الوجه الخامس: أن الله أمرنا بالاعتصام بالكتاب والسنة، فإذا دلا على حكم لم يجز أن تكون حجة الله الدافعة له هو إجماعا يسنده بعض العلماء إلى عدم علمه بالمنازع

8 paragraphs · vol. 2, p. 630

  1. دون ذاك النقل المثبت، فهذا ترجيح بلا مرجح، بل ترجيح للمرجوح على الراجح، بل ترجيح النافي على المثبت، بل ترجيحٌ لعدم العلم على العلم، وترجيحٌ للظن الضعيف على الظن القوي؛ وكل هذا لا يفعله إلا جاهل أو متجاهل.

    vol. 2, p. 630
  2. الوجه الخامس: [١٧٥/ أ] أَنْ يقال: من المعلوم أَنَّ الله ــ سبحانه وتعالى ــ بَيَّنَ للمسلمين الدين؛ كما قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: ٣] ، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: ١١٥] ، فقد بَيَّنَ الله ــ عز وجل ــ للأمة ما تتقيه، والذي يتقونه هو ما نهاهم عنه.

  3. وقد قال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} [الأعراف: ٣] ، وقال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: ١٥٣] ، وقال تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: ١٢٣] ، وقال سبحانه وتعالى: {وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة: ٢١٣] ، وقال عز وجل: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: ٥٩] والدلائل الدالة على وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة كثيرةٌ.

  4. وقد أمر الله ــ سبحانه ــ المسلمين بتبليغ ما بعث به رسوله - صلى الله عليه وسلم - من الكتاب والحكمة، وقال تعالى على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: ١٩] ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» . رواه البخاري (١) ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ألا ليبلغ الشاهد الغائب» أخرجاه في الصحيح (٢) ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «نَضَّرَ الله امرأً سمع منا حديثًا فبلَّغه إلى من لم يسمعه، فربَّ حامل فقهٍ غيرِ فقيه، وربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» رواه أهل السنن من حديث ابن مسعود وزيد بن ثابت بأسانيد حسنة (٣) .

    vol. 2, p. 631
  5. وإذا كان كذلك؛ فإذا دَلَّ الكتاب والسنة على حكمٍ لم يجز أن تكون

    vol. 2, p. 632حجة الله الدافعة لذلك هو إجماعًا يُسْنِدُهُ بعض العلماء إلى عدم علمه بالمنازع بعد القرون الثلاثة، لأنَّ قول هذا العالم لا يعرفه جمهور الناس، ولا كان مَنْ قَبْلَهُ يعرفه (١) ، فالعلماء الذين تكلموا في هذه [١٧٥/ ب] المسألة لا يجوز أن يكون مستندهم نقل هذا الإجماع، ولم ينقل أحد منهم إجماعًا قبله، كما كانوا ينقلون الأخبار التي يثبتون عليها الأحكام، ثم نقلها مَنْ بعدهم = فامتنع أن يكون مثل هذا النقل حجة الله التي جعلها عصمةً لعباده المؤمنين التي يهتدون بها؛ ولهذا يوجد الإجماع الذي هو إجماع يجب اتباعه معه كتاب أو سنة تقدمه على الإجماع يتبعها المؤمنون.

  6. ولهذا كتب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى شريحٍ يقول: اقضِ بما في كتاب الله، فإنْ لم يكن في كتاب الله فبما في سنة رسول الله، فإنْ لم يكن في سنة رسول الله فبما قضى به الصالحون. وفي روايةٍ: فبما أجمع عليه الناس (٢) .

    وكذلك قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: أَفْتُوا بما في كتاب الله، فإنْ لم تجدوا فبما في سنة رسول الله، فإنْ لم تجدوا [ ... ] (٣) .

  7. فأمروا باتباع الكتاب والسنة أولًا وَأَخَّرُوا الإجماع، لعلمهم بأنَّ ما في الكتاب والسنة لا ينعقد إجماع على خلافه، بل متى انعقد إجماع على خلافِ نَصٍّ فلا بُدَّ أَنْ يكون هناك نَصٌّ ظاهرٌ معلومٌ ناسخٌ للنصِّ المخالف للإجماع (١) .

    vol. 2, p. 633
  8. وأما ما يقوله بعض المتأخرين من تقديم الإجماع على نصوص الكتاب والسنة إما لكونه ناسخًا لها (٢) أو دالًّا على الناسخ لها = فخطأٌ مخالفٌ لِمَا كان عليه السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فإنهم لم يكونوا يَرُدُّونَ نصوص الكتاب والسنة إلا بنصوص الكتاب والسنة، ولا يَستدلون على نسخ النص إلا بنصٍّ ينسخه لا بمجرد ظن الإجماع، وإلا فالقرآن