فصل في الجواب عن اعتراض المعترض على الوجه الثالث من تخريج القول بالكفارة على مذهب أحمد
48 paragraphs · vol. 2, p. 480
Page 1 of 2
- vol. 2, p. 480
قال المعترض:
- (قال ــ يعني المجيب ــ:
-
الثالث: أنه قد اختلفت الرواية عنه فيما إذا حلف بعتق عبد غيره، مثل أَنْ يقول: عبد فلانٍ حرٌ لا أفعل كذا، [أو] إِنْ فعلتُ كذا فعبد فلانٍ [١٢٨/ ب] حر؛ هل يلزمه بذلك كفارة أم لا؟ على روايتين.
-
إحداهما: أنه لا يلزمه شيء، كما لو قال: عبد فلان حر، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا عتق لابن آدم فيما لا يملكه» (١).
-
والثانية: عليه كفارة يمين، كما لو قال: عليَّ أن أعتقه إِنْ فعلت كذا، أو إن فعلت كذا فعليَّ أَنْ أعتقه، لأنه حَلَفَ بعتقٍ لم يقع، وهذه الرواية تقتضي أن الحلف بالعتق يكون فيه كفارة إذا لم يقع العتق، وحينئذٍ؛ فإذا حَلَفَ بعتق عبده لم يجز أن يقول: يقع العتق، لأنه لا كفارة فيه؛ فإنَّ هذا دور.
-
فإنا إنما قلنا: تثبت الكفارة إذا لم يقع العتق، فلو عَلَّلنا وقوع العتق بعدم الكفارة = لزم أن يكون كلٌّ منهما علةً للآخر؛ وهذا دور ممتنع.
قلت: الدور أَنْ يتوقف كلٌّ منهما على الآخر، فإنما يصح الدور ههنا ــ كما زعم ــ لو كان ثبوت الكفارة معللًا بعدم وقوع العتق، وعدم وقوع
vol. 2, p. 481العتق معللًا بثبوت الكفارة، وحينئذٍ؛ يلزم الدور، أما على ما ذكر هو في المقدمة الثانية أن وقوع العتق معللٌ بعدم الكفارة، فكلُّ واحدٍ منهما معلل بعدم الآخر، وهذا ليس بدور، فإنَّ كلًا من الضدين مشروطٌ بعدم الآخر) (١) .
- والجوابُ أَنْ يقال:
-
وجه الدور: أنه على هذه الرواية قد أفتى في الحلف بالعتق الذي لا يقع، وهو حلفه بعتق عبد غيره بكفارة يمين، وحينئذٍ؛ فيقال: إذا حلف بعتق عبده لم يجز أن يقال يقع العتق، لأنَّ الحلف بالعتق لا كفارة فيه، لأنه قد أجاب بأنَّ في الحلف بالعتق كفارة يمين.
-
فإذا قيل: هناك لَزِمَتِ الكفارة، لأن العتق لم يقع.
-
فيقال: فبطلَ قولُ القائلِ: الحلفُ بالعتق لا كفارة فيه مطلقًا، وإنما الواجب أَنْ يقال: الحلف بالعتق إذا وقع العتق فلا كفارة فيه، وإذا لم يقع (٢) ففيه الكفارة.
-
وحينئذٍ؛ فيقال: لم لا يجوز أن يكون في الحلف بالعتق في محل النزاع كفارة يمين؟
-
فإذا قيل: لأنَّ الحلف بالعتق لا كفارة فيه = بطلت هذه العلة، فإنَّ العلة إنما هي [١٢٩/ أ] إذا حلف بالعتق ولم يقع العتق، ففيه كفارة يمين؛ فيحتاج أن يقيم الدليل على أن العتق هنا لم يقع.
-
فإذا قلنا: يقع العتق لأن الحلف بالعتق لا كفارة فيه = كانت هذه العلة
vol. 2, p. 482باطلة على هذا القول، لأنه ــ أعني الحلف بالعتق ــ لا كفارة فيه مطلقًا، بل إذا كان الحلف بالعتق لا يقع ففيه الكفارة.
-
وحينئذٍ؛ فلا يجوز أن يقال: يقع العتق هنا لأنه لا كفارة في الحلف.
-
يقال: هناك وجبت الكفارة في الحلف به لأنه لم يقع، فنكون قد عللنا وقوع العتق بانتفاء الكفارة في الحلف به، وعللنا وجوب الكفارة في الحلف به بانتفاء الوقوع، فيكون عدم التكفير هو الموجب لوقوع العتق.
