بيان غلط المعترض على ابن تيمية بنسبة بعض الأقوال إليه

28 paragraphs · vol. 2, p. 56

  1. بالنصوص فيما لم تدل عليه، وهذا غاية ما يكون من تحريف الكلم عن مواضعه ولبس الحق بالباطل، وإن كان صاحبه المتأوِّل معه مغفورًا له خطؤه، وهو مأجور على ما فعله من الحق.

    vol. 2, p. 56
  2. وكذلك هذا الحديث هو وشروط عمر - رضي الله عنه - تدل على أن أهل العهد إذا خالفوا العهد بترك شيء مما شُرِطَ عليهم = انتقض عهدهم وحَلَّت دماؤهم وأموالهم، لا سيما مع بيان ذلك بقوله: «وبرئت منكم ذمة الله إن كتمتم شيئًا» مع أن كثيرًا منهم ينازع في هذا.

  3. وقد أورد على نفسه سؤالًا صحيحًا، وأجاب عنه بجواب كذب! فقال:

    (فإنْ قلتَ: القتل لم يكن بمقتضى الشرط، وإنما كان لأن المصالحة وقعت على الوفاء بالشرط، فلما لم يَفُوا به رجعوا إلى الأصل الذي كانوا عليه؛ وهو الحرابة.

    قلت: ابن تيمية يَدَّعي أنَّ [١٧/ ب] الشرط متى لم يكن مقصودًا في نفسه، وَقُصِدَ به حث أو منع أو تصديق أو تكذيب لم يترتب عليه إلا الكفارة؛ وهذه القصة ترد عليه).

  4. فيقال له: هذا غلطٌ مقطوعٌ بغلط صاحبه على ابن تيمية؛ [إذ لم يقل] (١) هذا قط! بل ولا خَطَرَ هذا بقلبه، ولا قال هذا أحد من الناس قبله، ولا يقول هذا عاقل! وكلام ابن تيمية وكتبه الكثيرة المصنفة في الأيمان والطلاق كلها تُصَرِّحُ بنقيض هذا القول تصريحًا لا يحتمل النقيض.

  5. وهذا من جنس كذب مَنْ يقول: ابن تيمية يفتي بالكفارة في كل طلاق

    vol. 2, p. 57معلَّق لأنَّ هذا حالف، أو يفتي به في كل طلاق لأنَّ المطلق حالف؛ وابن تيمية إنما قال ذلك فيمن حلف يمينًا سواء كانت بصيغة القسم أو بصيغة التعليق (١) .

  6. والتعليق الذي يُقْصَدُ به القسم تسميه الناس كلهم يمينًا، والصحابة - رضي الله عنهم - سموه يمينًا، وأفتوا فيه بكفارة يمين، وروي عن بعضهم رواية أخرى أنهم ألزموا بموجَبه، وجمهور التابعين بعدهم يسمون هذا التعليق يمينًا، وأكثرهم أفتوا في جنس هذا التعليق بكفارة، ومنهم مَنْ خَصَّصَ، لكنَّ اسم اليمين لم يتنازعوا فيه.

  7. وابن تيمية سماه يمينًا كما سماه هؤلاء يمينًا، وأدخل في اليمين المذكورة في القرآن هذا التعليق الذي يقصد به اليمين كما أدخله الصحابة في القرآن، ولم يُفَرِّق بين تعليق وتعليق إذا كان كلاهما يُقْصَدُ به اليمين، والصحابة - رضي الله عنهم - لم يعرف عن أحد منهم أنه فَرَّقَ بين تعليق وتعليق، وكذلك كثيرٌ من التابعين ومن بعدهم لم يُعْرَف عنه الفرق، بل منهم مَنْ عُرِفَ منه طردُ الأصل الذي دَلَّ عليه القرآن، ومنهم مَنْ عُرِفَ أصله ولم يعرف تناقضه، ومنهم من تناقض؛ وكذلك مَنْ بعدهم.

  8. ومعلومٌ أن هؤلاء لم يجعل أحدٌ منهم كُلَّ شرطٍ لم يقصد وقصد به حث أو منع يمينًا، بل هم وسائر الأمم يعلمون أنَّ الشرط الذي لم يقصد وقصد به حث أو منع إذا كان المعلق به وعيدًا كان جنسًا آخر غير اليمين، بل غالب (٢) ما يستعمل الفقهاء لفظ الحث والمنع فيما يخص اليمين، وما سوى ذلك يسمى أمرًا ونهيًا وشرطًا وعقدًا، كما يقال: شَرط عليهم ألا يكتموا شيئًا [١٨/ أ] وقال:

    vol. 2, p. 58«إن كتمتموني شيئًا برئت منكم الذمة» ومثل هذا لا يدخل في قول الفقهاء: إذا حلف يمينًا يقصد بها حضًا أو منعًا، فإنه لا يسمى يمينًا بحال، وهم لا يُدخلون هذا في لفظ الحض والمنع الذي يستعملونه (١) في الأيمان، وإنْ كان يسمى في اللغة منعًا؛ فإنَّ هذا مَنْعٌ دخل بين اثنين فصار له اسم يخصه.

