فصل في الجواب عن قول المعترض: (وإدراج الحلف بالطلاق في أيمان المسلمين إنما كان لإدخال من أدخلها في البيعة)
13 paragraphs · vol. 2, p. 37
- vol. 2, p. 37
فيه إلى غيرهم، وليس هذا حكمًا شرعيًا ولا لغويًا.
-
وأما كون هذا يسمى يمينًا في اللغة، فهو أَمْرٌ سمعيٌ لغويٌ [١٢/ ب] ، وحكم هذا التعليق شرعي يرجع فيه إلى الله ورسوله، لا يُعلم هذا بمجرد العقل ولا اللغة ولا العرف ولا العادة ولا اعتقاد الناس ولا اعتقاد أحد من العلماء وغيرهم، لكن العلماء المجتهدون يَستدلون على موجَب هذا وغيره في الشرع بحسب اجتهادهم، والعلماء المجتهدون مَنْ عَرَفَ منهم حكم الله ورسوله في الباطنِ فله أجران، ومن لم يعرفْ ذلك لكن استفرغ وسعه في الاجتهاد فاتبع ما اعتقده حكم الله ورسوله = فإنه له أجر وخطؤه مغفور له؛ كالمجتهدين في جهة الكعبة من أصاب القبلة باطنًا وظاهرًا كان له أجران، ومن اعتقد أنه يصلي إلى الكعبة سقط الفرض عنه ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وإن كان قد استقبل ما يعتقده الكعبة لم يستقبل نفس الكعبة.
-
فصلٌ
قوله: (وإدراج الحلف بالطلاق في أيمان المسلمين إنما كان لإدخال مَنْ أدخلها في البيعة) (١) .
-
فيقال: ليس الأمر كذلك؛ ولا هذا الإدخال والتسمية مختصًا بالحلف بالطلاق، بل أهل الأرض كلُّهم على اختلاف عقولهم وأديانهم ومذاهبهم يسمون كل من عَلَّقَ تعليقًا يقصد به اليمين يكره فيه لزوم الجزاء وإن وجد الشرط = حالفًا، ويسمون هذا يمينًا، وتسمية مثلِ هذا حَلِفًا ويمينًا وتسمية صاحبه حالفًا يمينًا (٢) مشهورٌ عند العامة والخاصة؛ إما أن يكون مثل شهرةِ
vol. 2, p. 38الاقتضاء واللزوم عندهم أو أشهر من ذلك، فإنَّ تسميته يمينًا أَمْرٌ يتكلم به اللسان وتسمعه الآذان وتعقل معناه القلوب، وأما مجرد اللزوم فهو معنًى عقلي، وما يُعلم بالحس والعقل فهو أشهر مما يُعلم بالعقل وحده.
-
وكذلك علم الأمم كلها بأن الحالف يكره وقوع الجزاء مشهور عند العامة والخاصة، وليس شهرة هذا بدون شهرة الاقتضاء؛ بل يقال: هو أشهر منه؛ لأنَّ علم الإنسان بكراهة نفسه مثلُ عِلْمِهِ بحبِّه وبغضه وعزمه وقصده وجوعه وعطشه ونحو ذلك من الأمور التي يجدها من نفسه ويحسها من باطنه فهي حسيات باطنة، ثم يعلم بالعقل أَنَّ هذا مثل هذا، بخلاف العلم بالاقتضاء فإنه عقلي محض، وما تعاضد على معرفته الحس والعقل كان أبلغ مما يُعْرَف بمجرد العقل [١٣/ أ] ، وكون هذه أيمانًا مما يعرفه عموم الخلق كلهم.
