قاعدة [١١٣] إذا وجدنا جملة ذات أعداد موزعة على جملة أخرى؛ فهل تتوزع أفراد الجملة الموزعة على أفراد الأخرى
174 paragraphs · vol. 2, p. 347
Page 4 of 5
- vol. 2, p. 372
ومثل هذا لا نزاع فيه، إنَّما النِّزاع فيما إذا لم يدل كلام الواقف عليه.
-
ولا يقال: قد دلَّ كلام الواقف عليه حيث جعله بعد تلك الطَّبقة لطبقة أخرى، فلم يجعل للثَّانية حقًّا فيه مع وجود الأولى؛ فدلَّ على أنَّ الأولى هي المستحقَّة ما دامت موجودة؛ لأنَّه قد يجاب عنه: بأنَّ نفي استحقاق الثَّانية مع وجود الأولى لا يدلُّ على أنَّ الأولى هي المستحقَّة لجميعه؛ لجواز صرفه مصرف المنقطع، إلَّا أنَّ هذا بعيد من مقصود الواقف.
-
والأظهر من مقصوده ما ذكر، فعلى هذا يكون عوده إلى بقيَّة الطَّبقة مستفاداً من معنى كلام الواقف.
-
ويشبه ذلك: ما لو وقف على فلان، فإذا انقرض أولاده؛ فعلى المساكين، فهل يكون بعد موت فلان لأولاده، ثمَّ بعدهم للمساكين، أو يصرف بعد موت فلان مصرف المنقطع حتَّى ينقرض أولاده، ثمَّ
vol. 2, p. 373يصرف للمساكين؟ على وجهين مذكورين في «الكافي» ، والأوَّل قول القاضي وابن عقيل.
-
ولنا في المسألة مسلك آخر، وهو أن يقال: الوقف تحبيس للمال في وجوه البرِّ، والموقوف عليهم هم المصرف المعيَّن لاستحقاقه، فلا يمتنع أن يستحقَّه كلُّ واحد منهم بانفراده، ويقع التَّزاحم فيه عند الاجتماع، بخلاف التَّمليكات المحضة، فإنَّه يستحيل أن يملك كلُّ واحد من المملَّكين جميع ما وقع فيه (١) التَّمليك.
-
وهذا على قولنا: إنَّ الموقوف عليه لا يملك عين الوقف؛ أظهر.
-
ويتعلَّق بهذا من مسائل التَّوزيع: ما إذا وقف على أولاده ثمَّ على أولاد أولاده أبداً، فهل يقال: لا ينتقل إلى أحد من أولاد أولاده إلَّا بعد انقراض جميع أولاده، أو ينتقل بعد كلِّ ولد إلى ولده؟
-
المعروف عند الأصحاب: الأوَّل، وهو الَّذي ذكره القاضي وأصحابه ومن اتَّبعهم.
-
وحكى الشَّيخ تقيُّ الدِّين رحمه الله وجهاً آخر بالثَّاني، ورجَّحه (٢) .
-
فعلى الأوَّل؛ يكون من باب توزيع الجملة على الجملة.
-
وعلى الثاَّني؛ هو من باب توزيع المفرد على المفرد (٣) .
- vol. 2, p. 374
ويشهد لهذا من كلام أحمد ما رواه عنه يوسف بن موسى ومحمد بن عبيد الله المنادي في رجل أوقف ضيعة، على أن لعلي بن إسماعيل رُبُعَ غلتها ما دام حيًّا، وربع منها لولد عبد الله، وولد محمد، وولد أحمد بينهم بالسَّويَّة، وإن مات علي بن إسماعيل؛ فوَزِّعوا هذين الرُّبعين بين ولده وولد الثَّلاثة المذكورين؛ ففعلوا ذلك، ثمَّ إنَّ بعض ولد علي بن إسماعيل مات وترك ولداً؛ كيف يُصنع بنصيبه؟ يدفع إلى ولده، أو يردُّ على شركائه؟ ولم يقل الميِّت: إن مات علي بن إسماعيل دفع إلى ولد ولده، إنَّما قال: ولد علي ابن إسماعيل.
قال أحمد: يدفع ما جعل لولد علي بن إسماعيل إلى ولده، فإن مات بعض ولد علي بن إسماعيل؛ دفع إلى ولده أيضًا؛ لأنَّه قال: بين ولد علي بن إسماعيل، وهذا من ولد علي بن إسماعيل (١) .
- فدلَّ هذا الكلام على أصلين:
-
أحدهما: أنَّ ولد الولد داخل في مسمَّى الولد عند الإطلاق.