  9. وإنْ كان المعلَّق به دعاءً على الغير لم يكن يمينًا؛ كما يقول الإنسان لغيره: إنْ ظلمتني فالله ينتقم منك، وإن لم تعطني حقي فالله يأخذ حقي منك ونحو ذلك؛ فإنَّ هذا شرط ليس مقصودًا في نفسه، ومقصوده أَنْ يعطيه حقه وليس يمينًا، بخلاف ما لو كان الدعاء على نفسه كقوله: إنْ لم أعطك حقك يقطع الله يدي ورجلي؛ فهذا يمين سواء كانت مُكفَّرة أو غير مُكفَّرة.

  10. وكذلك ألفاظ الوعيد كقوله تعالى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: ٣٨] {وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ} [الأنفال: ١٩] {وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: ٨] ، ولم يقل أحدٌ أَنَّ هذا يمين.

  11. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا نصرني الله إنْ لم أنصر بني بكر» (٢)

  12. يمين، وكذلك قول القائل: إِنْ لم أفعل كذا، وإن فعلت كذا فكل مملوك لي حرٌّ وكل امرأة لي طالق وعليَّ ثلاثون حجة ومالي صدقة= يمينٌ.

  13. وإذا قال: إِنْ خالفتِ أمري أو عصيتني أو فعلتِ ما نهيتُكِ عنه فأنت طالق ــ وقصدُهُ أَنْ يقعَ الطلاقُ إذا فعلت ذلك ــ فهذا مُطَلِّقٌ عند الصفة طلاقًا مقيدًا موصوفًا بتلك الصفة ليس هذا بحالف، ولو قال: الطلاق يلزمني لا تفعلي كذا وكذا أو إِنْ فعلتيه فأنت طالق، وهو يكره وقوع الطلاق وإِنْ فَعَلَتْهُ كما يكره طلاق نسائه وعتق عبيده وخروجه من ماله وبراءته من دين الإسلام، وإنما عَلَّقَ ذلك المكروه لاعتقاده أَنَّهُ إذا حلفَ عليها تَبَرُّ قَسَمَهُ إما إكرامًا له وإما خوفًا من ضررٍ يلحقه بتحنيثه يمينَه أو طلاقها = فهذا حالف.

    vol. 2, p. 59
  14. والحالف يحلف وهو يعتقد أَنَّ المحلوف عليه يَبَرُّ قسمه، ولو اعتقد أنه يحنثه لم يحلف إذا اعتقد أنه يلزمه ذلك المكروه؛ فالحالف باللوازم التي يكره لزومها إذا اعتقد أنها تلزمه لم يحلف إلا إذا اعتقد أنه لا يحنث، لا يقع في العادة أن يعلم أن تلك المكروهات التي لا يريدها تلزمه إذا حنث ويعلم أنه يحنث وهو مع ذلك [١٨/ ب] يحلف، فإنَّ هذا يستلزم أن يكون غير مريد لِأَنْ يقع بحال، ويفعل ما يعلم أنه مستلزم لوقوعها، وإرادةُ الملزومِ إرادةٌ للازم، فيلزم أن يكون غير مريد وهو مريد، وهذا لا يفعله إلا من يكون مكرهًا على اليمين، وكثيرًا ما يعتقد الحالف أنه لا يحنث ثم يحنث.

  15. وأما إذا اعتقد أنه لا بُدَّ أَنْ يحنث وحلف؛ فهذا يكون ممن يرى في الحنث مخرجًا، أو أَنْ يُقَدِّرَ في نفسِهِ أنه إذا حنث لزمه ذلك الأمر الذي لم يرده البتة، ولكن حصل بغير إرادته فيحتمله كما يحتمل المكرَه ما يُكرَه عليه من العقاب الحاصل بغير إرادته، وإِنْ علم أَنَّ مقصوده لا يحصل بدونه.

