الجواب عن قول القائل: حكم الإيلاء ثبت لرفع الضرر عن المرأة إذا امتنع من جماعها باليمين وامتناعه بما يلزمه من الطلاق أشد
16 paragraphs · vol. 2, p. 496
- vol. 2, p. 496
قال: (ثم إِنَّ غاية هذا الوجه ــ لو صح ــ إثبات التناقض بين كلامَي إمامه، ولزوم الدور له في تعليله، وهذا ليس دأب المخرِّجين، بل التخريج استنباطٌ مما يدل عليه كلام الإمام؛ والله أعلم) (١) .
- والجواب عنه من وجوه:
-
أحدها: أَنْ يقال: هذا التناقض كما أنه لازمٌ لأحمدَ - رضي الله عنه - فهو لازمٌ لسائر الأئمة - رضي الله عنهم - ألزم وألزم، فإنه ليس من الفقهاء أحدٌ إلا وهو يجعل هذا التعليق يمينًا في بعض الأحكام؛ فمنهم من يجعله يمينًا في الإيلاء، والإيلاء هو اليمين، قال الله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} الآية [البقرة: ٢٢٦] ، وجمهورهم يقولون: الحالف بهذه مولٍ، ثم منهم مَنْ يدرجها في لفظ الإيلاء، ومنهم مَنْ يقولُ الحكمُ فيها يثبت قياسًا؛ وعلى التقديرين يلزمهم مثل ذلك في الكفارة، فإنْ كانَ لفظ الإيلاء يعم هذا، فكذلك لفظ اليمين.
-
وإن قالوا: أثبتنا به حكم الإيلاء بمعنى المشترك، فالمعنى المشترك هو الموجب للكفارة؛ فإنهم إذًا نظروا إلى المعنى الموجب للكفارة.
-
فإنهم إذا قالوا: حكمُ الإيلاء ثبت لرفع الضرر عن المرأة إذا امتنع من جماعها باليمين، وامتناعه بما يلزمه من الطلاق أشد.
- قيل لهم:
-
أولًا: إذا جعلتموه موليًا لزمكم أَنْ تحكموا فيه بخلاف حكم الله ــ
vol. 2, p. 497تعالى ــ في المولي، فإنَّ الله ــ عز وجل ــ خَيَّرَ المولي بين إمساكٍ بمعروف وتسريحٍ بإحسان؛ [١٣٣/ ب] فهو مخيرٌ بين أَنْ يفيءَ ويكفِّر وبين أَنْ يطلِّق، وإذا آلى (١) بالطلاق الثلاث لزمه الطلاق عندكم سواء فاء أو لم يف، فإنه إِنْ فاءَ بوطءٍ طلقت عندكم، وإِنْ انقضت المدة لزمه عندكم أَنْ يطلق أو يفيء فيطلق امرأته، فلزمه الطلاق على كل حال، وهذا خلاف حكم القرآن.
-
وأيضًا؛ فعلى هذا التقدير: لا يَبقى في تربص أربعة أشهر فائدة لا للرجل ولا للمرأة، فإنَّ الرجلَ يلزمه الطلاق بكل حال، والمرأة ليس لها فائدة في مقامها معه مع لزوم الطلاق، ولا يحصل لها إلا وطأة واحدة على أحد قوليهم، فإنه إذا آلى بالطلاق المحرم؛ فهل يجوز له وطؤها؟ على قولين مشهورين، وهما روايتان عن أحمد، أحدهما: يجوز كقول الشافعي - رضي الله عنه -، والثاني: لا يجوز كقول مالك - رضي الله عنه -؛ ومأخذهما: أنَّ النزع هل هو محرم أو ترك للمحرم؟
-
وأيضًا؛ فإنْ آلى بالعتق وقيل يلزمه ذلك أو آلى بغيره؛ فمعلومٌ أنه إنما لزمه حكم الإيلاء لأجل رفع الضرر عن المرأة، وهذا هو المعنى الموجود في الإيلاء باسم الله ــ تعالى ــ.
