الجواب الأول: منع هذه الدعوى، وبيان ذلك
13 paragraphs · vol. 2, p. 655
- vol. 2, p. 655
وغيره من الإجماع على أن المأموم لا يجب عليه القراءة في هذه الحال (١) ، ومخالفة أبي حنيفة بإيجاب قيمة الصيد نفسه (٢) ، واعتقاده أَنَّ هذا موجب القرآن ما استفاض عن الصحابة والتابعين من إيجاب المثل؛ كما أوجبوا في النعامة بدنة، وفي البقرة الوحشية بقرة (٣) ، ونظائر ذلك.
-
الرابع: قوله: (ومصادمة نقل الإجماع لا يكون بالاستدلال والقياس، وإنما يكون بالنقل الصريح) عنه جوابان:
أحدهما: أَنَّ هذه الدعوى ممنوعة؛ بل نقل حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي هو أبلغُ مِنْ نقلِ الإجماع مما قد يستدل على بطلانه بالأدلة الدالة على ذلك؛ فكيف لا يجوز أن يستدل على خطأ ناقل الإجماع بالأدلة الدالة على خطئه في نقله؟!
-
ومعلوم أَنَّ نقلَ الحديث المعين المسموع من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ثم من الصاحب، ثم من التابع أصحُّ من نقل الإجماع؛ فإنَّ هذا نقلٌ لما علمه بالسماع، وهو نقلٌ متصلٌ لا منقطعٌ، وأما ناقل [١٨٢/ أ] الإجماع فهو ينقل عن خَلْقٍ كثيرٍ لا يمكنه الإحاطة بأقوالهم، وإذا أمكنه ذلك فهو لم ينقل ألفاظهم، وإنما نَقَلَ ما يظنه اعتقادهم، فقد يغلط في فهم مرادهم، وإذا قُدِّرَ
vol. 2, p. 656أنه لم يغلط؛ فهو لم ينقل عنهم، ولا معه نقل مسند عن كُلِّ واحدٍ واحدٍ، بل غايته أنه نَقْلٌ مرسل.
-
وأيضًا؛ فإنه نَقْلٌ اجتهادي يُعرف بالاستقراء والتتبع مثل: ما يستقرئه النحوي من قوانين كلام العرب، فينفي أَنَّ في كلامهم عطف على الضمير (١) المجرور بدون إعادة حرف الجار، وقد يكون في كلامهم ما لم يبلغه كقولهم: ما فيها غيره وفرسه (٢) .
-
وكذلك نقل المحدث لمن روى الحديث من الصحابة، فقد يقول: لم يروه إلا فلان وفلان، ويكون قد رواه غيرهم، وهو لم يبلغه.
-
ونقل الخلاف في مذاهب الأئمة، كقول القائل: لا يختلف مذهبه في كذا وكذا، وقد يكون فيه خلاف لم يبلغه.
-
ونقل مذاهب المتكلمين والنحاة والأطباء، فكثيرًا ما يقول القائل: اتفق المتكلمون أو النحاة أو الأطباء على كذا، ويكون فيه نزاع لم يبلغه.
-
وإذا كان كذلك؛ فخطأُ الناقل لها هو أبلغ من نقل الإجماع [الذي] (٣) يُعلم بالاستدلال، فكيف لا يعلم خطؤه في نقل الإجماع بالاستدلال؟ لا سيما وعمدته في نقله ظَنُّهُ عدمَ النزاع، بل نفس العلم بالإجماع مما ينظر بالاستدلال: هل يمكن أم لا يمكن؟
-
فإذا كان الكلام في جنس الإجماع، وإمكانه، وإمكان العلم به
vol. 2, p. 657بالاستدلال، فَلِمَ لا يجوز الكلام في إجماع معين وإمكانه وإمكان العلم به، ووقوع ذلك بالاستدلال؟
-
والناس قد تكلموا في إجماع الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ على جواز (١) القياس: هل فيه إجماع أم لا؟ وكلٌّ من الطائفتين تكلمت في ذلك بالاستدلال؛ فطائفة أثبتت إجماعهم عليه بالاستدلال، وطائفة نازعت في ذلك (٢) .
-
ولما ادعى قومٌ الإجماع السكوتي، فقال: إِنَّ بعضهم إذا قال قولًا فانتشر في الناس ولم ينكروه صار إجماعًا، نازعهم آخرون في دعوى هذا الإجماع بالاستدلال، وقالوا: لا ينسب إلى ساكت قول، وقالوا: قد يكون سكوتهم لكذا وكذا (٣) .
-
وما زال الناس يَدَّعِي أحدهم [١٨٢/ ب] إجماعًا، ويقيم الآخر الدليل على بطلانه؛ فإنَّ الناس تنازعوا في إجماعات متعددة هل هي إجماعات يجب اتباعها؛ كإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة، وكإجماعهم إذا لم ينقرض العصر حتى تنازعوا، وكإجماع التابعين دون الصحابة، وكإجماع الجمهور، وكإجماع العلماء دون العامة، أو دون العالم بالأصول والحديث، وكالإجماع المنقول بخبر الواحد ونحو ذلك.
-
فإذا قُدِّرَ أَنَّ ناقلًا نقل إجماعًا ومستنده اعتقادُهُ بعضَ هذه الإجماعات أنها