى من ذلك صورتان:

    إحداهما: أن يوصي بعين لزيد، ثمَّ يوصي بها لعمرو، ونقول: ليس برجوع، كما هو المشهور من المذهب؛ فيكون كلٌّ منهما مستحقًّا للعين بكمالها، ويقع التَّزاحم فيها فيشتركان في قسمتها، فلو مات أحدهما قبل الموصي، أو رَدَّ؛ لاستحقها الآخر بكمالها.

  34. والثَّانية: أن يقف على قوم معيَّنين أو موصوفين، ثمَّ على آخرين بعدهم؛ فإنَّ كلَّ واحد من الطَّبقة الأولى مستحقٌّ لجميع الوقف بانفراده، حتَّى لو لم يبق في الطَّبقة سواه؛ لاستحقَّ الوقف كلَّه، هكذا ذكره القاضي والأصحاب.

  35. وقد نصَّ أحمد في رواية يوسف بن موسى ومحمَّد بن عبيد الله المنادي؛ فيمن وقف ضيعة على ولده وأولادهم وأولاد أولادهم أبداً ما تناسلوا، فإن حدث بواحد منهم حدث الموت؛ دُفع ذلك إلى ولد ولده

    vol. 2, p. 371- يعني: الواقف - وولد أولادهم يجري ذلك عليهم ما تناسلوا، وقد وُلد لهؤلاء القوم الَّذين وقف عليهم أولادٌ يدخلون مع آبائهم (١) في القسمة، أو يصير هذا الشَّيء إليهم بعد موت آبائهم، ومن مات منهم ولم يخلِّف ولداً يرجع نصيبه إلى إخوته أم لا؟ قال: يجري ذلك على الولد وولد الولد، يتوارثون ذلك حتَّى لا يكون للميِّت ولد، فيُردُّ على الباقين من إخوته (٢) .

  36. وظاهر كلامه: أنه (٣) يكون ترتيب أفراد بين كلِّ ولد ووالده؛ لقوله: (يتوارثون ذلك) ، وجعل قول الواقف: (من مات عن ولد؛ فنصيبه لولده) مقتضياً لهذا الترتيب، ومخصِّصاً لعموم أوَّل الكلام المقتضي للتَّشريك.

  37. وقد زعم الشَّيخ مجد الدِّين أنَّ كلام القاضي في «المجرَّد» يدلُّ على خلاف ذلك، وأنَّه يكون مشتركاً بين الأولاد وأولادهم، ثم يضاف (٤) إلى كلِّ ولد نصيب والده بعد موته، وليس في كلام القاضي ما يدلُّ على ذلك لمن راجعه وتأمَّله.

  38. وأمَّا قوله: (حتَّى لا يكون للميت ولد، فيردُّ على الباقين من إخوته) فيعني به: أنَّ من مات عن غير ولد؛ فنصيبه لإخوته، وهذا قد يدلُّ لما

    vol. 2, p. 372ذكره الأصحاب: أنَّ من مات من طبقة؛ انتقل نصيبه إلى الباقين منها بإطلاق الوقف.

  39. وقد يقال: لا دلالة فيه على ذلك؛ لأنَّ هذا الواقف وقف على ولده وولد ولده أبداً بالتَّشريك، فلو تركنا هذا؛ لشركنا بين البطون كلِّها.

  40. لكنَّه استثنى من ذلك: أنَّ من مات عن ولد؛ فنصيبه لولده، ففهم منه: أنَّ الولد لا يستحقُّ مع والده، فبقي ما عداه داخلاً في عموم أوَّل الكلام، فاستحقاق الإخوة ههنا متلقًّى من كلام الواقف.