الوجه السادس: طاووس من أجل أئمة المسلمين وهو ممن ثبت عنه النقل الصريح بأن الحلف بالطلاق ليس بشيء
50 paragraphs · vol. 2, p. 634
Page 1 of 2
- vol. 2, p. 634
والسنة التي أوجب الله ــ تعالى ــ اتباعهما، وقد أمر بتبليغهما الخلق = لا يجوز أَنْ يضيع ذاك على الأمة ويحيلهم على ما لا يمكن أحدًا معرفته، وإِنْ أمكنت معرفته إنما يكون لآحادِ الناس، فإنَّ العلمَ بالإجماعِ الذي يخالف النصوص ولا نص معه لو قُدِّرَ وجودُهُ = لكان العلم به متعذرٌ أو متعسرٌ، فلو كان الواجب ترك ما دل عليه الكتاب والسنة لمثل هذا = لكان قد وجب ترك ما عُلِمَ أنه حق لما لا سبيل إلى علمه، بخلاف الإجماعات المعلومة، فإنَّ معها دلائل الكتاب والسنة توافقها (١) .
-
ولهذا جمع الله ــ تعالى ــ في الوعيد بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين بقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ [١٧٦/ أ] مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: ١١٥] ، فإنَّ مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين متلازمان كلٌّ منهما حَقٌّ، كما أَنَّ طاعة الله وطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - متلازمان كلٌّ منهما حق.
-
الوجه السادس: أَنْ يقال: طاووس بن كيسان من أجل أئمة المسلمين، وهو ممن ثبت عنه النقل الصريح بأن الحلف بالطلاق ليس بشيء.
-
بل طاووس أَجَلُّ أصحابِ ابن عباس؛ قال أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء (٢) : (قال خصيف: أعلمهم بالحلال والحرام طاووس) (٣) .
vol. 2, p. 635وقال سفيان بن عيينة: (قلت لعبيد الله بن أبي يزيد: مع مَنْ كنتَ تدخل على ابن عباس؟ قال: مع عطاء. قلت: فطاووس؟ قال: أيهات (١) ذاك، كان يدخل مع الخواص) (٢) . وروى عن يحيى بن معين قال: (سُمِّيَ طاووسًا، لأنه كان طاووس القُرَّاء) (٣) .
-
والقراءُ في لغة السلف هم: أهل العلم والدين؛ كما في الحديث الصحيح: كان القُرَّاء أهل مجلس عمر، شيوخًا كانوًا أو شُبَّانًا (٤) .
-
فإنَّ لفظ المتكلِّم والمتصوِّف والزاهد والأصولي ونحو ذلك = ألفاظٌ محدثة، لم يكن الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعون لهم بإحسان يتكلمون بها.
وقال أبو حاتم بن حبان (٥) : (طاووس كان من فقهاء أهل اليمن وخيارهم، وعُبَّادِ التابعين وزهادهم) . وقد أدرك طاووس خمسين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - (٦) ، ومناقبه في العلم والدين مشهورة.
-
وطاووس أعلمُ بمسائل الطلاق مِنْ كُلِّ مَنْ نازعه فيها، فإنه كان قد تلقى علمها عن ابن عباس، ولم يكن على عهد ابن عباس أعلمَ بذلك منه ولا أفقه
vol. 2, p. 636منه، فإنه كان أعلم بذلك وأفقه مِنْ كل مَنْ عاصره مِنَ الصحابة مثل: عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وغيرهما، وكان عند طاووس من علم ابن عباس ما تميز به على جمهور أصحاب ابن عباس، وإنما كان يقاربه في ذلك عكرمة، لكن طاووس أكبر (١) وأعظم عند المسلمين من عكرمة؛ فإنَّ المسلمين متفقون على عِظَمِ قَدْرِهِ في العلم والدين، وأَنَّ رواياته عن ابن عباس من أصح الروايات، وفقهه في الحلال [١٧٦/ ب] والحرام من أعظم الفقه، بل يقال: إنه أعلمهم بالحلال والحرام مطلقًا.