  16. وأما المعلِّق الذي يقصد الإيقاع فهو يريده إذا وجد الشرط ويعلقه به مع علمه بأنَّ الشرط يكون، بل إذا علم وجود الشرط كان أدعى له إلى الإيقاع،

    vol. 2, p. 60وقد يُعَلِّقُ الطلاق بفعلها ظنًّا أنها لا تختار الطلاق، سواء كان الشرط مقصودًا أو غير مقصود، كما يقول لها: إِنْ أبرأتني من صداقك فأنت طالق، وهو يظن أنها لا تبرئه ولا تختار طلاقه، ولو عَلِمَ ذلك لم يقل لها ذلك، لكن يقول ذلك ليريها أنه ليس براغب فيها إذا فعلت ذلك مع أنه راغب فيها؛ فهذا في وقوع الطلاق به نزاع.

  17. وكذلك لو اعتقد أنها فعلت أمرًا نهاها عنه فقال: هي طالق، ثم تبين له أنها لم تفعله؛ ففي وقوع الطلاق به قولان معروفان، والأظهر: أنه لا يقع؛ كما قد بسط في موضع آخر (١) .

  18. والمقصود هنا: أنَّ التعليق الذي يَقصد به يمينًا ــ حضًّا أو منعًا أو تصديقًا أو تكذيبًا ــ يسميها الصحابة والتابعون وعامة العلماء وأهل الإسلام يمينًا، ولا يسمون ما ذكره من تعليق فسخ العقود يمينًا كقوله: «برئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتم شيئًا» (٢) .

  19. ومن الفقهاء مَنْ يسمي كل تعليق للطلاق يُقصد به حضٌّ أو منعٌ يمينًا، أو كُلَّ تعليقٍ للطلاق يمينًا، ولا يسمون هذه التعليقات يمينًا وإِنْ كان فيها حضٌّ أو منعٌ= لكن هذان عرفان حادثان، وهؤلاء عمموا الاسم دون الحكم.

  20. ولم يُعْرَف تسمية ذلك يمينًا عن الصحابة بل ولا عن التابعين لكونهم كانوا أحدث علمًا باللغة [١٩/ أ] التي نزل بها القرآن، وكانوا أعرف بمعنى اليمين المعقول والفرق بينه وبين غيره؛ ولهذا كان جمهورهم على التكفير

    vol. 2, p. 61فيما يظهر فيه معنى اليمين كالحلف بالنذر، فإنَّ الشرط هناك إذا لم يكن مقصودًا لم يكن الجزاء مقصودًا ــ أيضًا ــ من الأمر العام، بخلاف الطلاق فإنه قد يكون الشرط فيه غير مقصود والجزاء فيه مقصود؛ فلما رأوا في تعليق الطلاق الذي يقصد به الحض والمنع ما يقصد به الطلاق كثيرًا بخلاف تعليق النذر = كان هذا مما أوجب إفتاءهم في كثيرٍ من تعليق الطلاق الذي يقصد به الحض والمنع بالوقوع.

  21. ثم منهم مَنْ فَرَّقَ بين قصد اليمين وغيره طردًا للأصل وتسويةً بين المتماثلين، ومنهم من لم يُفَرِّق لاشتباه أحد النوعين بالآخر، ونظرًا إلى قصد الحض والمنع في تعليق الطلاق ليس موجب كونه يمينًا العادة المعروفة، بل قد يَقْصِدُ ذلك ولا يكون يمينًا، لا سيما حيث كانوا لا يحلفون بالطلاق أو لا يكاد يُحلف به إلا نادرًا (١) ؛ فكان المعتاد منهم أَنَّ تعليق الطلاق مع قصد الحض والمنع ليس بيمين بل تطليق، ثم صار الناس يعلقونه تعليق يمين كما يعلقون النذر وغيره فيكونون ممتنعين من إيقاعه ووقوعه عند الصفة، وإنما علقوه مع ذلك لئلا يقع الشرط فقط لا ليقع الطلاق بحال سواء وقع الشرط أو لم يقع، بل هم ممتنعون من إيقاعه على التقديرين، وهؤلاء كارهون للشرط كارهون للجزاء وإِنْ وجدَ الشرط.

  22. والحالف لا يكون حالفًا إلا بهذين الشرطين: بكراهة الجزاء، مع قصد الحض والمنع، لا أَنَّ مجردَ الحض والمنع يصير به وحده حالفًا.

  23. وكذلك قصد التصديق والتكذيب لا بُدَّ أن يكون معه كارهًا للزوم ما

    vol. 2, p. 62عَلَّقَهُ من الطلاق سواء [أكان] (١) خبره مطابقًا أو غير مطابقٍ، وأما إذا قصد وقوع الطلاق عند مطابقة الخبر، فهذا ليس بحالف في الحقيقة وإِنْ أظهرَ أنه حالف، بل هذا يقع به الطلاق؛ فلو قال: ما فعلتُ كذا وإن كنتُ فعلته [فامرأتي طالق] (٢) ، أو الطلاق يلزمني ما فعلته وهو يعلم أنه فعله، وقصده أن يوقع الطلاق بها وأظهر ذلك في صورة اليمين ليكون [١٩/ ب] ذلك عذرًا له عند مَنْ يلومه على الطلاق فيقول: أنا قصدت أن أبرئ نفسي فحلفت لها= فهذا يقع به الطلاق.