-
وإذا قيل هناك: لم يقع العتق لكونه غير مالك.
-
قيل: المنجِّزُ لعتقِ عبد غيرِهِ غيرُ مالكٍ ولا كفارةَ عليه، وإنما وجبَت هنا لكونه حالفًا مع أنَّ العتقَ لم يقع، لا لكونه أعتقَ عبد غيرِهِ، وفي صورة النزاع هو حالف ــ أيضًا ــ.
-
فإذا قيل: فالعتق هنا واقع.
-
قيل: إنما قلتم يقع مع كونه حالفًا؛ كقولكم الحلف بالعتق لا كفارة فيه، وقد انتقض هذا الأصل، وأوجبتم في الحلف به الكفارة في بعض الصور؛ فإذا قلتم هناك لم يمكن إيقاع العتق = فلم يكن بُدٌّ من الكفارة لأنه حالف.
-
قيل: فهذا يدل على أن الحلف به مقتضٍ لوجوب الكفارة، وفي صورة النزاع الحلف قائم فيلزم وجوب الكفارة.
-
فإذا قلتم: لكن العتق هنا قد وقع، فلا تجب الكفارة مع وقوعه.
-
قلنا: هذا محل النزاع؛ فلا يجوز الاحتجاج به، فما دليلكم على أن العتق يقع وأنتم تقولون فيمن عَلَّقَ تعليقًا يقصد به اليمين أنه يكفر إلا في العتق والطلاق؟ فلم قلتم لأن العتق والطلاق لا كفارة فيهما؟ فإنما عللتم
vol. 2, p. 483وقوعهما بعدم الكفارة فيهما، ومع قولكم بالكفارة في بعض الصور لا يصح ذلك، بل يقال: قد ثبتت (١) الكفارة في الحلف بذلك في بعض الصور = فلا يصح قولكم: يقع؛ لأنه لا كفارة فيه، مع قولكم هنا: إنه يكفر في الحلف به.
-
فإنه إذا قيل بأن العتق المحلوف به تدخله الكفارة في الجملة = لم يصح أَنْ يقال: يقع هنا، لأنه [١٢٩/ ب] لا كفارة فيه إلا إذا قيل مع ذلك: إنه واقع، ومع وقوعه لا تجب الكفارة، وأنتم لم تذكروا حجةً في وقوعه، وهذا وحده كافٍ.
-
وحينئذٍ؛ فليس لكم أن تقولوا هنا: يكفر، لأن العتق لم يقع، وتقولوا هناك: يقع العتق، لأنه لا كفارة فيه، فإنَّ هذا تعليلٌ لوقوع العتق المحلوف به بانتفاء الكفارة فيه، وأنتم تقولون في العتق المحلوف به الكفارة في بعض الصور، فإذا قلتم هناك لم يقع لانتفاء شرطه وهو الملك. قيل: وهنا ــ أيضًا ــ لا يقع لانتفاء شرطه، وهو قصد الإيقاع، فإنه لا بُدَّ في وقوعه من أن يكون إيقاعًا في مَحَلٍّ قابلٍ، فكما أنه ينتفي لانتفاء محله، فإنه ينتفي لانتفاء إيقاعه كما أنَّ طلاقَ المرأة ينتفي تارة لكونها ليست زوجة، وتارةً لانتفاء الإيقاع مثل: طلاق المجنون والسكران والمكره فإنَّ الإيقاع انتفى لانتفاء قصده، وكذلك في اليمين، وأنتم على هذا القول [قد أوجبتم] (٢) الكفارة فيما إذا حلف بعتق عبد الغير مع أنه غيرُ واقعٍ، ولم يلتزم شيئًا في ذمته = فعلم أنَّ الحلف بالعتق مقتضٍ لوجوب الكفارة إذا لم تتم شروط الإيقاع؛ وفي محل النزاع لم تتم شروط الإيقاع= فتجب الكفارة.
- vol. 2, p. 484
فإنْ قلتم في محل النزاع: يقع ولا كفارة، لأنه لا كفارة في الحلف به = كانت هذه علةً منتقضةً باطلةً، فلا بُدَّ أنْ تقولوا: بل الحلف به يوجب الكفارة إذا لم يقع، وهنا قد وقع، لأن الحلف بعتق عبد الغير (١) لم يقع؛ فلهذا وجبت الكفارة في الحلف به، أو تقولوا: هنا أمكنه أن يوقع العتق بخلاف عبد الغير فإنه لا يمكنه إعتاقه.