-
ومعلومٌ أن الله ــ عز وجل ــ إنما شرع للمسلمين تحلة أيمانهم لما عليهم من الحرج من الإلزام بمقتضى اليمين من غير تحلة، فإنَّ الناسَ يحلفون على ترك حاجاتٍ (٢) يتضررون بتركها، وعلى ترك بِرٍّ يفوتُ مصلحة دينهم ودنياهم
vol. 2, p. 498بتركه، ولهذا نهاهم أن يجعلوا اليمين مانعةً من فعل الخير بقوله: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا [وَتَتَّقُوا] (١) وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ} [البقرة: ٢٢٤] ، وقال تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور: ٢٢] ، وهذه نزلت في أبي بكر - رضي الله عنه - وكان قد حَلَفَ ألا ينفق على مِسْطَح بن أثاثة لما خاض في أمر الإفك (٢) .
-
والنهي عن الإيلاء نهيٌ عن الإصرار على اليمين إذا كان قد عقدها، وأَمْرٌ له بالتكفير؛ ومعلومٌ أَنَّ هذا كله [١٣٤/ أ] لئلا تمنعهم الأيمان من فعل الطاعات والمباحات، فشرعت الكفارة لذلك، وهذا المعنى موجود في جميع الأيمان، فلو كان من الأيمان ما لا يخرج منها ولا كفارة فيها = لامتنعوا بها من فعل الطاعات والمباحات، وحصل بذلك من المفسدة في الحلف باسم الله.
-
فإنَّ الناس يكرهون طلاق نسائهم وعتق عبيدهم ونحو ذلك أعظم مما يكرهون غيره، فيكون امتناعهم بهذه الأيمان ــ إِنْ لم تكن مكفرة ــ عن (٣) البر والتقوى والإصلاح بين الناس أعظم، ويكون امتناعهم إذا ابتلوا بها أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله أعظم، والفساد الحاصل إذا لم تكن هذه الأيمان مكفرة في امتناع الناس بها مما يحبه الله أعظم
vol. 2, p. 499وأعظم، والشارع قصده زوال ذلك الفساد.
-
وكما أَنَّ المولي امتنع بيمينه من وطء امرأته، فالحالفون يمتنعون بأيمانهم من حقوقٍ لله ولعباده أعظم من وطء المرأة، يحلف أحدهم ألا يقضي حقوقًا واجبة عليه لله ــ تعالى ــ ولأبويه ولغيرهما؛ فإذا كان دفع الضرر عن امرأةٍ أَثبتَ حكم الإيلاء في جميع الأيمان، فقصد دفع الضرر عن جميع الخلق أولى أَنْ يُثبِتَ حكمَ التكفير في جميع الأيمان؛ وبسط هذا له موضع آخر (١) .
-
والمقصود هنا: أَنَّ جميع العلماء أعطوا هذه التعليقات حكم الأيمان في بعض المواضع، ومن ذلك: أَنَّ جمهورهم يجوِّزُون فيها الاستثناء، ومن ذلك أَنَّ التعليق الذي يحلف فيه بالكفر جعله جميعهم يمينًا لا تعليقًا موجبًا للكفر، ثم منهم مَنْ قال: هو يمين مكفَّرة لأنه التزم (٢) هتك حرمة أيمانه، ومنهم من قال: ليس يمينًا (٣) مكفرة.
-
ومنها: أَنَّ جمهور العلماء يقولون: إِنَّ تعليق النذر الذي يقصد به اليمين يمين تجري فيها الكفارة، وهذا المعنى موجود في الحلف بالعتق والطلاق.
-
ومنها: أَنَّ أكثرهم ــ أيضًا ــ كأبي حنيفة - رضي الله عنه - وأصحاب الشافعي الخراسانيين ــ رضي الله [١٣٤/ ب] عنهم ــ فَرَّقُوا بين تنجيز الشيء وبين تعليقه على وجه اليمين، كما في نذر المعصية والمباح، فإذا نذر ذلك لا على