-
والثاني: أنَّه إنما يستحقُّه ولد الولد بعد موت أبيه، ويختصُّ به دون طبقة أبيه المشاركين له، حيث ذكر أنَّ عليَّ بن إسماعيل توفي عن ولد، وأنَّ بعض ولده توفي عن ولد، ونقل إلى هذا الولد نصيب أبيه مع وجود المشاركين للأب من إخوته.
-
ووجه هذا: أنَّه لمَّا رتَّب بين علي بن إسماعيل وولده، ولم يجعل لولده شيئاً إلَّا بعد موته؛ فكذلك ينبغي أن يكون التَّرتيب بين ولده وولد ولده.
- vol. 2, p. 375
وهذا خلاف ما ذكره الأصحاب من الوجهين في كيفيَّة استحقاق ولد الولد إذا قيل بدخوله في مطلق الولد: هل يستحق مع الولد مشرَّكاً، أو بعد انقراض الولد كلِّهم مرتَّباً ترتيب طبقة على طبقة؟ فإنَّ أحمد جعله مرتَّباً ترتيب أفراد بين كلِّ ولد ووالده، فيؤخذ من ذلك: أنَّ من وقف على أولاده، ثمَّ على أولادهم أبداً: أنَّه يكون مرتَّبًا بين كلِّ والد وولده، دون بقيَّة طبقته.
-
وقد يفرَّق بينهما: بأنَّ الوقف ههنا أوَّلاً كان بين شخص وولده؛ فرُوعِيَ هذا التَّرتيب في استحقاق ولده وولد ولده، وليس فيه طبقة بعد طبقة، ولكن سنذكر من كلام أحمد في مسألة التَّدبير ما يحسن تخريج هذا الوجه منه إن شاء الله تعالى.
-
ومنها: إذا علَّق طلاق نسائه، أو عتق رقيقه على صفات متعدِّدة، فوجد بعضها من بعض، وباقيها من بعض آخر؛ فهل يكفي في وقوع الطَّلاق والعتاق، مع قطع النَّظر عن الحنث بوجود بعض الصِّفة (١) ؟
- vol. 2, p. 376
فإنَّ للأصحاب في الاكتفاء ببعض الصِّفة في الطَّلاق والعتاق طرقاً ثلاثة:
إحداهنَّ: أنَّه يُكتفى بها كما يُكتفى بذلك في الحنث في اليمين، وهي طريقة القاضي، واستثنى من ذلك في «الجامع» : أن تكون الصِّفة معاوضة (١) .
-
والثَّانية: لا يُكتفى بها وإن اكتفينا ببعض المحلوف عليه في الحنث؛ لأنَّ هذا شرط ومشروط، وعلَّة ومعلول؛ فلا يترتَّب الأثر إلَّا على تمام المؤثِّر، وهي طريقة ابن عقيل، وصاحب «المغني» .
-
والثَّالثة: إن كانت الصِّفة تقتضي حضًّا، أو منعاً، أو تصديقاً، أو تكذيباً؛ فهي كاليمين، وإلَّا فهي علَّة محضة؛ فلا بد من وجودها بكمالها، وهي طريقة صاحب «المحرَّر» .
-
والقاضي يفرِّع على اختياره في هذه المسائل، فقال فيما إذا قال لعبيده: إذا أدَّيتم إليَّ ألفاً فأنتم أحرار؛ عَتق كلُّ واحد منهم بأداء حصَّته.
-
وكذلك إذا قال لعبيده: إذا دخلتم الدَّار؛ فأنتم أحرار؛ عَتق من
vol. 2, p. 377دخل منهم؛ لأنَّ وجود الصِّفة تقوم مقام جميعها؛ فمتى أدَّى واحد منهم؛ عتق.
-
هكذا ذكره في باب الكتابة، وردَّه الشيخ مجد الدِّين، وقال: هو عندي خطأ يقيناً؛ لأنَّ هذه الصِّفة لا تشتمل على منع ولا حثٍّ.
-
وعندي: أنَّه لو صحَّ الاكتفاء ببعض الصِّفة ههنا؛ لم يصحَّ ما قاله القاضي، ولم يتفرَّع على الاكتفاء ببعض الصِّفة؛ إذ لو كان التَّفريع على ذلك؛ لعتقوا كلُّهم بأداء بعضهم لبعض الألف، وبدخول بعضهم الدَّار، وهذا خلاف قول القاضي.
-
وإنَّما يتوجَّه ما قاله القاضي على أن يكون من باب توزيع المفردات على المفردات؛ فكأنَّه قال: من دخل منكم الدَّار فهو حرٌّ، ومن أدَّى إليَّ حصَّته من الألف فهو حرٌّ، وهذا لا تعلُّق له بمسألة الاكتفاء ببعض الصِّفة.
