المعترض اعترض على فتوى للمجيب لم يستوعب الكلام فيها نقلا وبحثا وإنما كتبه على البديهة

68 paragraphs · vol. 2, p. 709

Page 1 of 2

  1. وهذا يظهر لكلِّ مَنْ تأمل كلام هذا المعترض وأمثاله في مثل هذه المسألة، فإنَّ المقصود بالجواب عن اعتراضاته ليس هو ذمهم والرد عليهم ولا ذمه، بل هو مشكورٌ محمودٌ مثنًى عليه مُكْرَمٌ، لِمَا ذكره مما استفرغ فيه وسعه، حيث كان ذلك من أسباب ما ظهر من الهدى ودين الحق الذي بعث الله ــ تعالى ــ به رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

    vol. 2, p. 709
  2. ولكن المقصود: رَدُّ جنسِ الكلام الباطل الذي يناقض ما يناقضه من الهدى ودين الحق. والمردود: القول الباطل نقلًا وبحثًا، مِنْ أَيِّ قائل كان، فإنَّ ما يقوله زيد قد يقوله وما هو أفسد منه عمرو وبكر.

  3. الوجه [السابع] : أَنْ يقال: قد ذكرتَ هنا أنك أبديت احتمالات فيما نُقِلَ عن طاووس، كما ذكرت احتمالات أُخَر عنه، مع اعترافك أنك لم تر عنه نصًّا ظاهرًا خلاف ما نقله المصنف عنه، ولا ريب أنك لم تذكر عنه نصًّا ظاهرًا بخلاف ما نقله المصنف وغيره، لا في الحلف بالعتق ولا في الحلف بالطلاق، وهذا الذي رددتَ عليه لم يكن مُصَنَّفًا، ولكن أنت تُسمِّيه مصنفًا، ولكن هو جواب سائل؛ ولهذا لم يستوعب المجيب الكلام فيه في المسألة نقلًا وبحثًا، وإنما كتبه على البديهة كما يكتب جواب المسائل.

  4. ولما لم يكن الكلام فيه مستوفًى ظَنَّ هذا المعترض وأمثاله أَنَّ هذا هو غاية ما في المسألة من النقل والبحث، فَطَمِعَ مثل هؤلاء في رَدِّ ذلك، وإِنْ كانوا مع قلته لم يردوه بحق، فلمَّا انتشر الكلام فيها وظهر لهم بعد هذا من النقل والدليل ما لم يكن في هذا الجواب= تكعكع مَنْ كان يتحدى بما عنده من العلم والبيان، وكتموا ما كانوا كتبوه في حكم هذه الأيمان، وبلغني أَنَّ

    vol. 2, p. 710المعترض [لمَّا] (١) رأى بعض ما ذُكِرَ ــ غَيْرَ الجواب المختصر ــ بَسَطَ هذا الاعتراض هذا البسط؛ ولهذا وقع فيه ما وقع من التكرار، وأنه لما رأى ما هو أبلغ [١٩٨/ ب] من ذلك استعفى عن معاودة الاعتراض (٢) .

  5. والمقصود هنا: أَنَّ المجيب لم يذكر في ذلك الجواب المختصر كلامَ طاووس وغيره في الطلاق، بل ذكر الخلاف مجملًا بأنه إذا حنث فللعلماء فيه ثلاثة أقوال:

    أحدها: أنه إذا حنث وقع به الطلاق والعتاق.

  6. والثاني: لا يقع به شيء ولا كفارة عليه.

  7. والثالث: عليه الكفارة.

  8. ولمَّا لم يذكر المجيب كُلَّ قولٍ ومَنْ نقله = طَمِعَ مَنْ طَمِعَ في الاعتراض على الجواب المختصر، ولكن المجيب وغير المجيب قد نقلوا عن طاووس أن الحالف بالطلاق لا يقع به الطلاق، وذكروا إسناد هذا النقل، فإنه رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن ابن طاووس، عن أبيه. ورواه سفيان بن عيينة، عن ابن طاووس، عن أبيه (٣) .

  9. وابن حزم (٤) فيمن نقله عن طاووس، وذكره من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني ابن طاووس، عن أبيه أنه كان يقول بالحلف بالطلاق ليس شيئًا. قلتُ: أكان يراه يمينًا؟ قال: لا أدري.

    vol. 2, p. 711وقال المعترض:

    (يحتمل أن يكون مراده ليس صوابًا، فإنه مكروه لأنه حلف بغير الله، أو أنه لا بأس به، أو أَنَّ مراده إذا أكره على الحلف به، وَرَجَّحَ هذا الاحتمال) .

