فصل في الجواب عن اعتراض المعترض على الوجه الثالث من تخريج القول بالكفارة على مذهب أحمد

48 paragraphs · vol. 2, p. 480

Page 2 of 2

  1. فيقال له: الدور الممتنع أعمُّ من هذا، فإذا كان توقف ثبوت الشيء على نفسه كان دورًا ممتنعًا، وإنما جعل توقفُ كلٍّ منهما على الآخر دورًا لهذا المعنى، فإنه إذا كان كلٌ منهما علةً للآخر = لزمَ ألا يوجد الشيء إلا بعد وجود علته، فلا يوجد ذاك إلا بعد هذا، ولا هذا إلا بعد ذاك، فيلزم ألا يوجد واحد منهما حتى يوجد، فلزم توقف كلٍّ منهما على نفسه وهذا المعنى موجودٌ هنا، فالدور حاصل، لكن التوقف قد يكون بواسطة وقد يكون بغير واسطة؛ فإذا كان وجود أحدهما معللًا بعدم الآخر، والمعلول بعد علته، وعدمُ أحدِهما لا يكون إلا مع وجود الآخر ــ إذ التقدير هذا ــ فإنَّ هذين الضدين لا يجتمعان ولا يرتفعان، بل لا بُدَّ في الحلف بالعتق؛ إما من العتق وإما من الكفارة، فلا يجتمعان ولا يرتفعان، بل هذا الذي يقال فيه: مانعة (١) الجمع والخلو (٢) .

    vol. 2, p. 488
  2. فالحالف بالعتق إما أَنْ يُعتق وإما أَنْ يُكفِّر؛ كما يقال: العددُ إما شفعٌ وإما وتر، فإنْ وَجَبَ العتقُ لم تجب الكفارة، وإن وجبت (٣) [الكفارة لم يجب

    vol. 2, p. 489العتق، وإن لم يجب العتق وجبت الكفارة، وإن لم تجب الكفارة وجب العتق، فاستثناء عينِ كلٍّ منهما يستلزم نقيض الآخر، واستثناء نقيضِ كلٍّ منهما يستلزم عين الآخر، كما إذا قيل: إن كان شفعًا لم يكن وترًا وإن كان وترًا لم يكن شفعًا، وإن لم يكن شفعًا كان وترًا وإن لم يكن وترًا كان شفعًا.

  3. وإذا كان كذلك: امتنع في مثل هذا أَنْ يُجعل عدمُ كلٍّ منهما علةً لوجود الآخر، أو وجود كل منهما علة للآخر، لأنَّ العلة تتقدم المعلول، فلا يوجد أحدهما إلا في حال عدم الآخر، فلا يكون متقدمًا عليه، ولا يعدم أحدهما إلا في حال وجود الآخر، فلا يكون متقدمًا عليه (١) .

  4. فإذا قلنا: عدم هذا علةُ وجود ذاك، وعدم ذاك علة وجود هذا = كان وجود ذاك بعدَ عَدَمِ هذا وعَدَمُ هذا قبل وجود ذاك، وكان وجودُ هذا بعد عدم ذاك وعدم ذاك قبل وجود هذا.

  5. ومعلومٌ أَنَّ وجود كلٍّ منهما وعدم الآخر متلازمان، لا يسبق أحدهما الآخر، وحينئذٍ؛ فإذا جُعِلَ وجودُ ذاك بعد عدم هذا وعدم هذا مع وجود ذاك، فقد جعل وجود الشيء بعد وجوده، وقيل: إنه لا يوجد حتى يوجد.

  6. وقوله: (إذا كان كل منهما معللًا] بعدم الآخر فليس هذا بدور، فإنَّ كلًا من الضدين مشروط بعدم الآخر) كلام من لم يفهم الدور [١٣١/ ب] الممتنع والجائز، والفرق بين العلة والشرط؛ فإن العلة غير الشرط، فإن الشرط يقارن المشروط، بخلاف العلة فإنها تتقدم المعلول (٢) .

  7. والدور في الشروط جائز وهو الدور الاقتراني، والدور في العلل غير جائز وهو الدور السبقي (١) ، فإذا قيل: لا يوجد هذا إلا بعد ذاك ولا يوجد ذاك إلا بعد هذا = كان هذا ممتنعًا، بخلاف ما إذا قيل: لا يوجد ذاك إلا مع هذا ولا هذا إلا مع ذاك، فإنَّ هذا جائزٌ، كما إذا قيل: لا توجد الأبوَّة إلا مع البنوة ولا البنوة إلا مع الأبوة، فإنَّ هذا جائزٌ، بخلافِ ما إذا قيل: لا توجد الأبوة إلا بعد البنوة ولا البنوة إلا بعد الأبوة، فإنَّ هذا ممتنع، وهنا لو قيل: لا يكون وجوب الكفارة إلا مع عدم العتق ولا العتق إلا مع [عدم] (٢) وجوب الكفارة= كانَ صحيحًا.

    vol. 2, p. 490
  8. وأما إذا قيل في تعليق الحلف بالعتق: الكفارة واجبة، لأنَّ العتقَ لم يقع، وقيل: العتق واقع لأن الكفارة لم تجب؛ فهذا باطل، فإنَّ الحلف بالعتق، إما أَنْ تكون الكفارة فيه مشروعة وإما أن [١٣١/ ب/ ب] (٣) لا تكون، فإنْ لم تكن مشروعة = كان الواجب أَنْ يقال: يقع العتق لامتناع الكفارة، وقيل: تجب الكفارة لامتناع العتق؛ مع أنَّ وقوع العتق وامتناع الكفارة متلازمان لا يسبق أحدهما الآخر = كان هذا دورًا باطلًا، لأنَّ امتناع الكفارة

    vol. 2, p. 491لا يكون إلا مع وقوع العتق، فكأنه قيل: يقع العتق لوقوع العتق، فَجَعَلَ وجودَ الشيء متقدمًا لوجود نفسه، بل علةً لوجود نفسه؛ وهذا من أظهر الدور الممتنع.