الجواب عن قول المعترض: (العتق قربة، والحالف لم يقصد التقرب بعتقه بخلاف الطلاق)

20 paragraphs · vol. 2, p. 370

  1. [٩٦/ ب] بطريق الأولى والأحرى.

    vol. 2, p. 370
  2. وأما قول القائل: (العتقُ قربةٌ، والحالف لم يقصد التقرب بعتقه، بخلاف الطلاق فإنه ليس بقربة، فلا يشترط ذلك فيه) (١) .

  3. فيقال له: لا ريب أَنَّ النزاع في اشتراط القصد في إيقاع الطلاق أظهر من النزاع في اشتراط التقرب في إيقاع العتق؛ فإنَّ طائفة ذهبوا إلى أنَّ طلاق الهازل لا يقع، وضعفوا الحديث المأثور فيه (٢) ،

    وقالوا: لا يقع الطلاق إلا بالنية، وذكر أبو بكر عبد العزيز عن أحمد في اشتراط النية في الطلاق روايتين (٣) .

  4. وأيضًا؛ فلا ريب في اشتراط قصد المتكلم به، فلو أراد أن يقول: طاهر، فسبق بطالق، لم يلزمه فيما بينه وبين الله شيء بلا نزاع.

  5. وأما كون العتق لا يقع إلا إذا قصد به المعتق التقرب إلى الله، فهذا من

    vol. 2, p. 371أغرب الأقوال! وما علمتُ هذا القول منقولًا عن أحد من العلماء المعروفين المعتبرين، وإنما يحكى هذا عن بعض الرافضة، وبكل حال فهو قولٌ معلومُ الفسادِ (١) ، فإنَّ عتق الكافر يصح بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الثابتة عنه، فغير واحد من الكفار أعتق مملوكًا له وأنفذ النبي - صلى الله عليه وسلم - عتقهم، كما أنفذ ما فعلوه من العطية التي قصدوا بها الصدقة (٢) .

    وقد قال عمرو بن العاص: إنَّ العاص بن وائل نَذَرَ أن يعتق [ ... ] (٣) .

  6. وما يشترط فيه التقرب إلى الله كالصلاة والحج لا يصح من كافر، وإِنْ قيل: إِنَّ الكفار كانوا يقصدون بعتقهم التقرب إلى الله ولهذا يثابون على ذلك إذا أسلموا في أظهر القولين؛ كما في الصحيح من حديث حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت أمورًا كنت أتحنث بها في الجاهلية من

    vol. 2, p. 372صدقة وعتاقة [وصلة رحم] (١) هل لي فيها من أجر؟ فقال: «أسلمتَ على ما أسلفتَ من خيرٍ» (٢) .

  7. ولا ريب مع ذلك أنهم كانوا يعتقون لأسباب أخر، والكتابة جائزة بالنص والإجماع وهي معاوضة، ولو قال السيد لعبده: إِنْ أعطيتني ألفًا فأنت حر، فأعطاه عَتِقَ ــ أيضًا ــ، والمعاوضة تمنع أن تكون قربة محضة.

  8. وفي الجملة؛ جَعْلُ العبد حرًّا إعادة له إلى [٩٧/ أ] الأصل، وهذا أَمْرٌ لازمٌ في الشرع، سواء قصد أن يعتقه لله أو يعتقه لغرض آخر، لكن إن أعتقه لله أثابه الله على ذلك، وإذا عمل لغير الله لم يثبه الله، كما إذا أعطى غيره مالًا يُمَلِّكُهُ، وإن كان أعطاه لغرض يناله منه من [مالٍ] (٣) وَنَفْعٍ لم يعطه لله، لكن إن أعطاه لله كان صدقة لله يثيبه الله عليها، وأما حصول الملك للمعطى فلا يشترط فيه قصد التقرب، ولهذا لو عَلَّقَ العتق تعليقًا يقصد به الإيقاع عند الصفة= لوقع وإن لم يقصد به التقرب، وقد ذكر الإجماع على ذلك غير واحد (٤) .