-
وقد ذكر عبد الرزاق في مصنفه (٢) : عن ابن جريج قال: أخبرني ابن طاووس، عن أبيه: أنه كان يقول: (الحلف بالطلاق [باطل] ليس شيئًا. قلت: أكانَ يراه يمينًا؟ قال: لا أدري) .
-
وكذلك رواه سفيان بن عيينة، عن ابن طاووس، عن أبيه.
-
وروى ابن عيينة (٣) .
-
ونحوه حديث طاووس عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أَنَّ الثلاث كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرًا من خلافة عمر = طلاق الثلاث واحدة (٤) . وكان طاووس يفتي بذلك.
- vol. 2, p. 637
ولا يلزم إلا الطلاق المباح؛ ولهذا كان سفيان بن عيينة لا يفتي في الطلاق بشيء (١) ، لتعارض الآثار عنده في ذلك، ولو كان في الحلف بالطلاق إجماع لكان ابن عيينة من أعلم الناس به، ولم يكن يتوقف في مسألة يُجْمَعُ عليها؛ فإنَّ ابن عيينة طال عمره، وكان من أعلم أهل زمانه، وأخذ عن التابعين وتابعيهم = فلم يكن ممن يخفى عليه الإجماع في مثل ذلك، ولم يكن ممن يتوقف في الإجماع، ولم يدرك الشافعي أَجَلَّ مِنْ مالك وابن عيينة.
-
وقول طاووس: الحلف بالطلاق ليس شيئًا؛ معروفٌ في لغتِهِ وعادَتِهِ وعادَةِ أمثالِهِ من السلف أَنَّ المراد بذلك: أنه ليس بطلاق، وإِنْ لزم به حكم آخر.
-
كما روى عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه (٢) .
-
وقد رواه أبو بكر عبد العزيز في الشافي: (قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن طاووس قال: سئل عن الخلع. فقال: ليس بشيء. فقال له قائل: إنك لا تزال تأتينا بشيءٍ لا ندري ما هو. قال: والله لقد جمع ابن عباس بين رجل من أهل اليمن وامرأته كان طلقها
vol. 2, p. 638تطليقتين ثم خلعها) (١) . ومراده: أنه ليس بطلاق (٢) ، وإِنْ كان فرقة بائنة.
-
كما روى أبو بكر الأثرم في سننه: حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، [عن طاووس] ، عن ابن عباس في الخلع. قال: إنما هو فرقة وفسخ، ليس بطلاق، ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع بين ذلك فليس بطلاق (٣) .
-
ونظير ذلك ما أخرجاه في الصحيح عن ابن عباس أنه سُمِعَ يقول: إذا حَرَّمَ امرأته فليس بشيء، وقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ [١٧٧/ أ] فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: ٢١] ، وفي لفظٍ لمسلم عنه: إذا حَرَّمَ الرجل امرأته فهي يمين يكفرها، وقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (٤) .
-
فابن عباس الذي أخذ عنه طاووس يقول في التحريم: ليس بشيء؛ ومعناه: ليس بطلاق، لم يرد أنه لغو، بل صَرَّحَ مع ذلك أنه يمين يكفرها، واستدل بقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - حَرَّمَ على نفسِهِ العسل أو سُرِّيَّتِهِ فأنزل الله هذه الآية (٥) ، ولم يحرم على نفسه
vol. 2, p. 639امرأته؛ بل قوله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: ١ - ٢] يدل على أن مناط التحريم: تحريم ما أحلَّ الله (١) ، وأن في ذلك كفارة يمين.
-
كما ذُكِرَ نظير ذلك في قوله: {لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: ٨٧] ثم قال: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [المائدة: ٨٩] .