-
فيقال: ولو حلف: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ عتقُ عبدي؛ هنا يمكنه إعتاقُ عبده ولم يوجبوه؛ فَعُلِمَ أَنَّ إمكان الإعتاق وصف عديم التأثير، وإنما المؤثر عندكم في وجوب الكفارة كونه قصد اليمين، وهذا المعنى مشترك في الجميع.
-
نعم؛ هناك كونه ملكًا للغير مانع من أن يعتقه، فتتعين الكفارة، وفيما إذا قال: إِنْ فعلته فعبدي حر يمكنه إعتاقه [١٣٠/ أ] فلا تتعين الكفارة، بل يخير بين أَنْ يُعتِقَهُ وبينَ أَنْ يُكفِّر.
-
ومما يوضح هذا: أنهم ذكروا الروايتين في لفظ القَسَم، وهو أَنْ يقول: غلام فلانٍ حر لأفعلنَّ كذا؛ هذا لفظها في الكتب الكبار والصغار، حتى في هداية أبي الخطاب ومقنع أبي محمد ومحرر أبي البركات (٢) ؛ وهذه صيغة قسم.
-
ووجه الدور: أَنَّا إذا قلنا: يقع العتق المعلَّق المحلوفُ به، لأنَّ هذا لا كفارة فيه بخلاف تعليق النذر المحلوف به = كان هذا تعليلًا لوقوع العتق بعدم الكفارة.
- vol. 2, p. 485
فإذا قيل: وَلِمَ لَمْ تجب فيه الكفارة مع أنه قصد اليمين؟
فقال القائل: لأنَّ هذا التعليق يقع فيه العتق فلا كفارة فيه؛ كان هذا دورًا ممتنعًا، فإنه جَعَلَ علةَ وقوعِ العتق امتناعَ الكفارة فيه، وجعلَ علةَ امتناع الكفارة فيه أنه يقع فيه العتق فلا تقع الكفارةُ؛ فعلل كليهما (١) بالآخر، وهذا دور ممتنع.
-
ثم هنا طريقان من الكلام:
أحدهما: أَنْ يُقالَ: إذا قلتم على إحدى الروايتين: إنَّ الحالف بعتقِ عبد الغير يلزمه الكفارة = بطل قولكم العام: إنَّ الحلف بالعتق ليس فيه كفارة، وثبت أنه قد يكون فيه كفارة.
-
والثاني: أنكم إذا قلتم: الحلفُ بالعتق لا يكفَّر، لأنَّ العتق لا كفارة فيه، وقلتم العتق لا كفارة فيه، لأنه قد وقع فلم يكفر = كان هذا دورًا ممتنعًا، ولكن هذا الثاني يدل على بطلان القول، فلم يُخَرِّج منه قولًا في مذهب أحمد بخلافه، وإنما يخرَّج مذهب الرجل من كلامه لا مما يبطل كلامه، بخلاف الوجه الأول فإنه إذا قال على إحدى الروايتين: إنَّ الحلف بعتق عَبْدِ الغير يكفر يمينه دَلَّ على أنه يرى في الحلف بالعتق التكفير، وحينئذٍ فلا يمكن في صورة النزاع أَنْ يُقالَ: العتقُ وقعَ، لأنه لا كفارة في الحلف بالعتق لنصِّهِ على نقيض ذلك في هذه الرواية، والتخريج إنما هو عليها.
-
وحينئذٍ؛ فنحن إذا أثبتنا الكفارة إذا لم يقع العتق المحلوف به وإلا فلو ثبت لم تجب كفارة، فلو قلنا: العتق المحلوف به يقع لأنه لا كفارة فيه = كُنَّا
vol. 2, p. 486قد جعلنا [١٣٠/ ب] عدم الكفارة سببًا لوقوعه، والمقتضي للكفارة قائمٌ وهو الحلف، ولهذا أثبتناها هناك لوجود الحلف فلا بُدَّ أَنْ يفرق بينهما: بأنه هنا وقع العتق فانتفت الكفارة، وهناك لم يقع فوجبت.
-
وحينئذٍ؛ فيقال: وقوعه إنما يكون إذا لم يمكن التكفير، وإلا فمع إمكان التكفير لا يقع، فلو نفينا الكفارة لوقوعه وأثبتنا وقوعه لانتفاء التكفير = لزم الدور.
