الجواب عن قول المعترض: (وهذا أمر مشهور عند العوام من ذلك العصر. . . إلخ)
18 paragraphs · vol. 2, p. 42
- vol. 2, p. 42
وكانت إمارة هشام بن عبد الملك في أوائل المائة الثانية بعد عمر بن عبد العزيز وبعد أخيه يزيد، وهو آخر الأربعة من بني عبد الملك الذين تولوا الخلافة: الوليد وسليمان ويزيد وهشام؛ فكان توبة بن أبي أسيد لما امتنع أن يحلفهم بالطلاق قد أحسن إليهم حيث خرج عن العادة والسُّنَّة التي سَنَّهَا لهم الحجاج، وكانوا يحلفونهم بالله وبالنذر كصدقة المال ويحلفونهم بالطلاق والعتاق (١) .
-
ثم اليمين بالله تعالى مُكَفَّرَة بالكتاب والسنة والإجماع، وكذلك اليمين بالنذر عند جمهور السلف والخلف تكفر، وعليه دَلَّ [١٤/ أ] الكتاب والسنة، فكون الطلاق والعتاق مما كانوا يُحَلَّفُون به لا يمنع أن يكون من أيمان المسلمين المكفرة، كما كان الحلف بالله وبالنذر من أيمان المسلمين المكفرة وإن حلفوا بها.
-
وأما قوله: (وهذا أمرٌ مشهورٌ عند العوام من ذلك العصر، ولولا ذلك لم يمتنعوا منه، ولم يحلِّفوهم به، ولاكتفوا منهم بالأيمان بالله (٢) ).
-
فيقال: أما تسمية التعليق الذي يُقصد به اليمين أيمانًا فهو مشهورٌ عند الخاصة والعامة قبل ذلك العصر بل قبل الإسلام، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ
vol. 2, p. 43حلفَ بملة غير الإسلام فهو كما قال» (١) ، والصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر علماء المسلمين يسمون هذه أيمانًا.
-
وأما تحليف الولاة أو غيرهم بها؛ فلا ريب أنَّ الصحابة لم يكونوا يحلِّفونَ أحدًا بطلاق ولا عتاق ولا ظهار ولا حرام ولا نذر مثل: الحلف بالمشي إلى مكة وصدقة المال وغير ذلك من الأيمان التي أحدث الحجاج ومن بعده تحليف الناس بها في البيعة، بل أحدث بعض قضاة الحنفية تحليفَ الناس أيمانَ الحكمِ بالطلاقِ مع أنَّ هذه بدعةٌ لم تُعْرَف عن أحد من السلف ولا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، وذكر ابن عبد البر إجماعَ العلماء على أنه ليس للحاكم أن يحلف الناس إلا باسم الله (٢) .
-
بل النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه الراشدون لم يكونوا عند المبايعة يَحلِفون يمينًا أصلًا، بل كانت المبايعة عقدًا (٣) من العقود، فيقال: بايعناك على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وأَثَرَةٍ علينا، وأن لا نُنَازعَ الأمرَ أهله. أو يقول: أو نقوم بالحق حيث ما كنا لا نخاف في الله لومة لائم (٤) ، أو بايعناك على
vol. 2, p. 44أن لا نَفِرَّ (١) ، بايعناك على الموت (٢) . كما يقال: عاهدناك وعاقدناك.
-
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبايع الناس ويبايعونه، وذلك معاهدة ومعاقدة، وهي عقودٌ لازمة تنعقدُ بأيِّ لفظٍ دَلَّ على المقصود كسائر العقود، وهذه يجب الوفاء بها وإن لم يكن فيها حلف بالتزام ما يُكره لزومه، وقد تسمى يمينًا ــ أيضًا ــ، وما وجب الوفاء به من العقود مع الحلف بالأيمان التي يلتزم فيها ما يكره لزومه عند الحنث وجب الوفاء به [١٤/ ب] بدون ذلك، وما لم يجب الوفاء به بدون هذه الأيمان لم تكن اليمين موجبة لما لم يكن واجبًا، ولكنها تؤكد الواجب؛ فلما كان الناس على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه يوفون بعقد المبايعة بلا إقسام، كانوا يبايعون بيعة مطلقةً (٣) ، ثم لما حَدَثَ غَدْرُ الناس ونكثهم لبيعة أئمتهم وحدث ظلم الأئمة لهم صاروا يُغلِّظون مبايعتهم بالإقسام باسم الله، وتارة يَضُمُّونَ إلى ذلك ما يحلف به من أيمان المسلمين أو بعض ذلك.