  10. فيقال له: صَرْفُ اللفظِ إلى معنىً يخالفُ ظاهرَهُ يحتاج إلى أمور: أَنْ يكونَ اللفظ مستعملًا في عُرْفِ ذلك المتكلم في ذلك المعنى، وإلى أَنْ يكون عنده دليل يبين أنه لم يرد ظاهره، وإلى ألا يُعرف عنه ما يُبين مراده خلاف ذلك؛ وهذه الثلاثة منتفية هنا (١) .

  11. فإنَّا قد ذكرنا عن طاووس، وعن أَجَلَّ منه مثل ابن عباس وغيره، أَنَّ مرادهم بمثل هذا اللفظ في هذا: أنه لا يقع به الطلاق وإن لزمته الكفارة، كما قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في الحرام: ليس يمينًا (٢) . وقال: إنه يمين مكفرة (٣) . وكما سئل طاووس عن الخلع، فقال: ليس بشيء (٤) . وذُكِرَ ذلك عن ابن عباس (٥) ، وبَيَّنَ مراده أنه ليس بطلاق بل فرقة بائنة. وكما قالت عائشة - رضي الله عنها - في نذر اللجاج والغضب: ليس شيئًا (٦) . ومرادها: أنه لا يلزم وإِنْ وجبت فيه الكفارة.

  12. فعادتهم [١٩٩/ أ] ينفون بهذا اللفظ ما يَظُنُّ السائل أنه ثابت وهو منتفٍ،

    vol. 2, p. 712وإِنْ أثبتوا به شيئًا آخر، كما سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الكهان، فقال: ليسوا بشيء (١) .

  13. وكذلك ما ذُكِرَ [مِنْ] (٢) قول سعيد بن المسيب لَمَّا سُئِلَ عن الإيلاء: ليس بشيء (٣) . ومرادُهُ أنه ليس بطلاق عند مضي الأجل، كما يقوله بعض الناس، فإنَّ مذهب سعيد هو قول الجمهور: أنه يوقف؛ فإما أن يفيء وإما أَنْ يُطَلِّقَ، فمراده بقوله: ليس شيئًا: نَفْي كونه طلاقًا.

  14. كما أراد طاووس بقوله: (ليس شيئًا) في الخلع وفي الحلف بالطلاق أنه ليس طلاقًا (٤) .

  15. وكما أراد ابن عباس في قوله في الحرام: ليس شيئًا؛ أي: ليس طلاقًا.

  16. وكذلك محمد بن عبد الله الأنصاري (٥) لما سَأَلَ ابن عون عن الدرهم الزائف: أَيَسَعُ الرجلَ أَنْ يشتري به شيئًا؟ قال: بَيَّنَهُ؟ قلتُ: لا. قال: كان محمد يكرهه. قلتُ: فإنْ بَيَّن. قال: كان محمد لا يراه شيئًا. أي: لا يراه

    vol. 2, p. 713حرامًا. فنفى بقوله شيئًا ما ظَنَّهُ السائلُ من التحريم.

  17. كما نفت عائشة بقولها في نذر اللجاج والغضب: ليس شيئًا؛ ما ظَنَّهُ السائل من لزوم النذر له مع إثباتها للكفارة فيه.

  18. وأهل الجرح والتعديل يقولون في المحدث الواهي: ليس بشيءٍ؛ ينفون عنه ما يقصد به ويُظَن فيه من العمل بروايته.

  19. وأصل هذا: أَنَّ قولَ القائل: ليس بشيء؛ نفيٌ لحقيقة الشيء، فإذا كان الشيء يراد به شيء، وذاكَ المرادُ منتفٍ فيه= قيل: ليس بشيء، كما يقال عمن يُقْصَدُ منه العلم أو العدالة أو العطاء أو الشجاعة ولا يكون كذلك= يقال فيه: ليس بشيء؛ فَيُنْفَى بذلك ما يقصد به.

  20. وكذلك اللفظ الذي يعتقد أنه خبر مطابق لمخبره إذا لم يكن مطابقًا؛ قيل فيه: ليس بشيء.

  21. وكذلك العقد الذي يعتقد أنه ثبت موجبه إذا انتفى عنه موجبه قيل: ليس بشيء.

