المعترض اعترض على فتوى للمجيب لم يستوعب الكلام فيها نقلا وبحثا وإنما كتبه على البديهة

68 paragraphs · vol. 2, p. 709

Page 2 of 2

  1. ثم يمتنع أن يكونوا نقلوا قوله في المكره خاصة مع الجزم بأنه ليس بطلاق، والشك هل هو يمين أم لا، فإنَّ هذا لا يصدر من عاقل يتصور ما يقول، فإنه إذا كان الحلف بالطلاق هو تطليقًا عند طاووس يلزمه إذا أوقعه مختارًا، ثم قال في المكره عليه: لا يقع به طلاق؛ فهل يمكن مع هذا أَنْ يكون المكره على الطلاق يقال: إِنَّ ما أُكْرِهَ هل هو يمين أم ليس بيمين، وهل يشك ابنه الذي عَرَفَ مراده بقوله: ليس بشيء؛ أنه قد يكون عنده يمينًا وقد لا يكون، وكيف يتصور إذا لم يقع طلاق المكره أَنْ يكون يمينًا؟

    vol. 2, p. 718
  2. ثم لفظ طاووس: الحلف بالطلاق ليس شيئًا؛ يذكر لفظ الحلف [٢٠١/ أ] لا لفظ الطلاق، وأطلق اللفظ وعممه ولم يخص منه المكره. فإذا قيل: المراد به المكره، لم يكن لذكر لفظ الحلف اختصاص بذلك، وَلَوَجَبَ ذِكْرُ لفظِ الإكراه؛ فكيف يجوز حمل كلام الرجل على معنى لفظٍ لم يَذكره، ويُلغى معنى اللفظ الذي ذكره، ويجعل لفظ العام المطلق خاصًّا مقيدًّا بلا دليل؟

  3. فإنَّ المكره سواء أكره على إيقاعه أو الحلف به لا يلزمه، ولم يُفَرِّق أحدٌ

    vol. 2, p. 719من العلماء بين الإكراه على الطلاق والإكراه على الحلف به فيما ذكره الناس؛ بل الجمهور يقولون: طلاق المكره لا يقع سواء كان موقعًا أو حالفًا، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد، وأما أبو حنيفة فيقول بلزوم الطلاق للمكره، وغاية الحالف أَنْ يكون موقعًا فيلزمه.

  4. والحكاية التي ذكرها عن الأوزاعي تُناسب ذكر عبد الرزاق لهذا في باب الإكراه، فإنَّ ذاك الرجل من الصحابة كان عليًّا - رضي الله عنه -، وعبد الرزاق كان باليمن، وكان مع موافقته لسائر أهل السنة في محبة علي وموالاته يبالغ في ذلك [حتى] (١) نُسِبَ بسبب ذلك إلى التشيع؛ فَذَكَرَ قول طاووس مع قول عطاء ليعرف أن المكره على الحلف به لا يقع به الطلاق، لا لأن طاووسًا خَصَّ المكره مع عموم كلامه لكل حالف، ومع تخصيصه الحالف دون المُطَلِّق، ومع أن ابنه وابن جريج السائل لابنه يشكان هل جعله يمينًا أم لم يجعله، ولو كان كلامه مختصًّا بالمكره لم يكن للشك وجه كما تقدم.

  5. وأما قول القائل: مراده: أنه لا بأس به؛ فهذا أفسد مما تقدم، فإنَّ هذا اللفظ لا يحتمل هذا المعنى في عُرْفِ طاووس وأمثاله بوجهٍ من الوجوه، كما لا يحتمل ذلك في قوله لما سُئِلَ عن الخلع، فقال: ليس بشيء. وقول ابن عباس إذا حَرَّمَ امرأتَهُ فليس بشيء (٢) . وقول عائشة - رضي الله عنها - في نذر اللجاج والغضب: ليس بشيء (٣) . وقول ابن المسيب في الإيلاء: ليس

    vol. 2, p. 720بشيء (١) ؛ وكذلك تأويله ليس بصواب؛ فإنه أولًا: هذا يناقض قوله لا بأس به؛ فياليت شعري كيف يُفسَّرُ مراد الرجل بقولين متناقضين؟!

