الجواب الرابع عن قول المعترض: إنما ذكر البخاري ذلك في باب الطلاق. . . إلخ
9 paragraphs · vol. 2, p. 407
- vol. 2, p. 407
وَقَوَّلَها لهم، ونقلها بحسب فهمه وقياسه مع خطئه؛ فكيف يُنْكِرُ على غيرِهِ نَقْلَ قولِ قائلٍ منهم مع القطع بأنه أراد المعنى الذي نقله؟! ومع أَنَّ حذف «إنما» وإثباتها في هذا الموضع مما لا فرق بينهما في المعنى، بل التسوية بينهما قول أهل العلم قديمًا وحديثًا، وإن كان في ذلك نزاعٌ فهو شاذ فاسد.
-
الجواب الرابع: قوله: (إنما ذكر البخاري ذلك في باب الطلاق في [١٠٦/ ب] الإغلاق والمكره والسكران والمجنون وأمره والغلط والنسيان في الطلاق والشرك وغيره، ومقصوده ــ والله أعلم ــ: ما إذا قام مانع من الأشياء المذكورة في الترجمة يمنع من قصد الطلاق، ولم يَسُقِ الكلامَ في معرض حَلِفٍ ولا نذر) .
-
فيقال: لا ريب أن هذا مقصود البخاري، وهو أنه ما مَنَعَ من قصد الطلاق مَنَعَ من وقوعه، كالإكراه والسُكر والإغلاق؛ والإغلاق يُفَسَّرُ بالغضب وبالإكراه وبالجنون (١) .
-
وذكر قول ابن عباس: الطلاق عن وطر، والعتق ما ابتغي به وجه الله؛
- vol. 2, p. 408
والوَطَرُ: واحد أوطار النفس، قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب: ٣٧] ، وهو: ما يقصده الإنسان ويريده، وهو غَرَضُهُ ومقصوده.
-
وهو إما أَنْ يريد نفس المصدر، وإما أن يريد به المفعول به؛ فإما أَنْ يقال: لا طلاق إلا عن إرادةٍ وغرضٍ في الطلاق، وإما أَنْ يقال: لا طلاق إلا عن أمرٍ مراد، مراد ذلك المراد وهو وطر الإنسان، وذلك المراد يوجب له إرادة الطلاق؛ وعلى التقديرين فلا بُدَّ أن يكون مريدًا للطلاق.
-
بَيَّن البخاري ــ رحمة الله عليه ــ أَنَّ ابن عباس - رضي الله عنه - حَصَرَ الطلاق فيما كان عن أَمْرٍ مرادٍ للإنسان أوجب أَنْ يُطَلِّق، فإنَّ إرادة الطلاق لا تكون إلا بسببٍ أوجبَ تلك الإرادة، وإلا فالمرأة كانت زوجته ولم يكن يريد طلاقها، فلا يكون مريدًا للطلاق إلا بسبب اقتضى إرادته وهو الوطر، مثل إرادته أن يتزوج غيرها ولا يحصل ذلك إلا بطلاقها؛ كما قال تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء: ٢٠] ، أو عن إرادة سكنى بلد آخر لا يمكن نقلها إليه، أو طلب مال أو ولاية أو غير ذلك مما لا يحصل إلا بطلاقها، فيطلقها لذلك الوطر، أو عن بُغْضٍ منه لها إما لخَلقها أو لخُلقها أو دينها، ويكون بُغْضُهُ لذلك داعيًا له إلى طلاقها، وإما لطلب أبيه لطلاقها فيطلِّقها طاعةً لأبيه؛ كما طَلَّقَ ابن عمر - رضي الله عنهما - امرأته لَمَّا أَمَرَهُ أبوه عمر - رضي الله عنه - بطلاقها، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: «أطع أباك» (١) ، فإرادته [١٠٧/ أ] لطاعة أبيه وبِرِّهِ اقتضت أَنْ
vol. 2, p. 409يُطَلِّقَ امرأته (١) .
-
فهذا ونحوه هو الطلاق عن وطر، والحالف كاره لطلاقها، ليس هناك سبب يدعوه إلى طلاقها، فلا يريد الطلاق، ولا يريد شيئًا يقتضي إرادة الطلاق، بل هو كاره للطلاق كراهةً أقوى وأثبت من كراهته للشرط الذي عَلَّقَ به الطلاق، ولكون كراهته للطلاق أقوى وأثبت عَلَّقَهُ بذلك الأمر الذي كراهته له دون كراهته للطلاق، وَجَعَلَ الطلاقَ لازمًا له ليكون امتناعه من الطلاق مانعًا له من ذلك الشرط، فلا يكون لا الطلاق ولا ذلك الشرط.
-
فالحالف كاره للجزاء المعلق ــ كالطلاق ــ كراهة ثابتة، سواء وجد الشرط أو لم يوجد، وكاره للشرط الذي علق به الطلاق كراهة دون ذلك؛ ولهذا جعل الطلاق له ليكون امتناعه من اللازم موجبًا لامتناعه من الملزوم، ثم تزول كراهته للشرط فيريد فعله ويريد أن لا يوجد الطلاق اللازم؛ فإما أن يحنث وإما أن يندم على اليمين، كما قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: اليمين حنث أو مندمة (٢) ، ويروى هذا مرفوعًا (٣) .