-
وكذلك ــ أيضًا ــ إذا علَّلنا ثبوتَ الكفارةِ بعدمِ العتقِ، وعَلَّلنا وقوع العتق بعدم الكفارة ــ كما في الجواب ــ لزم الدور، فإنَّ ثبوتَ التكفير وثبوت العتق ضدان لا يجتمعان، بل ولا يرتفعان في هذه الصورة، بل إِنْ ثبتَ العتقُ انتفت الكفارة وإن انتفت الكفارة ثبت العتق، والضدان وإِنْ كان كل منهما مشروطًا (١) بعدم الآخر، لكن لا يجوز أن يكونَ كلٌ منهما هو العلة في عدم الآخر، ولا عَدَمُ كلٍ منهما هو العلة في وجود الآخر.
-
فلا يجوز أَنْ يقالَ: وُجِدَ هذا لعدم هذا وعُدِمَ هذا لوجود هذا، بل إِنْ كان وجود ذاك هو العلة لعدم هذا = امتنع أن يكون عَدَمُ هذا عِلَّةَ وجود ذاك، وإِنْ كان شرطًا له، فليس كلُّ ما كان شرطًا كان علة، فلا يجوز أَنْ نجعل ثبوت الكفارة بعدم وقوع العتق، ونقول: وقع العتق لعدم وجوب الكفارة، فإنه يلزم تعليل وجود هذا بعدم ذاك، وتعليل وجود ذاك بعدم هذا، وهذا النوع من الدور ليس هو دور في الأنواع، والأول دور في الأعيان.
-
فدور الأعيان: أَنْ يتوقف كلٌّ من الشيئين المعيَّنين على الآخر، وأما
vol. 2, p. 487الدور في الأنواع فمثل أَنْ يقال: الموجِبُ للسواد هو عدم البياض، والموجب للبياض هو عدم السواد؛ فهذا نظير قولنا: يقع العتق لعدم الكفارة، وتَلزم الكفارة لعدم العتق، يجعل وجود كُلٍّ من الضدين لأجل عدم الآخر؛ وهذا باطل.
-
بل الواجب أَنْ يقال: السواد موجبٌ لعدم البياض، والبياضُ موجب لعدم السواد؛ فيقال: وقع العتق فلا كفارة، أو لزمت الكفارة فلا عتق؛ فيكون وجود أحدهما هو المانع من الآخر، لا أَنَّ عدمَ أحدِهما هو الموجب لوجود الآخر، فإن العدم لا يقتضي وجودًا، بل الوجود [١٣١/ أ] يقتضي العدم، وكان هذا دورًا في التعليل والاستدلال، لأنه إذا كان عَدَمُ كلٍّ منهما هو المقتضي لوجود الآخر، وأحدهما لا يُعْدَم إلا مع وجود ضده، فلا يثبت وجود هذا الضد حتى يُعدم الآخر، ولا يُعدم ذاك حتى يوجد هذا، ولا يوجد هذا حتى يعدم ذاك = وهذا هو الدور.
-
كما إذا قيل: لا تجب الكفارة إلا إذا عدم العتق، ووجود الضدِّ وإن كان ثابتًا مع عدم الآخر، لكن لا يجوز أن يكون عدم كل منهما هو علة وجود الآخر، لأنَّ العلة لا بُدَّ أن تتقدم المعلول، وعَدَمُ أحدِهما هنا لا يكون إلا مع وجود الآخر، لا يجوز أن يتقدم عليه بوجهٍ من الوجوه لا تقدمًا عقليًا ولا وجوديًا = فامتنع أن يكون علةً له، فإذا جُعِلَ علةً له لزم الدور.
-
وبهذا ظهر الجواب عن قول المعترض: (الدورُ أَنْ يتوقف كلٌّ منهما على الآخر؛ فإنما يصح الدور هنا ــ كما زعم ــ لو كان ثبوت الكفارة معللًا بعدم وقوع العتق، وعدم وقوع العتق معللًا بثبوت الكفارة؛ وحينئذٍ يلزم الدور، إما على ما ذَكَرَ هو من المقدمة الثانية أَنَّ وقوع العتق يعلل بعدم
vol. 2, p. 488الكفارة، فكلٌ منهما معللٌ بعدم الآخر، وهذا ليس بدور، فكلٌ من الضدين مشروطٌ بعدم الآخر).