-
ونظير ذلك ــ أيضًا ــ: ما ثبت عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت فيمن جعل ماله في رتاج الكعبة إِنْ فعل كذا: إِنَّ في ذلك كفارة يمين (٢) . مع قولها ــ أيضًا ــ في ذلك: ليس بشيءٍ (٣) .
-
فقولهم: ليس بشيءٍ؛ معروفٌ عندهم أنهم ينفون به ما ظَنَّ السائل أنه ثابت؛ فلما كان الحالف بالنذر يظن لزومه قالت عائشة - رضي الله عنها -: ليس بشيء، بل هي يمين يكفرها.
-
وكذلك لَمَّا كان المحرِّم لامرأته يظنُّ أنه وقع به الطلاق قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: ليس بشيءٍ، ولكنها يمين يكفرها.
-
ولَمَّا كان الحالف بالطلاق يظن أنه قد لزمه الطلاق قال طاووس: ليس بشيء، وشك ابنه هل هي عنده يمين يكفرها أم لغو؟ لكن نَقَلَ عنه غيرُ ابنِهِ: أنها يمين منعقدة ليست لغوًا، فكان قوله أنها ــ أيضًا ــ يمين يكفرها، وكان
vol. 2, p. 640قول طاووس ــ رحمة الله عليه ــ مِنْ جنسِ قول ابن عباس وعائشة وغيرهما.
-
وفي الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الكهان. فقال: «ليس بشيءٍ» (١) . فنفى ما ظنه السائل من أنهم يعلمون ما يُسألون عنه، ويَصدقون في ذلك؛ فأخبر أنهم ليسوا كذلك، وإنما يقع في كلامهم بعض الصدق بسبب ما تلقيه الشياطين إليهم من استراق السمع.
-
[١٧٧/ ب] ومنه قوله تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} [المائدة: ٦٨] أراد: لستم على حق وهدى حتى تفعلوا ذلك، فنفى ما يَدَّعونه مِنْ أنهم على حق وهدى.
-
ومن ذلك: قول أهل الجرح في بعض الرواة: ليس بشيء، ينفون ما يُقصد منه وهو تصديقه في نقله، فإذا قالوا: ليس بشيءٍ؛ كان نفيًا لصدقه المطلق، فلا يوثق به، بخلاف من يكثر صدقه وضبطه ويغلط أحيانًا = فهذا لا يقولون فيه: ليس بشيء (٢) .
-
وقد عُرِفَ مذهب طاووس ــ رحمة الله عليه ــ من غير وجه: أَنَّ الحلف بالطلاق يمين منعقدة ليست لغوًا، مع أنها كما نقل عنه ابنه لا يقع بها طلاق، وَعُرِفَ من مذهب طاووس أَنَّ كل تعليق يقصد به اليمين فهو عنده يمين مكفرة.
vol. 2, p. 641قال ابن حزم (١) : (وصح عن طاووس أنه قال: الحلفُ بالعتاق ومالي هدي وكل شيء له في سبيل الله وهذا النحو= كفارة يمين) . وقد نَقَلَ ذلكَ عن طاووس غير واحد، كمحمد بن نصر المروزي (٢) وابن عبد البر (٣) وغيرهما.
-
وروى الأثرم في سننه (٤) : عن أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه في قوله: (إِنْ لم أفعل كذا وكذا فأنا مُحْرِمٌ بحجة. قال: يمين يكفرها) .
وقال سعيد في سننه (٥) : حدثنا حماد بن زيد، عن ليث، عن طاووس في الرجل يقول: (إِنْ لم أفعل كذا وكذا فامرأتي طالق إن شاء الله = فله ثنياه في الطلاق والعتاق) .
وقال أيضًا (٦) : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا ليث، عن عطاء وطاووس ومجاهد والنخعي والزهري أنهم قالوا في قول الرجل لامرأته: (أنت طالق إِنْ لم أفعل كذا وكذا إن شاء الله فلم يفعل = فله ثنياه) .