  22. ومعلومٌ أَنَّ عقد التعليق يقتضي ثبوت المعلق عند الشرط، سواء كان المعلق نذرًا أو طلاقًا أو عتقًا، فإذا لم يكن موجبه ثابتًا بل كان مرتفعًا للكفارة أو غيرها، قيل في تعليق النذر كما قالت عائشة: ليس بشيء، وقيل في تعليق الطلاق كما قال طاووس: ليس شيئًا.

  23. وكذلك [١٩٩/ ب] قول الرجل لامرأته: أنت عليَّ حرام؛ مقتضى هذا اللفظ ثبوت التحريم، فلما كان هذا اللفظ عند ابن عباس - رضي الله عنهما - قد انتفى موجبه قال: ليس بشيء.

  24. وإذا كان السائل يعتقد ثبوت موجبه، اجتمع فيه (١) أنه موجب اللفظ وأنه اعتقاد السائل، فصار قوله فيه: (ليس بشيء) أوكد وأوكد، كالكهان الذين (٢) يَطلب منهم الصدق فيما يخبرون به، ويظن فيهم الصدق، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم: «ليسوا بشيء» (٣) .

    vol. 2, p. 714
  25. والعرب يقولون: ليس زيد بشيء إلا شيئًا لا يُعبأ به؛ فينفون به ما يقصد من مثله إلا ما لا يعبأ به، وقد يكون هناك سبب يقتضي [ذلك] (٤) .

  26. وقد يعتقد الرجل في الكلام أمرًا، فيقال له: ليس بشيءٍ؛ لنفي ما اعتقده فيه، كقول ابن المسيب في الإيلاء: ليس بشيء؛ أي: ليس بطلاق (٥) .

  27. فهذا الثاني معروف في كلام العرب عامة، وكلام علماء الصحابة والتابعين خاصة، وكلام طاووس وشيخه ابن عباس خاصة الخاصة، قد عُرِفَ مرادهم بمثل هذا الكلام في مثل هذه العقود التي تنازع الناس فيها، هل هي طلاق أم غير طلاق؟ كالتحريم والخلع والحلف بالطلاق، فيقولون: ليست بشيء؛ ومرادهم: ليست بطلاق، وإذا عرف مرادهم وعادتهم التي يريدونها بمثل هذا اللفظ، ولم يكن عنهم ما يناقض ذلك، بل سائر النقول عنهم (٦) توافق ذلك= امتنع أَنْ يحملَ كلامهم على غير ذلك.

  28. وطاووس قد عُرِفَ مِنْ مذهبه أَنَّ التعليقات التي يقصد بها اليمين ــ كتعليق العتاق والنذر ــ أنها ليست عنده موجبة لمقتضاها وهو العتق والنذر، ومثل ذلك يقولون عنه في عادتهم: ليس بشيء؛ أي: ليس نذرًا ولا طلاقًا.

    vol. 2, p. 715
  29. وقد عُرِفَ من عادة طاووس وطائفته أنهم يقولون في العقود المتنازع فيها هل هي طلاق أم لا؟ ليست شيئًا؛ أي: ليست طلاقًا، كما قالوا مثل ذلك في: الخلع والتحريم والحلف بالطلاق، غايَتُهُ أَنْ يكونَ صيغةَ تعليقٍ للطلاق.

  30. فإذا قال فيه: ليس الحلف بالطلاق شيئًا، وقد عُرِفَ إطلاقُ مِثْلِ هذا العقد الذي اشتبه هل هو طلاق أو غير طلاق؟ [٢٠٠/ أ] فقال: ليس بشيء؛ ومراده: ليس بطلاق، وَعُرِفَ أَنَّ التعليق الذي يقصد به اليمين عنده لا يلزم به ما عُلِّقَ به حتى العتق، وَعُرِفَ ــ أيضًا ــ من عادتهم أنهم إذا نَفَوا لزوم المعلق قالوا: ليس بشيءٍ = كان هذا مما يوجب علمًا يقينًا لا يستريب فيه عالمٌ عادلٌ أَنَّ مراد طاووس بقوله: ليس الحلف بالطلاق شيئًا؛ أَيْ: ليس بطلاق لازم، والشَّكُّ في هذا بعدَ معرفةِ هذا من أبلغ السفسطة.

  31. ولهذا لما قال ابن جريج لابنه: أكان يراه يمينًا؟ قال: لا أدري.