  6. ثم قد عرف عادة طاووس في [٢٠١/ ب] مثل هذا اللفظ، فلا يجوز حَمْلُ كلامِهِ على غير عادته المعروفة من خطابه.

  7. وأيضًا؛ مثل هذا اللفظ استعملوه لمثل هذا المعنى.

  8. وما ذَكَرَهُ من رواية أبي الزبير عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: فَرَدَّهَا عليَّ (٢) ولم يرها شيئًا (٣) ، وعامة الناس فهموا من ذلك: أنه لم يَرَهَا طلاقًا؛ وهذا مما يُبَيِّنُ أَنَّ هذا هو المفهوم من مثل هذا اللفظ في عُرْفِ السلف.

  9. ثم طائفة قالت: نافع روى عن ابن عمر خلافَ ذلك (٤) ، وقد تابعه يونس وغيره (٥) ، وهو أثبت من رواية أبي الزبير، وطائفة تثبت رواية أبي الزبير، وذكروا لها شاهدًا من بعض الطرق عن نافع كما فعله ابن حزم (٦)

  10. وغيره، ولو كان المفهوم منها لم يره صوابًا = لكانت رواية أبي الزبير كرواية غيره، وهذا خلاف ما عليه جمهور الناس.

    vol. 2, p. 721
  11. وإذا قيل: إِنَّ بعض العلماء ــ كالشافعي ــ فَسَّرَهَا بهذا.

  12. قيل له: مَحَلُّ النزاع لا يثبت بمحلِّ النزاع، فإنْ لم يثبت عرفُ استعمالٍ لهذا اللفظ أَنَّ أولئك كانوا يريدون به هذا في مثل هذا الكلام، وإلا فلا يجوز الاحتجاج بقولٍ قد خالفَ قائلُهُ جمهورَ الناس بلا حجة، بل نقول: الأصلُ في اللفظِ عدم الاشتراك، وإذا كانَ المرادُ ما قلناه؛ لزم عدم الاشتراك.

  13. وإذا جُعِلَ يستعمل في هذا تارة وفي هذا تارة؛ كان إثباتًا للاشتراك بلا حجة أصلًا، بل بمجرد الدعوى؛ وهذا لا يجوز.

  14. ومتى عُرِفَ أنهم يستعملون اللفظ في معنًى كانَ حَمْلُ لفظهم على ما جرت عادتهم بإرادته.

  15. ثم هذه القرمطة في كلام طاووس نفسه، مثل القرمطة في كلام من نَقَلَ قولَهُ كمحمد بن نصر، فإنه نقل عن طاووس والحسن مثل قول أبي ثور، فقال: (يحتمل أن يكون مراده أَنَّ طاووسًا فَرَّقَ بين الطلاق والعتاق كأبي ثور) ، ومعلومٌ أنه لم يَنْقُلْ أَحَدٌ لا محمد بن نصر ولا ابن جرير ولا مَنْ بعدهم كابن عبد البر وابن حزم، ولا مَنْ قبلهم كالشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي ثور وغيرهم عَنْ أَحَدٍ من علماء المسلمين أَنَّهُ فَرَّقَ بين الحلف بالطلاق والعتاق، ولو كان هذا موجودًا لكان هذا مِنْ أعظمِ ما

    vol. 2, p. 722يَستند إليه أبو ثور [٢٠٢/ أ] وابن جرير في تفريقهما، مع أنهما أعلم بأقوال السلف.

  16. ومعلومٌ أَنَّ أبا ثور قد عَرَفَ النزاعَ في العتق، فلو عَرَفَ أَنَّ طاووسًا أو غيره فَرَّقُوا بينهما لذكر ذلك.