  9. وفي الجملة؛ فهذا مما لا يعرف فيه نزاع بخلاف الطلاق المعلق بالصفة، فإنَّ النزاع فيه معروف، وهو في التعليق الذي يقصد به اليمين أظهر

    vol. 2, p. 373وأظهر، فيمتنع أن يحمل كلام الصحابة على خلاف الإجماع الذي لا يعلم فيه نزاع، ولا يحمل على خلاف ما ظُنَّ من الإجماع الذي عرف فيه النزاع.

  10. فَمَن حَمَلَ كلامَ الصحابة على أنهم أفتوا بالكفارة لكون العتق لا بُدَّ أن يقصد به التقرب، فقد حَمَلَ كلامهم على خلاف إجماعٍ، اعتقادُ كونِهِ إجماعًا= أظهر من اعتقاد كون الطلاق المعلَّق بالصفة ــ فضلًا عن المحلوف به ــ إجماعًا؛ فكان حَمْلُ كلامهم على ما لا يخالف ذلك الإجماع ــ وإن خالف الثاني ــ أولى من حمل كلامهم على ما يخالف الإجماع الأول دون الثاني.

  11. وأيضًا؛ فالصحابة رتَّبوا الحكم على كون التعليق يمينًا، فقالوا: كَفِّرِي يمينك، وسَوَّوَا في ذلك بين جميع ما علقه على وجه اليمين، والحكم المعلَّق باسم مشتق مناسب: يدل على أن ذلك المعنى هو المؤثر في الحكم، فدلَّ على أن المؤثر عندهم كونه قصد بالتعليق اليمين، لا كونه لم يقصد التقرب بالعتق.

  12. وأيضًا؛ فلو كان المانع كونه لم يقصد التقرب بالعتق لكان ذلك يوجب إبطال العتق لا يوجب الكفارة، والصحابة أوجبوا كفارة يمين، وكفارة اليمين لا تجب في إيقاع العتق الذي لم يقصد به القربة عند أحدٍ من المسلمين، كما أَنَّ الكفارة لا تجب في إيقاع الطلاق الذي لم يقع، فلم يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ مَنْ أوقعَ [٩٧/ ب] الطلاق فلم يقع يلزمه كفارة يمين، ولا أَنَّ من أوقع العتق فلم يقع تلزمه كفارة يمين، فضلًا عن أَنْ يقال: إنَّ مَنْ قصد إيقاع العتق لغير الله، فلم يقع يلزمه كفارة يمين، بل لو نذر نذرًا لغير الله لم يلزمه كفارة يمين بلا ريب، فلو نذر نذرًا لبعض المخلوقات لم ينعقد ولا كفارة فيه.

  13. فإنَّ الناذر إما أن يقصد التقرب إلى الله، وإما أن يقصد التقرب إلى غيره، وإما أن يقصد معنى اليمين لا يقصد التقرب إلى أحد؛ فهذه الأقسام الثلاثة التي تسمى نذرًا؛ فإنْ قصد التقرب به إلى الله لزمه الوفاء، وإنْ قصد التقرب إلى غيره كان شركًا، كما لو حلف بغير الله، وعليه أن يتوب إلى الله من عقد هذا النذر ويستغفر، ويؤمر أن يفعل حسنة تمحو هذا النذر، كما يؤمر الحالف بغير الله، كما في الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ حلف فقال في حلفه باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعالَ أقامرك؛ فليتصدق» (١) .

    vol. 2, p. 374
  14. وفي سنن النسائي وغيره عن أبي إسحاق السبيعي، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: حلفتُ باللات والعزى. فقال لي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بئسَ ما قلتَ، اِئتِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنا لا نراك إلا قد كفرت، فلقيته فأخبرته، فقال: «قل: لا إله إلا الله وحده ثلاث مرات، وتعوَّذَ من الشيطان ثلاث مرات، واتفل عن شمالك ثلاث مرات، ولا تَعُدْ (٢) له» (٣) .