-
ومن المعلوم أنَّ هذا التغليظ لا يُغَيِّرُ حكمَ الله ورسوله؛ بل ما أوجبه الله من طاعة ولاة الأمور (٤) وحَرَّمَهُ من غِشِّهم والخروج عليهم= فهذا واجب ومحرم بدون البيعة، ومبايعتهم على ذلك مبايعة على ما هو واجب بدون المبايعة؛ كما أنَّ مبايعة الصحابة للرسول - صلى الله عليه وسلم - مبايعة على ما هو واجب عليهم بدون المبايعة، فإنَّ طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - واجبة فيما يأمرهم به، بايعوه أولم يبايعوه، ولكن مبايعته التزام لأداء هذا الواجب بالشرع، كذلك المبايعة
vol. 2, p. 45الشرعية لولاة الأمور التزام لما أوجبه الله ــ تعالى ــ ورسوله لهم بالشرع، ليس في المبايعة لهم تغيير لما أمر الله به ورسوله (١) .
-
ثم لما أحدث الناس أَنْ يُقْسِمُوا على ذلك ويحلفوا عليه كانت هذه الأيمان مُؤَكِّدَةً لما أوجبه الله ورسوله ليست مغيرة لشرع الله ورسوله؛ فالواجب بها واجب وإن لم يحلف الحالف بها، ومن حلف بها على فعل محرم أو ترك واجب لم يكن له أن يفي بموجبها؛ فالكفار والمنافقون (٢) إذا حلَّفوا المسلم على أنَّه يعاونهم على الكفر بالله ومعصيته ومعصية رسوله
وتضييع فرائضه وتضييع حدوده=لم يكن له أَنْ يوفي بهذه الأيمان، ولهذا كان المنافقون الملاحدة الباطنية يحلِّفون الناس بالأيمان المغلظة على كتمان أسرارهم، مظهرين لهم أنهم من أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنهم يدعون إلى الإيمان بالله ورسوله فيحلف لهم من يظنهم كذلك، ثم يتبيَّنُ له أنهم منافقون ملاحدة مبطنين الكفر بالله ورسوله وكتابه ودينه (٣) .
-
[و] (٤) صار الفقهاء يختلفون في موجب هذه الأيمان؛ [١٥/ أ] منهم من يقول: لا يلزم منها شيء؛ لأنَّ الحالف إنما حلف لمن يعتقده مؤمنًا وليًّا لله من آل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يحلف لمنافقٍ ملحدٍ. ومنهم من يقول: بل هي
vol. 2, p. 46أيمان لازمة؛ ثم يأمرون بتكفير ما يرون (١) تكفيره، وما لا كفارة له عندهم كالطلاق والعتاق يحتال له بالحيل التي ذكرها بعض من يراها أيمانًا (٢) لازمة إما بخلع اليمين وإما بدور الطلاق وإما بنكاح التحليل، وأما من يقول أيمان المسلمين مكفرة فغاية هذه أن تكون عنده أيمانًا مكفَّرة.
-
والمقصود هنا: أنه ليس في تحليف مَنْ حَلَّفَ بذلك دليل على حكم شرعي أصلًا، ولكن من الناس من يقيم مذهبه بانتصاره ببعض الولاة الذين لا علم عندهم يفصلون به بين الناس فيما تنازعوا فيه، وقد يوهمونه أَنَّ أحد القولين يضاد مقصوده أو أنه يضره؛ وقد يكونون كاذبين في ذلك، ويكون
قولهم أعظم مناقضة لمقصوده وأضر عليه وهو لا يعرف ذلك، ومن الناس مَنْ يكونُ مَيلُهُ إلى أحد القولين لهواه وغرضه لا لأجل أنه الحق الذي بعث الله به رسوله وهذا كثيرٌ في الولاة والرعية، وقد تجتمع شهوة وشبهة وإذا كان ذلك في الولاة كان مثل هذا من أسباب خفاء الحق في بعض المسائل عند كثير من الناس أو أكثرهم؛ كما قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: (كيف بكم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير؟! إذا تركت بدعة، قيل: تركت السنة) (٣) .
- vol. 2, p. 47
ولهذا كان بعض الناس قد يظلم بعض العلماء؛ كما ظلموا مالك بن أنس ــ رحمه الله تعالى ــ لما أفتى بأنَّ يمين المكره لا تنعقد، وضَرَبَهُ مَنْ ضَرَبَهُ بطريق الظلم ثلاثين سوطًا (١) ، والشافعي ــ رحمه الله تعالى ــ ظلموه لما قَدِمُوا به على الرشيد (٢) ، وقد روي أنه قيل له لما قَدِمَ على الرشيد بغداد: لا تتكلم في مسألتين: إحداهما: مسألة الحلف بالطلاق قبل النكاح (٣) .
-
والشافعي في قوله وقول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين: أنَّ الطلاق المعلَّق على النكاح باطل، فإذا حلف به لم يلزم شيء، ومذهب طائفة من السلف من الصحابة والتابعين: أنه يلزم في الخصوص كقول مالك، وذهب آخرون [١٥/ ب] إلى أنه يلزم في العموم والخصوص كقول أبي حنيفة؛ فعلى هذا القول إذا قال في أيمان البيعة: وكل امرأةٍ أتزوجها فهي
vol. 2, p. 48طالق= طلقت كل امرأة يتزوجها.
