اعتراض آخر والجواب عنه

11 paragraphs · vol. 2, p. 310

  1. وحينئذٍ؛ فإما أن يكون الحديث عامًّا في الصورتين: [٨٢/ أ] صورة الحلف بنذر العتق وصورة الحلف بالعتق، كما يدل عليه كلام المعترض حيث قال: (ولا نحمله على ما هو أخص منه) (١) ، وإما أن يكون مختصًّا بإحداهما؛ فيكون اللفظ مشتركًا أو حقيقة ومجازًا.

    vol. 2, p. 310
  2. فإنْ كان اللفظ عامًّا لهما حصل المقصود، وَدَلَّ على أنهم أفتوا بالكفارة في كليهما (٢) ، وذلك مثل أن تقول المستفتية للصحابة: حلفت بالهدي وبالعتاقة، وقولها: حلفتُ بالعتاقة؛ يتناول قولها: إن فعلت فمملوكي حر. وقولها (٣) : فعلي أن أعتق مملوكي والعتق يلزمني ونحو ذلك.

  3. فإذا كان لفظ المستفتية يَعُمُّ هذا كله، وقد أجابها الصحابة بالكفارة في هذا= حصل مقصود المجيب، وأنهم أفتوها بالكفارة في صورة النزاع؛ إذ هي أحد أفراد اللفظ العام التي تتناولها الفتيا.

  4. فإنْ قيل: اللفظ إنما يدل على صورة واحدة دون أخرى؛ إما بطريق الاشتراك اللفظي وإما بطريق الحقيقة والمجاز، فمعلوم أَنَّ المجاز والاشتراك على خلاف الأصل (٤) ؛ فَحَمْلُ اللفظ على ما ينفيهما أولى من

    vol. 2, p. 311حمله على ما يثبتهما.

  5. وإن قيل: بل لفظ الحلف بالعتاقة يَعُمُّ، والسائلة إنما سألت بلفظٍ يدل على الخاص، ولم ينقل إلينا ذاك.

  6. قيل: إطلاق الناقل لهذا اللفظ والجواب دليلٌ على أَنَّ مناط الحكم هو القدر المشترك العام الموجود في الصورتين لا ما يختص به إحداهما. وحينئذٍ؛ فيكون الراوي لهذا الحديث فَهِمَ ممن حَدَّثَهُ أن الصحابة الذين أجابوا يسوون بين الصورتين، فتكون هذه الرواية موافقة لتلك لا مخالفةً لها.

  7. ولو قُدِّرَ أَنَّ هذا اللفظ محتمل، وتلك الرواية من طريقين قد بين أن السؤال كان عن قولها: (كل مملوك لي حر) ، وهذا قال في روايته: (إنه حَلَفَ بالعتاقة) = كان حمل هذه الرواية على ما يوافق تلك أولى؛ فإنَّ الأصل اتفاق الرواة لا اختلافهم.

  8. فإنَّا لو (١) حملناه على أنها حلفت بالنذر لَزِمَ تغليطُ إحدى الروايتين، مع أنه لا دليل على غلطه بوجهٍ من الوجوه، وحمله على الموافقة يتضمن [نفي الغلط، والنافي] (٢) للغلط مُقَدَّمٌ على مثبته، لا سيما في حق مَنْ لم يُعْرَف غلطه، وأن الغلط في الرواية نادر جدًّا بالنسبة إلى عدمه حتى في حق المعروفين [بكثرة الغلط؛ فما] (٣) [٨٢/ ب] لا يغلطون فيه من الألفاظ أضعاف أضعاف ما يغلطون فيه. وحينئذٍ؛ فيلحق النادر بالغالب لا سيما من

    vol. 2, p. 312محدث لم يعرف غلطه، وما يَحْمِل كلام المحدثين على الغلط بلا دليل أصلًا ولا شبهةِ دليلٍ إلا مَنْ هو أبعد الناس في العلم والدين (١) .

  9. ثم بتقدير غلط أحدهما؛ تغليط جسر بن الحسن أولى من تغليط التيمي وأشعث الذين رويا أنها قالت: كل مملوك لي حر؛ وجسر يحتج بمتابعته على ذكر العتق، لا على لفظه الذي خالف فيه من هو أوثق منه وأكثر منه عددًا، هذا لو صرح بما يخالف لفظهما؛ فكيف والأمر بخلاف ذلك؟

  10. وأيضًا؛ فقد بيَّنَّا أن الحلف بالعتاقة إنما يفهم منه عند الإطلاق: الحلف بوقوعه لا بنذره [ ... ] (٢) ، فقول المعترض: (لفظ الحلف بالعتاقة متردد بين كذا وكذا) إنْ أراد أنه بطريق أن اللفظ لا يدل إلا على أحدهما، لأن دلالته على الآخر بطريق الاشتراك أو المجاز= كان هذا مناقضًا لقوله: (لا يحمله على ما هو أخص منه) ، فإنَّ هذا يدل على أنَّ اللفظ الذي رواه الأوزاعي مشترك (٣) لا حقيقة ومجاز.

  11. وإن أراد أنَّ اللفظ عام؛ فالعام لا تردد فيه، وإن أراد أنه لا يعلم ماذا وقعَ في لفظ الراوي إذا كان عامًّا= كان دليلًا على أنه فهم أنَّ المعنيين سواء عند السائل للصحابة الذين أفتوه، وأن السائل فهم عن الصحابة التسوية، وتكفي الرواية بالمعنى لا سيما ومن هو أكثر عددًا وأفضل منه حفظًا وفهمًا ذكروا لفظ الحالِفَة: (كل مملوك لي حر إِنْ فعلت كذا) .