  17. وأيضًا؛ فهذه الكتب المصنَّفة في أقاويل السلف مثل: مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة وسنن سعيد بن منصور وغيرها، ليس في شيء منها نَقْلٌ عن طاووس بأنَّ الطلاقَ المحلوفَ بِهِ يقع، ولا نَقَلَ ذلك عنه أحد من أهل الخلاف، فلو كان عند ابن نصر عن طاووس نَقْلٌ بأنه يُفَرِّقُ بين الطلاق والعتاق كأبي ثور = لكان هذا النقلُ موجودًا عِنْدَ مَنْ قَبْلَهُ أو عند أحدٍ منهم (١) ، وَلَنَقَلَ ذلكَ المصنِّفون لأقوال السلف والمصنفون للخلاف.

  18. ثم النقل الصريح الثابت عنه أنه كان يقول: الحلف بالطلاق ليس شيئًا، وكان يراه يمينًا منعقدة مكفَّرة، وكذلك الحلف بالعتق والنذر عنده يمين منعقدة، وليس عتقًا ولا نذرًا، بل جميع ذلك عنده يمين منعقدة مكفرة؛ فهذا قوله المنقول عنه بالأسانيد التي يُصَدِّقُ بعضها بعضًا، ليس في شيءٍ من ذلك أنه كان يُفَرِّقُ بين الحلف بالعتق والطلاق، ولا أنه كان يرى الحالف بالطلاق يلزمه الطلاق.

  19. وهذا المعترض قد بالغ في مطالعة الكتب لعلَّه يَظْفَرُ عنه بشيء، فاعترف بأنه لم ير عنه نصًّا ظاهرًا يخالف ما نقله المجيب، ولهذا لم أنقل عنه شيئًا، وهو لم يذكر عنه في لزوم العتق لفظًا محتملًا بنقيض ما ذكره

    vol. 2, p. 723المجيب، فضلًا عن أَنْ يكون ظاهرًا.

  20. وأما الطلاق؛ فَذَكَرَ (١) عنه أجوبة، وكلها إنما تدل على أَنَّ الحلف بالطلاق عنده يمين منعقدة، ليس فيها ما يدل على أنه يقع به الطلاق عنده، وهذا يوافق ما يذكره المجيب عنه من أَنَّ الحلف بالطلاق عنده يمين مكفرة لا يقع به الطلاق.

  21. فذكر أَن ابن المنذر (٢) نقل عنه في الاستثناء في الطلاق إذا كان بيمينٍ حَلَفَ بها: أنه لا شيء عليه.

    قال (٣) : (ولو لم يكن يعتبره (٤) ، لم يكن لفرض الاستثناء معنًى) (٥) .

  22. فيقال له: وهذا يوافق ما ذكرناه عنه من أنها [٢٠٢/ ب] يمين معتبرة عنده.

    قال: (ثم قال ابن المنذر (٦) : وفيه قول ثالث: إنه إن بدأ بالطلاق فليس له استثناء، وروي ذلك عن طاووس، وإذا حَلَفَ (٧) على شيء واستثنى فله استثناؤه.

    vol. 2, p. 724قال (١) : وقال أحمد: هما سواء؛ وإنما يكون الاستثناء في الأيمان، والطلاق والعتاق ليس بيمين) (٢) .

  23. فيقال له: وهذا ــ أيضًا ــ يدل على أن طاووسًا يُفَرِّق بين الحلف بالطلاق وبين إيقاع الطلاق؛ فيرى الحلف به يمينًا منعقدة فيها الاستثناء بخلاف الإيقاع، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد نقلها ابن الحكم، وما نقله ابن المنذر عنه هو رواية (٣) ثانية (٤) نقلها الأثرم.

