الوجه الثالث: اختلف كلام الإمام أحمد وغيره من الأئمة

9 paragraphs · vol. 2, p. 509

  1. معنى النذر، فإذا كان معناه معنى النذر وجهة القربة فعلى حديث أبي لبابة، فَمَنْ عَقَدَ يمينًا يريد اليمين فهو على ما عقد، وإن كان من جهة النذر؛ كقول أخت عقبة بن [١٣٧/ أ] عامر أمرها بالتكفير لتعذيبها نفسها وبإنفاذ ما أوجبت على نفسها؛ فأحمد اعتبر قصده اليمين.

    vol. 2, p. 509
  2. والقاصد لليمين لا يكون قاصدًا لليمين حتى يكون كارهًا للزوم ما عَلَّقَهُ وإِنْ وُجِدَ الشرط، فالحالف يريد الحض والمنع، ولا يريد لزوم ما عَلَّقَهُ، بل عَلَّقَهُ ليكون حاضًّا ومانعًا، وأما الناذرُ فيريد ما علَّقه، كذلك تعليق الطلاق والعتاق إذا كان حالفًا لم يكن مريدًا لهما، وإن كان موقعًا كان مريدًا لهما.

  3. الثاني: قوله: (ولا نزاع في ذلك) .

  4. فيقال له: بل أنت تُنازع في كون هذه التعاليق أيمانًا في الشرع واللغة، وتَزعم أن تسمية ذلك أيمانًا اصطلاح، فقولك: لا نزاع في ذلك من العجائب!

  5. وإِنْ أراد أنه لا نزاع في ذلك في مذهب أحمد، فليس الأمر كذلك؛ بل نقول:

    الوجه الثالث: أَنَّ أحمد قد اختلف كلامه كما اختلف كلام غيره من الأئمة؛ فتارة يجعل تعليق الطلاق والعتاق الذي يقصد به اليمين يمينًا، وتارة لا يجعله يمينًا.

  6. وأما تعليق النذر الذي يقصد به اليمين: فعامة نصوصه على أنه يمين، فإنه جعله يمينًا في الكفارة بلا نزاعٍ عنه، وكذلك في الاستثناء هو يمين بلا ريب.

  7. وأما في الإيلاء فلأصحابه طريقان: فأبو بكر (١) عبد العزيز يجعل ذلك إيلاءً عنده؛ فإنَّ الإيلاءَ في المشهور عنه [ملحقٌ] (٢) باليمين المكفرة، وهذا يمين مكفَّرةٌ عنده بلا نزاع فيكون إيلاء، وأما الخرقي والقاضي وغيرهما فلا يجعلون الإيلاء إلا ما كان باسم الله ــ تعالى ــ خاصة (٣) .

    vol. 2, p. 510
  8. وقد نقل عن أحمد ــ رحمة الله عليه ــ ما يدل على كل واحدةٍ من الطريقتين، بل عنه روايتان صريحتان في الإيلاء بالظهار والحرام وهل تكفر (٤) ، لكن يكفر على المنصوص عنه بالكفارة الكبرى لا بكفارة اليمين، ولم أجد عنه نصًّا صريحًا في الحلف بالنذر أنه ليس بإيلاء، لكن نُقِلَ عنه أَنَّ الإيلاءَ إنما يكون في الحلف بالله ــ تعالى ــ، ونقل عنه: إنما يكون في الأيمان، والطلاق والعتاق ليسا من الأيمان لأنهما لا يكفران، ولهذا ذُكِرَ عنه [١٣٧/ ب] في الإيلاء ثلاث روايات: رواية: أنه يكون بكل يمين، وثانية: بكل يمين مكفرة، وثالثة: بالحلف باسم الله، وفي كلامه ما يقتضي رواية رابعة: أنه بما يكون فيه كفارة يمين.

  9. وقد جَعَلَ في الحلف بالطلاق الاستثناء تارة لأنه من الأيمان، وتارة قال: ليس من الأيمان فلا استثناء فيه؛ فكيف يقال: إنه لا نزاع في مذهبه أنهما من الأيمان؟!