-
وأبو حنيفة ــ - رحمه الله - ــ وطائفة يقولون: يمين المكره منعقدة؛ فتبقى هذه اليمين لازمة وإنْ كانَ صاحبها مكرهًا، وأما مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء ــ رحمهم الله تعالى ــ فلا تَطْلُق عندهم كل امرأة يتزوجها لوجهين: أحدهما: لقوله: كل امرأة أتزوجها فهي طالق. والثاني: كونه مكرهًا؛ ويمين المكره لا تنعقد.
-
ومع هذا؛ فلم يكن في تحليف من حلف بها دليل شرعي على لزوم المعلَّق، وكذلك لم يكن في الإكراه على الأيمان في البيعة وغيرها دليل شرعي على انعقاد يمين المكره؛ فالاستدلال بتحليف مَنْ حَلَّفَ بأيمان الطلاق على أنهم لولا لزومه لهم لم يمتنعوا منه ولم يحلفوهم = حجةُ جاهلٍ بالأدلة الشرعية؛ كما لو استدل بمثل ذلك على لزوم النذر للحالف بالنذر، وعلى لزوم الطلاق المعلق بالملك لتحليف مَنْ حَلَّفَ به، والاستدلال على انعقاد يمين المكره لتحليف من حلف به، وكذلك الاستدلال بامتناع الممتنع من الحلف بأنه قد يمتنع من ذلك خوفًا أن يلزموه بطلاق امرأته إذا حنث وإنْ كان لا يعتقد ذلك، وقد يمتنع لاعتقاده لزوم الطلاق كما يعتقد لزوم ما علقه من النذر.
-
وليس اعتقاد طائفة من المسلمين حجة شرعية يجب [أن] (١) ترد إليها الأحكام الشرعية، لاسيما والنزاع في مثل هذه المسائل غير مدفوع؛ فإنَّ أبا حنيفة مثلاً يقول: يمين المكره منعقدة، ويقول: إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، وكل عبد أملكه فهو حر= طلقت كل من تزوجها، وعَتَقَ كل من
vol. 2, p. 49يملكه، ويقول بلزوم النذر المحلوف به في المشهور عنه والطلاق والعتاق، وأكثر العلماء ينازعونه في ذلك.
-
ومن رأى لزوم الأيمان وصعوبة ذلك احتاج إلى الاحتيال لمن يُبْتَلَى بذلك، فصنف محمد بن الحسن وغيره كتاب (الحيل) في هذا الباب وغيره (١) ،
واحتجوا بقصة أيوب ــ عليه السلام ــ (٢) ، بل صَدَّرُوا بها كتبهم، وهذه الحجة تروى عن بعض التابعين وأظنها مروية عن عطاء (٣) ، وفهموا من الآية أن الله
vol. 2, p. 50[١٦/ أ] احتال لأيوب في يمينه، ونازعهم أكثر العلماء في ذلك؛ فمنهم من قال: تلك خاصة لأيوب، لأنَّ الله وجده صابرًا، ومنهم مَنْ قال: هذا شرع من قبلنا فلا يكون شرعًا لنا إلا بدليل خاص، وشرعنا قد جاء في الضرب الواجب بالتفريق، ومنهم مَنْ قال: لا حيلة في ذلك، بل لم يكن في شرعهم كفارة، وكانت اليمين توجب المحلوف عليه في شرعهم فخفف الواجب بالنذر، كما خفف الواجب بالشرع في ضرب الزاني فإنه يجب تفريق الضرب، وإذا كان مريضًا يخاف عليه من الضرب المفرق جُمِعَ عليه الضرب كما جاءت به السنة (١) ، لم نَقُل ذلك في كل مريض يُخَافُ عليه، ونُقِلَ في المريض الذي
vol. 2, p. 51أيس من برئه (١) ، وهما وجهان في مذهب أحمد (٢) .
-
وأنكر أكثر العلماء ما قاله أولئك في حيل الأيمان، وكانت الأيمان عند الجمهور لا تحتاج إلى الحيل التي احتاج إليها أولئك، لأنَّ يمين المكره لا تنعقد عند أكثرهم، وكذلك الحلف بالنذر يمين مكفرة عند الأكثرين إلا مالكًا؛ فمنْ طَرَدَ الدليل والقياس في الحلف بالطلاق والعتاق سَلِمَ من التناقض، وكان قوله متضمنًا إظهار محاسن الإسلام التي بعث بها خير الأنام، ومن تناقض قوله لم يكن ذلك قادحًا في حُسْنِ ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسلامته من التناقض.