  32. وابن جريج عالم مكة وإمامها، وعبد الله بن طاووس من أَجَلِّ أهل الدين والعدالة والصدق فيما ينقله عن أبيه، وهو من أَجَلِّ مَنْ يَعتمد أهل الصحيح على روايته عن أبيه، بل من أعظم أهل زمانه، حتى قال أيوب لمعمر: إِنْ كنت راحلًا إلى أحدٍ، فعليك بابن طاووس، فهذه راحلتي. وفي لفظ: هذه رحلتي إليه (١) . وقال معمر: ما رأيت ابن فقيه مثل ابن طاووس.

  33. فقيل له: ولا هشام بن عروة. فقال: حسبك بهشام بن عروة، ولكن لم أر مثل هذا (١) .

    vol. 2, p. 716
  34. وابن جريج عَلِمَ أَنَّ مراده أنه ليس بطلاق، ثم سأله هل كان يراه يمينًا؟ فقال: لا أدري. وهذا يبطل كونه أراد يمين الإكراه (٢) ، فإنَّ المكره إذا أكره على الطلاق، فلا يقع ولا يلزمه (٣) يمين عند أحد من العقلاء، ولا يَشك عاقل أنه لا يلزمه الطلاق، بل يلزمه يمين، فلمَّا جَزَمَ ابنه بأنه قال: ليس شيئًا، وَشَكَّ هل هو يمين؟ عُلِمَ أنه لم يرد بما نقله عن أبيه من أنه أُكْرِهَ على الحلف بالطلاق.

  35. وقد قال هذا المعترض: إِنَّ (هذا الاحتمال هو الذي انقدح في نفسي وقوي، لأني رأيتُ هذا الأثر في مصنف عبد الرزاق في باب طلاق المكره، بعد أثر عن ابن جريج عن عطاء في الرجل يضطره الأمير إلى الطلاق في أمرٍ هو له ظالم. قال: ليس عليه بأس أَنْ يحلف؛ فعبد الرزاق الراوي عن ابن جريج للأثرين (٤) جميعًا، وهو أقرب عهدًا بأصحابهما (٥) ، وأقرب إلى

    vol. 2, p. 717معرفة (١) مرادهما= قد خَرَّجَ ذلك في باب الإكراه، وَبَوَّبَ للحلف بالطلاق بابًا مفردًا غير هذا، ولم [٢٠٠/ ب] (٢) يخرج الأثر فيه؛ فَدَلَّ على أنه فَهِمَ ما قلناه) (٣) .

  36. فيقال له: معلومٌ أَنَّ علم عبد الله بن طاووس بمراد أبيه ومراد ابن جريج وقد سمعه من طاووس= أتم وأعظم من علم عبد الرزاق، فإنَّ هؤلاء أقرب عهدًا.

  37. وكذلك سفيان بن عيينة عن ابن جريج؛ فإنَّ هؤلاء أعلم وأفضل وأفقه من عبد الرزاق باتفاق المسلمين.

  38. وعبد الرزاق كما قال أحمد فيه: لم يكن من الفقهاء أهل الاستدلال، وإنما كان محدثًا ناقلًا لقول غيره (٤) ، وابن جريج أحد الأئمة في الفقه.

  39. مع أَنَّ ذكر عبد الرزاق له في هذا الباب هو لمناسبته ما تقدم، فإنَّ الحاجةَ إلى معرفةِ الحلف بالطلاق في أيمان المكرهين أعظم، فإنه كثيرًا ما يُكره الرجل على الحلف بالطلاق، فيظن أنه إذا حنث لزمه الطلاق، فذكر

    vol. 2, p. 718هذا مع ذلك ليبين أَنَّ طاووسًا يفتي المكره بما أفتاه عطاء أنه لا يلزم الطلاق الذي حلف به، ثم لما ذكره مرة لم يُعِدْهُ في ذلك الباب، كما جرت عادتهم أنهم يكتفون برواية الحديث والأثر في أحد البابين وإِنْ كان مناسبًا لهما جميعًا.

  40. وبالجملة؛ فليس فيما فعله عبد الرزاق ما يدل على أنه فَهِمَ اختصاص ذلك بالمكره، ولو قال ذلك = لم يكن فهمه مساويًا لفهم شيخه ابن جريج الذي هو أعلم منه وأقرب عهدًا بالمتكلم، وكذلك فهم عبد الله ابنه.