  15. وفي لفظ النسائي وغيره (٤) ــ أيضًا ــ فقال: «قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، واتفل عن شمالك ثلاث مرات، وتعوَّذ بالله من الشيطان، ثم لا تعد» .

  16. وأما إِنْ قصد معنى اليمين: إما بالنذر المفرد، كقوله: لله عليَّ أَنْ أقتل فلانًا إن ظفرت به، وعَليَّ أَنْ أُغِيْرَ على بني فلان ونحو ذلك، وإما بأنْ يُعَلِّقَ على الفعل ما يلزم إذا قصده، ويقصد بالتعليق اليمين لا لزومه، كقوله: إِنْ فعلت كذا فعليَّ الحج وعليَّ عتق رقبة، فهذا النوع يمين.

    vol. 2, p. 375
  17. ومعلومٌ أنه إذا قصد النذر لغير الله ولم يقصد به اليمين لم يكن عليه كفارة يمين، فلو كان الصحابة قد أبطلوا [٩٨/ أ] العتق لكونه لم يقصد التقرب به إلى الله لا لكون الحالف قصد اليمين = لم يكن عليه كفارة يمين، فلما أفتوه بكفارة يمين دَلَّ على أنهم جعلوا هذا يمينًا، لم يجعلوه من باب مَنْ قصد أن ينذر لغير الله أو يتقرب إلى غير الله أو يعتق لغير الله.

  18. وأيضًا؛ لو كان العلة ما ذكره (١) لم تجب كفارة لا في النذر ولا في العتق، كمن نذر لغير الله، فإنه من المعلوم أن النذر لغير الله لا يلزم، بل يشترط في النذر اللازم أن يكون الناذر قصد التزامه لله؛ فإنَّ النذر أن يلتزم لله وإن كان قد التزمه على سبيل المقابلة لِمَا حصل له من النعمة، وهذا أحد الأسباب التي علل بها كراهة النذر.

  19. قال أبو جعفر محمد بن جرير بعد أَنْ ذَكَرَ حديثي ابن عمر وأبي هريرة في النذر أنه لا يأتي بخير وأنه لا يَرُدُّ القَدَرَ (٢) قال (٣) : (لا ينبغي لأحدٍ ثَبَتَ عنده

    vol. 2, p. 376نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينذر؛ فيكون جامعًا بذلك من فعله خلالًا ضارة غير نافعة؛ منها: تغريمه ما نذره من ماله؛ إذ كان يلزمه بنذر ما نذر الوفاء به من غير اعتياض منه بذلك عوضًا من ثواب الآخرة ولا من عرض الدنيا).

    قلت: وهذا فيه نظرٌ وكلامٌ ليس هذا موضعه.

    قال (١) : (ومنها: التقدمُ على نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عما نهى عنه من النذر، وغير مأمون عليه بذلك من فعله العقوبة من الله إما عاجلة وإما آجلة.

  20. ومنها: الاستخفاف بحق الله، إذ جعلَ لِمَا سَأَلَه من حاجته أن يصيب عوضًا من ماله، أو من عمل بدنه، ولم يتمحض ما كان منه من ذلك لله خالصًا لوجهه إلا بعوضٍ يُعَجَّلُ له منه، وقد ذَمَّ الله قومًا عبدوه على هذا المعنى في كتابه فقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} الآية [الحج: ١١] غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإنَّ على الناذر نذرًا في طاعة الله الوفاءَ به لإجماع الجميع نقلًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الواجب عليه ذلك، وقد روي عنه بذلك من جهة نقل الآحاد آثار يستغنى بنقل الجميع عنها، غير أنا سنذكر بعضها)، ثم ذكر حديث القاسم عن عائشة (٢) ، وحديث عمر في نذره الاعتكاف (٣) .