-
فهذا يدل على أن الحلف بالطلاق منعقد عنده، ينفع فيه الاستثناء، ولو كان باطلًا ــ كما يقوله مَنْ يجعلها يمينًا لغوًا ــ لم يحتج إلى الاستثناء، بل
vol. 2, p. 642كان هذا بمنزلة ما لو طَلَّقَ أجنبيةً إِنْ فعل كذا، وبمنزلة ما لو قال: وحَقِّ الطلاقِ لا أفعل كذا.
-
وأيضًا؛ فنقل ابن المنذر (١) في الاستثناء في الطلاق إذا كان بيمين حلف بها: أنه لا شيء عليه.
-
[١٧٨/ أ] قال ابن المنذر (٢) : (وفيها قولٌ ثالث: إن بدأ بالطلاق فليس له استثناء، وإذا حلف بالطلاق على شيءٍ واستثنى فله استثناؤه) . قال: (وقال أحمد: هما سواء، وإنما يكون الاستثناء في الأيمان، والطلاق والعتاق ليس بيمين) .
-
وهذا الذي نقله عن أحمد هو إحدى الروايتين عنه، والرواية الأخرى عنه كقول طاووس الذي نقله عنه: (إِنْ طلقها ابتداءً لم ينفع الاستثناء، وإِنْ حَلَفَ بالطلاق واستثنى نفعه فله استثناؤه) ، وهذا صريحٌ من قول طاووس أنَّ الحلف بالطلاق يمين منعقدة ينفع فيها الاستثناء، وقد فَرَّقَ بين إنشائه والحلف به [في] (٣) الاستثناء كقول أحمد في إحدى الروايتين، وهذا يمنع أن يكون الحلف بالطلاق لغوًا عنده، ويوجب أنها يمين منعقدة، ولولم يقله لم تجب الكفارة = فكان لغوًا؛ فعلم أنه يوجب الكفارة في الحلف به.
- vol. 2, p. 643
ونقل الطحاوي (١) عن طاووس وطائفة من التابعين أنهم كانوا يقولون: (مَنْ حَلَفَ بالله أو بالطلاق أنه لا يفعل شيئًا وفعله ناسيًا ليمينه = أنه يحنث) .
-
وقول طاووس وغيره: إنه يحنث= دليلٌ على أنها يمين منعقدة عندهم، واليمين المنعقدة في دين المسلمين التي يحنث فيها= لا بُدَّ فيها من الكفارة أو لزوم ما عَلَّقَه.
-
فإذا كان قوله: (إِنَّ الطلاق لا يلزمه) ، وهي يمين منعقدة عنده = عُلِمَ أَنَّ فيها الكفارة.
-
وأيضًا؛ فمذهب طاووس: أَنَّ النذر يمين؛ كما روى أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (٢) : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ليث، عن طاووس قال: (النذر يمين) .
-
ومَنْ قال: إِنَّ الحلف بالطلاق لا يلزم ولا كفارة فيه، مع قوله هو يمين = إما أَنْ يقول: ليس هو من أيمان المسلمين، كالذين يقولون ذلك مِنْ حَلِفٍ بالنذر وغيره، أو يقول: إِنَّ الطلاق نفسه ليس قربة، فلو نَذَرَهُ لم يلزمه شيء، بخلاف العتق وغيره، فإنه لو نذره لزمه، فإذا حَلَفَ به لزمه.
-
وطاووس قد عُرِفَ من مذهبه: أنه يجعل التعليق الذي يقصد به اليمين يمينًا لازمة، وأنه يجعل النذر يمينًا.
-
فَمَنْ نَذَرَ مباحًا ــ كالطلاق وغيره ــ لزمه كفارة [١٧٨/ ب] يمين.
-
فإذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فامرأتي طالق، كان كقوله: لله عليَّ أَنْ أُطَلِّقَ،
vol. 2, p. 644وهذا عنده فيه كفارة يمين.