فصل تابع لما قبله، وفيه مناقشة نقل المعترض للإجماع عن أبي حامد الإسفراييني
11 paragraphs · vol. 2, p. 609
- vol. 2, p. 609
قال المعترض:
(فهؤلاء ثلاثة أئمة [١٦٨/ ب] نقلوا الإجماع؛ وكذلك الشيخ أبو حامد الإسفراييني نَفَى الخلافَ في ذلك، ومرادُهُ: نَفْيُ الخلافِ بين العلماء لا نَفْيُ الخلافِ المذهبي؛ يَفْهَمُ ذلكَ مَنْ نَظَرَ في كلامه، فلا نَعدل عن ذلك إلا بنقلٍ صريحٍ عن إمامٍ معتبر؛ هذا في الطلاق.
-
وأما العتق: فلولا نقل محمد بن نصر المروزي عن أبي ثور ما رأيت كان محل النظر؛ فإنَّ ابن المنذر نقل عن أبي ثور في الإشراف (١) فيما إذا قال لعبده: إِنْ لم أضربك فأنت حر، وأراد بيعه أنه إذا لم يجعل لذلك وقتًا لا يقع العتق [عليه] ، وهذا يقتضي أنه إذا جعل له وقتًا وقع.
-
وقد رأيتُ [ابن زَرْقُون] (٢)
-
في كتابه الأنوار [في الجمع بين المنتقى والاستذكار] نَقَلَ فيما نقله من الاستذكار نِسْبَةَ (٣) محمد بن نصر موافقةَ أبي
vol. 2, p. 610ثور إلى الحسن وطاووس والقاسم وسالم وابن يسار (١) وقتادة، ولم أَرَ أَنَا في الاستذكار إلا الحسن وطاووس لا غير) (٢) .
-
والجواب: أَنَّ ابن المنذر لم ينقل إجماع العلماء، وإنما نقل قول مَنْ يحفظ قوله في المسألة، وليس هذا بنقل إجماع علماء المسلمين، ولم يسم ابن المنذر فيما ذكره أحدًا من الصحابة والتابعين، بل ولا تابعي التابعين سوى مالك وأبي حنيفة والليث بن سعد؛ ومعلوم كثرة العلماء في هذه الأعصار الثلاثة، لم يذكر قول ابن جريج والمكيين، ولا قول سليمان التيمي وأمثاله من البصريين، ولا ذكر قول الشاميين، ولا ذكر من الطبقة الرابعة سوى الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور.
-
فهل يقول عالم أَنَّ هذا هو الإجماع المعصوم الذي يقوم مقام نص الكتاب والرسول - صلى الله عليه وسلم -؟! بل كثيرٌ منهم يُقَدِّمُهُ على نَصِّ الكتاب والرسول، ويقول: يُستدل بهذا الإجماع على أَنَّ ذلك النص منسوخ، ومنهم مَنْ يُجَوِّزُ النسخ بالإجماع.
-
وأما ابن نصر فهو تَبَعٌ لأبي ثور في ذلك، وأبو ثور قد عُرِفُ مراده بنقل الإجماع، وأنه لم يَعلم فيه نزاعًا، فلم يبق مع المعترض إلا عَدَمُ علم أبي ثور بالنزاع؛ وهذا غاية ظن أبي ثور.
-
وأيضًا؛ فإنَّ هؤلاء الثلاثة وأمثالهم وأضعافهم نقلوا النزاع في العتق لحديث ليلى [١٦٩/ أ] بنت العجماء وغيره، وهذا المعترض طعن في ذلك ــ كما تقدم ــ، مع أَنَّ القول بالكفارة في الحلف بالعتق إذا قال: كل مملوك
vol. 2, p. 611لي حر إِنْ فعلتُ كذا؛ نقله عن هؤلاء الصحابة: أبو ثور ومحمد بن نصر وأبو بكر بن المنذر ومحمد بن جرير وابن عبد البر وابن حزم وغير واحد من العلماء أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم.
-
فكيف يَحتج بما نقله بعض هؤلاء من الإجماع ولم يحتج بما نقلوه كلهم في النزاع؟! مع أَنَّ ما ينقلونه [من النزاع] (١) هم به أعلم مما ينقلونه من نفي النزاع، فإنَّ العلم بنفي النزاعِ إما متعذر وإما متعسر، وأما العلم بثبوته فهو متيسر.
-
ومع أن نقلهم للنزاع قد ذكروه (٢) بالإسناد المعروف عن الصحابة، وأما نقلهم للإجماع فلم يذكروا عن عالم من علماء المسلمين إسنادًا، بل ولا بلغهم في ذلك قولٌ عن أكثر علماء المسلمين، فإذا طَعَنَ فيما ينقل من (٣) أقوال بعض السلف المسندة المعروفة، فكيف يمكن مع هذا نقل أقوالهم كلهم؛ مع أَنَّا لا نعرف لجمهورهم في ذلك قولًا، وليست هذه المسألةُ مما ظهر للعامة والخاصةِ أنها من دين الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى يقال: إِنَّ المسلم لا بُدَّ أَنْ يُقِرَّ بها، ولا هي ــ أيضًا ــ مما عُرِفَ أنها اشتهرت في الصحابة أو في جميع المسلمين ولم يُنْكِر ذلك منكر، حتى يقال: إنها إجماع إقراري.
-
فأنواع الإجماع التي يمكن الاستدلال بها ثلاثة: إجماع إحاطي، وإجماع إقراري، وإجماع استقرائي (٤) ؛ فالأول: ما يحيط علمًا بأن الصحابة