-
وأما كونها من أيمان المسلمين: فهذا بحسب اعتقاد موجَبها؛ فمن جعلها غير موجبة لا للزوم الجزاء ولا للكفارة فهي عنده ليست من أيمان المسلمين، بل من جنس الحلف بالمخلوقات، ومن جعلها توجب أحد هذين جعلها من أيمان المسلمين، وعلى هذا جمهور المسلمين قديمًا وحديثًا، ولم يُنْقَل عن الصحابة في جنس التعليقات التي يقصد بها اليمين إلا أحد هذين القولين وكذلك جماهير التابعين والعلماء، والقول بأنها أيمان غير منعقدة قول طائفة من التابعين وهو قول داود وابن جرير الطبري والإمامية، كما أن القول بأن الطلاق المعلق بالصفات لا يقع يحكى عن طائفة من الناس لم يُنْقَلْ هذا عن أحدٍ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
-
والقول بأن هذه ليست أيمانًا منعقدة أَضعفُ من قول مَنْ يقول: موجَبها لزوم ما علقه، فإنَّ هذا يشبه قول من جعل أيمان المسلمين لا كفارة فيها،
vol. 2, p. 39والثاني يشبه قول من جعل موجَبها الوفاءَ دون الكفارة، وهذا قد قيل إنه كان شرع أهل الكتاب؛ فالقول بلزوم ما عَلَّقَهُ من جنس الشرع المنسوخ شرعِ أهلِ الكتاب وما كانوا عليه في أول الإسلام، وأما القول بأنها غير منعقدة ولا توجب شيئًا فهذا قول من يجعل أيمان المسلمين لا توجب على الحالف شيئًا لا وفاء ولا كفارة، وهذا من جنس قول أهل الجاهلية الذي لم يشرع بحال، وشرعٌ منسوخٌ خيرٌ من قولٍ لم يشرع بحال (١) .
-
وليس هذا من خصائص هذه المسألة؛ بل كل مسألة فيها نزاع فالقول المخالف في نفس الأمر لحكم الله ورسوله لا بُدَّ أنْ يكونَ من جنسِ الدين المنسوخ أو المبدل (٢) ، وإنْ كانَ قائله مجتهدًا مثابًا على ما فعله من طاعة الله ورسوله وخطؤه مغفور له، لكن ليس لله ورسوله في كلِّ حادثةٍ إلا حكمٌ واحدٌ هو الذي بعث به رسوله، وسائرها ليست كذلك وإِنْ عُذِرَ فيها أصحابها وَأُجِرُوا.
-
ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لسعد بن معاذ لما حكم في بني قريظة: «لقد حكمتَ فيهم بحكمِ اللهِ منْ فوقِ سبعة أرقعة» (٣) .
- vol. 2, p. 40
وكان يقول لمن يُؤَمِّره على [١٣/ ب] سريةٍ أو جيش: «وإذا حاصرتَ أهلَ حصن فسألوك أنْ تُنْزِلَهُم على حكمِ الله فلا تنزلهم على حكم الله؛ فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك» (١) وكلا الحديثين في الصحيح.
وقال سليمان ــ عليه السلام ــ: «أسألك حكمًا يوافقُ حكمَكَ» وهو حديث جيد، رواه الحاكم في صحيحه (٢) .
-
ولهذا كان الصحابة كأبي بكر وابن مسعود وغيرهما يقول أحدهم: (أقولُ فيها برأيي؛ فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكنْ خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه) ( ٣) .
- vol. 2, p. 41
والناسُ يُدخلون الحلفَ بالطلاقِ والظهارِ والحرامِ والنذرِ في أيمان المسلمين مع أن أكثرهم لا يعرفون أيمانَ البيعة، وقد كان الناسُ يسمونَ التعليق الذي يُقصدُ بِهِ اليمين يمينًا قبلَ أَنْ يُستحلفَ الناسُ في البيعة بهذه الأيمان؛ فقد سماها الصحابة مثل: عمر وابنه وابن عباس وعائشة وحفصة وزينب وغيرهم أيمانًا قبل أنْ تدخلَ هذه في أيمان البيعة.
-
فإنَّ أولَ من رتَّبَ هذه الأيمان في البيعة هو: الحجاج بن يوسف على ما ذكره الفقهاء في كتبهم، والحجاج إنما تولى العراق بعد قتل ابن الزبير، وكان ابن عباس - رضي الله عنهما - قد ماتَ قبلَ ذلكَ بمدةٍ، وتوفي ابن عمر - رضي الله عنهما - عامَ قتل ابن الزبير سنة بضع وسبعين، وإمارةُ الحجَّاج على العراق من جهة عبد الملك وتحليفه الناس له بأيمان البيعة ــ الطلاق والعتاق وصدقة المال ــ [كان] (١) بعد هذا، ثم كان مِنَ الناس مَنْ يحلفهم بها ومنهم من لا يحلفهم.