    قال: (وَنَقَلَ القاضي أبو الطيب الطبري [عنه] موافقته لمذهبنا في أنه إذا عَلَّقَ طلاق امرأته على صفة أو شرط فإنَّ ذلك يصح، ولا يقع إلا بعد وجودها (٥) ، ولا فَرْقَ بين أن يكون الشرط متحققًا أو الصفة وبين أن يكون متظننًا؛ فالمتحقق مثل أَنْ يقول: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق، [إذا جاء يوم الجمعة فأنت طالق] ، والمتظنن مثل أَنْ يقول: إذا قدم أبوك أو جاءت القافلة [فأنت طالق] .

    قال (٦) : هذا نقل (٧) أبي الطيب، وهو صريحٌ في مخالفة طاووس

    vol. 2, p. 725لمذهب ابن حزم) (١) ، وقد صدق المعترض في ذلك، فإنَّ هذا صريحٌ في أَنَّ الطلاق المعلق بالصفة عنده يقع، خلافًا لأبي عبد الرحمن وابن حزم وغيرهما.

  24. وهذا مع قوله: (ليس الحلف بالطلاق شيئًا) يُبَيِّنُ أَنَّ قوله في تعليق الطلاق كقوله في تعليق العتاق وتعليق النذر، يُفَرِّقُ بينَ التعليقِ الذي يُقصد به اليمين، والتعليق الذي يقصد به النذر والطلاق والعتاق، وهذا هو الثابت عن الصحابة، وهو أصح الأقوال في هذا الباب، وهو مما يبين أَنَّ قولَ طاووس قول متناسق (٢) غير متناقض.

  25. ثم إِنَّ المعترض قال: (وفي كتاب سعيد بن منصور أثر يمكن أَنْ يؤخذ منه عن طاووس مثلما أخذ عمن علل إبطال الحلف بالطلاق قبل النكاح [بالتقدم] (٣) ، وذكر ما رواه عن ابن المسيب فيمن قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق. وقال سعيد: مُطَلِّقٌ ما لم تتزوجه (٤) . وذكر عن عطاء وطاووس [٢٠٣/ أ] مثل ذلك) (٥) .

    قال المعترض: (فلو كان طاووس يعتقد أَنَّ الحلف بالطلاق مُلغًى= لم

    vol. 2, p. 726يقل مثل ذلك، وكذلك يقتضي بأنه لا يقول: بأنَّ أَثَرَهُ (١) وجوب الكفارة، لأنَّ التقدم على النكاح لا يمنعها، وإنما يمنع وقوعَ النكاحِ؛ فَدَلَّ على أنه قائلٌ به (٢) إذا صدر بعد النكاح.

  26. وروى ما ذكره ابن أبي شيبة (٣) عن عطاء وطاووس ومجاهد والنخعي والزهري قالوا: إذا قال الرجل لامرأته: أَنتِ طالق إِنْ لم يفعل (٤) كذا وكذا إِنْ شاء الله؛ فله ثنياه) (٥) .

  27. فيقال له: وقد تقدم القول غير مرة بأنَّ إدخال تعليق الطلاق بالنكاح في الحلف بالطلاق الذي قيل فيه: إنه يُكَفَّر = في غاية الغلط على المجيب وعلى غيره، فلم يقل المجيب ولا يقول عالم من علماء المسلمين إنَّ المعلِّق للطلاق على النكاح أو على شرطٍ آخر ــ إذا كان مقصوده وقوع الطلاق عند الصفة ــ أنه يُكَفِّرُ يمينه؛ فَذِكْرُ هذا النوع في هذا الباب من الغلط الذي أَدَلَّ المعترض وغيره في غلط عظيم، وهو من أصول غلطهم في هذا الباب.

  28. فإنَّ التعليق الذي يقصد به الإيقاع، سواء كان تعليقًا على النكاح أو على شرط آخر = ليس فيه إلا قولان: قولٌ بالوقوع وقولٌ بعدمه، لم يقل أحد في مثل هذا إنَّ فيه كفارة يمين، وأكثر تعليق الطلاق المنقول عن السلف هو من هذا الباب، أفتوا فيه بالوقوع، لأنه ليس بيمين عندهم، وإنما تنازعوا في