-
وكلام أحمد يدلُّ على اعتبار هذا التَّوزيع في مثل هذه التَّعليقات؛ فإنَّه نصَّ في رواية مهنى في عبد بين رجلين قالا له: إذا متنا فأنت حرٌّ، ثمَّ مات أحدهما؛ عتقت حصَّته فقط، فإذا مات الآخر عتقت حصَّته (١) .
قال أبو بكر: لأنَّهما كالمعتَقَيْن على انفرادهما، وهذا هو المذهب عند أبي بكر وابن أبي موسى.
-
وتعليل أبي بكر يدلُّ على أنَّه جعله من باب توزيع المفرد على المفرد، كأنَّهما قالا: إن مات أحد منَّا فنصيبه منك حرٌّ.
- vol. 2, p. 378
وتأوَّل القاضي ذلك على أنَّ العتق حصل بوجود بعض الصِّفة.
-
وردَّه الشَّيخ مجد الدِّين؛ بأنَّ الصِّفة إنَّما يُكتفى ببعضها إذا كانت في معنى اليمين تقتضي حضًّا أو منعاً، وما لم يكن كذلك؛ كطلوع الشَّمس وقدوم زيد؛ فلا يكتفى فيه بالبعض، ونقل الإجماع عليه.
-
وهو مردود من وجه آخر، وهو أنَّه لو اكتفي ببعض الصِّفة؛ لعَتق العبدُ كلُّه عليهما بموت أحدهما، ولم يكن وجه لعتق نصيب أحدهما، وإنَّما لم يَسْرِ إلى نصيب صاحبه لأحد أمرين؛ إمَّا لأنَّ السِّراية تمنع بعد الموت كما هو إحدى الرِّوايتين، أو لأنَّ التدبير يمنع السِّراية، وهو أحد الوجهين.
-
وخرجَّ الشَّيخ مجد الدِّين المسألة على روايتين من مسألة تعليق العتق على صفة بعد الموت؛ فإنَّ في صحَّته روايتين:
إحداهما: يصحُّ هذا التَّعليق؛ فلا يعتق منه شيء ههنا، حتَّى يموت الآخر منهما، فيعتق العبد كلُّه حينئذ.
-
والثَّانية: لا يصحُّ هذا التَّعليق؛ فلا يعتق به شيء من العبد ههنا؛ لأنَّ كلًّا منهما علَّق عتقه على موته وموت شريكه، ولا يوجد إلَّا بعد موته.
-
ولكن ههنا قد (١) يمكن اجتماع موتهما في آن واحد؛ فلا يتوجَّه إبطال التَّعليق من أصله، بخلاف قوله: إن دخلتَ الدَّار بعد موتي؛ فأنت حرٌّ.
- vol. 2, p. 379
ومن هذه المسائل: لو قال لزوجتيه: إن دخلتما هاتين الدَّارين، أو كلَّمتما زيداً وعمراً؛ فأنتما طالقتان، فكلَّمت إحداهما زيداً، والأخرى عمراً، أو دخلت كلُّ واحدة منهما داراً، وقلنا: لا يُكتفى ببعض الصِّفة؛ فهل يَطلُقان، أم لا؟
-
فيه وجهان، ذكرهما أبو الخطَّاب، ومن بعده من الأصحاب، وجعل أبو الخطَّاب المذهب الوقوع، وإنَّما ذكر الآخر تخريجاً (١) .
-
ومذهب الحنفيَّة (٢) والمالكيَّة (٣) : الوقوع، وهو أحد وجهي الشَّافعيَّة (٤) مع قولهم وقول الحنفيَّة: إنَّ بعض الصِّفة لا يكفي في
vol. 2, p. 380الحنث؛ فعلم بذلك: أنَّ هذا ليس مفرَّعاً على الاكتفاء ببعض الصِّفة.
-
ويتخرَّج من مسألة التَّدبير السَّابقة: أن تطلُق ههنا كلُّ واحدة بدخول الدَّار عقيب دخولها، ولا يتوقَّف طلاقها على دخول الأخرى؛ لأنَّ معنى كلامه: من دخلت منكما داراً من هاتين الدَّارين؛ فهي طالق.
-
ويتخرَّج من هذا القول ههنا فيما إذا قال لهما: إن حضتما فأنتما طالقتان، وجهٌ: أنَّ كلَّ واحدة تطلق بحيض نفسها، وألَّا يشترط ثبوت حيض كلِّ واحدة منهما بالنِّسبة إليهما، بل يكفي ثبوت حيضها (١) في حقِّها بإقرارها.