  24. وأما الذي يقصد اليمين فلا يكون إلا كارهًا للزوم الجزاء المعلَّق وإِنْ وجد الشرط، فهو وإِنْ حَلَفَ يمينًا غموسًا فقال: ما فعلتُ وإِنْ كنتُ فعلتُهُ فامرأتي طالق، فهو لا يريد أَنْ يطلقها وإِنْ كان فَعَلَهُ (٣) ، بل أظهر هذا اللزوم ليظهر للناس أنه صادق حيث إِنَّه (٤) جعل كذبه ملزوم الطلاق، وهم يعلمون أنه لم يقصد الطلاق وأنه (٥) لم يرده وإن كان كاذبًا، لكن جَعَلَهُ لازمًا له على تقدير الكذب نافيًا للكذب، لا على تقدير الكذب مثبتًا للكذب، فَجَعَلَهُ لازمًا للكذب الذي نفاه، ومع نفي اللزوم لا يكون مثبتًا للازم قاصدًا لوقوعه مع ثبوت الملزوم، فإنه مع ثبوت كذبه لم يقصد وقوع الطلاق وإن جعله لازمًا له مع نفيه للملزوم.

  25. وأيضًا؛ فالحض والمنع إذا دخل في عقد آخر غير عقد اليمين كان له اسم آخر، مثل دخوله في العقد بين اثنين مثل: عقد النكاح والبيع والإجارة؛ فإنه تضمن أن كلًا منهما يطلب من الآخر مقصوده ولا يسمي الفقهاء هذا حضًّا، وتضمن أَنَّ كلًا منهما يمنع الآخر عن خلاف موجَب العقد ولا يسمون هذا منعًا، بل لفظ الحض والمنع يَخُصُّونَهُ بالطلب المؤكد بالقسم.

    vol. 2, p. 63
  26. فإنَّ لفظ الحث يتضمن نوع تأكيد للطلب والاقتضاء، فلا يستعمل هذا غالبًا في مطلق الطلب، بل في الطلب المؤكد، كما يقال: حَضَّهُ وحَرَّضَهُ، فإذا قُرِنَ بهذا المنع أرادوا به المنع المؤكد بالقسم؛ ففيهما معنى الأمر والنهي، لكن أمر مؤكد بالقسم ونهي مؤكَّد بالقسم (١) .

  27. فصار لفظ اليمين ولفظ الحض والمنع يقتضي تخصيص ذلك بالمؤكد، والمؤكد هو الذي يُعلِّقُ به ما يكره لزومه له وإن وجد الشرط، فإنَّ ما كان كذلك كان التخصيص والمنع به أبلغ من جهة الحالف، فإنه إذا التزم عند المخالفة ما يكره لزومه له كان أشد امتناعًا منه، بخلاف ما إذا التزم ما لا يكره هو لزومه له، فإنه لا تكون كراهته له مثل كراهته لما يلتزم به ما يكره، كمن [٢٠/ أ] نهى غيره عن فِعْلٍ وتوعَّدَهُ عليه بعقابه، فإنَّ العقاب ضررٌ يلحق بالمنهي الممنوع لا بالناهي المانع، بخلاف لزوم ما يكره عند الحنث فإنه ضرر يلحق بالمانع الحالف لا بالممنوع المحلوف عليه، لكن قد يضره من جهة أخرى كما يضر المرأة أنْ تُطَلَّق.

  28. ولكن الحلف بالطلاق لا يختص بمنع المرأة، بل قد يحلف به لمنع نفسه، وقد يحلف لمنع صديق له أجنبي، وبمنع ولده ومملوكه، ويحلف به لمنع امرأته؛ وغير المرأة لا يلحقها الطلاق فلا يتضرر بوقوعه، مع أنه قد يحلف عليه بالطلاق، كما قد يحلف عليه بصدقة ماله وتحريم الحلال عليه وغير ذلك مما لا يكون الضرر فيه بالحنث إلا على الحالف، وإنْ كان قد يلحق غيره ضررٌ آخر بالعرض، ولو لم يكن إلا مخالفة الحالف الذي يوجب أن يعاقبه على تحنيثه له.

    vol. 2, p. 64