الجواب عن قول المعترض: (وإنما أشار إلى أن الوقوع والكفارة مما لا يجتمعان. . . إلخ)
20 paragraphs · vol. 2, p. 492
- vol. 2, p. 492
(ولا نُسَلِّمُ أَنَّ مرادَ أحمد تعليلَ وقوع العتق بعدم الكفارة، وكيف تَخَيَّلَ ذلك؟ بل علةُ وقوعِ العتق: التعليقُ، وإنما أشار أحمد إلى أَنَّ الوقوع والكفارة مما لا يجتمعان؛ فحيث كانت اليمين مما تَقْبَلُ وقوعَ المعلَّق ــ كالطلاق والعتق المعلقين في المملوك ــ فلا كفارة فيهما، فحينئذٍ يَحكمُ بوقوعِ العتقِ، وحيث كانت اليمين مما لا يقبل الوقوع كالحلف بعتقِ عبد غيره [١٣٢/ أ] فيحكم بالكفارة لعدم المانع منها؛ وهو وقوع العتق) (١) .
- والجواب أَنْ يقالَ له:
-
مراد أحمد - رضي الله عنه - في ذلك ظاهر؛ فإنه قد تقدم في كلامه غير مرة أنه علل وقوع الطلاق والعتاق بأنهما لا يكفران، ولا يجوز أَنْ يعلل بكونه تعليقًا ــ كما ذكره ــ، فإنَّ نذرَ اللجاج والغضب تعليق ــ أيضًا ــ وفيه الكفارة عند أحمد وجمهور السلف والخلف؛ فأحمد لم يعلل وجوب الكفارة بكونه تعليقًا، والتعليل بذلك لا يصح، بل يظهر فساده فإنه أجاب في أكثر صور التعليق الذي يقصد به اليمين بالكفارة، وفَرَّقَ بينَ تعليقِ النذر وتعليق العتق، فلا بُدَّ أَنْ يُفَرِّقَ بوصف يخص العتق والطلاق، فكيف يقوِّلُهُ ما لم يقله ــ وهو قول باطلٌ ظاهر البطلان ــ وَيَدَعُ قولَهُ المنصوص عنه؟!
-
وأما قوله: (وإنما أشار إلى أنَّ الوقوع والكفارة مما لا يجتمعان؛ فحيث كانت اليمين مما (٢) تقبل وقوع المعلَّق ــ كالطلاق والعتق المعلَّقين في
vol. 2, p. 493المملوك ــ فلا كفارة فيهما، فحينئذٍ نحكم بوقوع العتق، وحيث كانت اليمين مما لا يقبل الوقوع كالحلف بعتق عبد غيره نحكم بالكفارة لعدم المانع منهما وهو وقوع العتق).
-
فيقال له: كون الوقوع والكفارة مما لا يجتمعان ظاهرٌ معروف لا يحتاج إلى تبيينه (١) أحمد، وأما الذي يحتاج إلى البيان انتفاء الكفارة تارة وثبوتها أخرى، وقد علل ذلك بأنَّ العتق واقع، وإذا وقع امتنعت الكفارة بخلاف الحلف بعتق عبد الغير فإنه لا يقع؛ فلهذا كفر.
-
فيقال ــ حينئذٍ ــ: إذا كان الحلف بالعتق يقبل التكفير، فلماذا لم يكفر الحالف بعتق عبده؟ ولم قلتم: إنه وقع فلا يقبل التكفير؟ ولا يجوز تعليل وقوعه بعدم التكفير، لأنه قد علل وجوب الكفارة في الحلف بالعتق بعدم وقوع العتق فيما إذا حلف بعتق عبد الغير = فصار عدم وقوع العتق في الحلف علة لوجوب الكفارة.
-
وأعني بالعلة: ما هو [١٣٢/ ب] أعم من العلة القاصرة (٢) ، أو جزء العلة وهو: السبب الذي يضاف إليه الحكم.
-
فإنَّ الكفارة إنما وجبت لكونه عقد يمينًا بعتقٍ وإنه لم يجعل العتق يوجب الكفارة لمجموع الأمرين، ودَلَّ ذلك على أَنَّ الحلف بالعتق مما يسوغ فيه الكفارة، فلا يقال: الحلف بالعتق لا كفارة فيه بحال، لكن إنما
vol. 2, p. 494وجبت الكفارة مع عدم حصول العتق فإنهما لا يجتمعان.
-
وحينئذٍ؛ فلا يجوز أن يقال في صورة النزاع: يقع العتق المحلوف به، لأنَّ العتق لا كفارة فيه.
-
وأما الفَرْقُ بكون العتق هنا ممكنًا لكونه صادفَ ملك العتق، بخلاف تلك الصورة فإنه واقع في ملك الغير.
-
فيقال: هذه علة صحيحة تقتضي وقوع العتق في ملكه دون ملك الغير، لا تقتضي ثبوت الكفارة (١) في الحلف بعتق عبد الغير، ولا تقتضي وقوع العتق في الحلف بعتق عبده إنْ لم يثبت أَنَّ الحلفَ بالعتق إعتاق، وهذا محل النزاع.
-
وإنْ قيل: بل الحلف بالعتق يقتضي العتق إِنْ أمكن وإلا فالتكفير.
-
قيل: اقتضاؤه للتكفير يوجب أَنْ يكون يمينًا، وحينئذٍ؛ فمقتضى اليمين التكفير، والحكم الواحد يكون له علتان (٢) ؛ فعتق عبد الغير المحلوفِ به أوجب الكفارة لكونه محلوفًا به، فلو كان الحلف بالعتق ليس سببًا للكفارة لامتنع (٣) وجوب الكفارة.
-
فَعُلِمَ أنه على هذا القول لا بُدَّ إما من الإعتاق وإما من الكفارة، وحينئذٍ؛ فلا يقال في صورة النزاع: العتق لا كفارة فيه.
- vol. 2, p. 495
وإن قيل هنا: العبد مملوك له.
-
قيل: هب أنه مملوك له؛ لكن أين السبب التام المقتضي لإعتاقه إنما وجد يمين؟
-
فإنْ قلت: اليمين إعتاق؛ لزم إذا كانت بعبد الغير ألا تقع ولا كفارة فيها، لأن إعتاق عبد الغير لا كفارة فيه.
-
وإِنْ قلتَ: هي يمين، واليمين لا كفارة فيها = انتقضت بهذه الصورة.
-
وإِنْ قلتَ: هي يمين بعتق، فقيل: العتقُ وملك غيره (١) عقد لا يقبل العتق، قيل: وكونه قابلًا للعتق يقتضي [١٣٣/ أ] أنَّ الحالف يمكنه أَنْ يعتقه وأَنْ يكفر، لا يقتضي وقوع العتق، وهذا فرقٌ صحيح؛ فإنه هنا يخير بين الإعتاق والتكفير، وهناك يتعين التكفير على هذه الرواية، فأما أَنْ يقال: كونه قابلًا للعتق وصفٌ موجب لوقوع العتق= فليس كذلك.
-
ونكتة المسألة: أَنَّ الحلف إن كان إعتاقًا فلا كفارة فيه إذا لم يقع، وإن كان يمينًا ففيه الكفارة مطلقًا، لكن إِنْ أمكنَ إيقاعُهُ خُيِّرَ بين التكفير والإيقاع، وإِنْ تَعَذَّرَ تعيَّن (٢) التكفير؛ فهذا مقتضى الأصول لمن تَدَبَّرَ ذلك؛ والله أعلم.