الجواب الثاني: الاعتبار في الأقوال بأدلتها لا بقائليها

20 paragraphs · vol. 2, p. 835

  1. أبي طالب وأئمة أهل البيت - رضي الله عنهم - لا يوجب نَقْصَ قدرهم.

    vol. 2, p. 835
  2. وعلى هذا القول تدل أقوال الصحابة، وإِنْ كان ليس عنهم بصريح لا بالنفي ولا بالإثبات لعدم شهرة هذه المسائل في زمانهم، [٢٣٧/ ب] وإنما اشتهر الحلف بالطلاق لما حَلَّفَ الحجاج الناس بذلك، وأدخلها في أيمان البيعة، وكان ذلك لَمَّا تَأَمَّر على العراق بعد موت ابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم - وغيرهما من الصحابة (١) .

  3. وبذلك يفتي من المتأخرين مَنْ لا يُحصى عدده (٢) .

  4. وإذا كان كذلك؛ فقول القائل: (أما داود وابن حزم فإنَّ جماعة من أئمتنا قالوا: لا مبالاة بخلافهم) لو صَحَّ قولُ هؤلاء لم يقدح؛ فإنَّ هذا لا يمكن أن يقولوه فيمن ذكر من السلف، ولا يمكن أن يقولوا ذلك في أبي عبد الرحمن الشافعي، بل جمهور هؤلاء يَعتدون بخلاف جميع طوائف المسلمين حتى المعتزلة والشيعة وغيرهم، ومعلومٌ أَنَّ القولَ بعدمِ وقوعِ الطلاقِ المحلوفِ به يَقولُ به من أئمة هؤلاء من لا يحصى عدده لأنهم كثيرون.

  5. والجواب الثاني: أَنْ يقال: الاعتبارُ في الأقوال بأدلتها لا بقائليها، فلا يُنظر إلى من قال، كما قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - للحارث بن حِلِّزَة ــ لَمَّا قال له الحارث: (يا علي؛ أَتظنُّ أَنَّا نَظُنُّ أَنَّ طلحة والزبير كانا على باطلٍ وأنت على حقٍّ؟) ــ فقال: (يا حارثة؛ إنه ملبوسٌ عليك! اعرف الحقَّ

    vol. 2, p. 836تعرف أهله، إِنَّ الحق لا يُعرف بالرجال، وإنما الرجال يعرفون بالحق) (١) .

  6. والأقوال التي رُدَّتْ على مَنْ ردت عليه من أهل البدع، وانخفضت بها أقدارهم= رُدَّتْ لمخالفتها الكتاب والسنة، لا لمجرد خلاف غيرهم لهم فيها.

  7. أترانا نحتج على المعتزلة والرافضة بإجماع مَنْ سواهم من أهل السنة على خلافهم؟ وهل يحتج بهذا عاقل؟! أم يحتج بالكتاب والسنة وبإجماع السلف الذين اتفقنا نحن وهم على أَنَّ إجماعهم حجة، كما يحتج بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على المعتزلة وبأقوال أهل البيت على الإمامية.

  8. وقد كان أبو بكر بن داود إذا ناظر ابن سُريج فقال له: إجماع. يقول له: لعلك تُسَمِّي لي فلانًا وفلانًا، وقد طعن كثيرٌ من الناس في كثير من الأئمة، ولم يوجب ذلك منع الاعتداد بقوله (٢) .

  9. فكثيرٌ من الحنفية والمالكية طعنوا في الشافعي - رضي الله عنه - في نَسَبِهِ وعلمه وعدالته (٣) ، وقالوا: لا يعتد به في الإجماع، وذكروا لذلك شبهًا.

  10. ومنهم مَنْ هو عظيمٌ عند المسلمين مثل القاضي إسماعيل بن إسحاق كان [٢٣٨/ أ] يقول: لا يُعتد بخلاف الشافعي.

    vol. 2, p. 837
  11. وأكثر أهل الحديث طعنوا في أبي حنيفة - رضي الله عنه - وأصحابه طعنًا مشهورًا امتلأت به الكتب، وبلغ الأمر بهم إلى أنهم لم يرووا عنهم في كتب الحديث شيئًا، فلا ذِكْرَ لهم في الصحيحين والسنن (١) .

  12. وطعنَ كثيرٌ من أهل العراق في مالك - رضي الله عنه - وقالوا: كان ينبغي له أَنْ يسكت فلا يتكلم.

  13. وكثيرٌ من أصحاب داود ــ رحمه الله تعالى ــ يُرَجِّحُ مَذْهَبَهُ على مذهب أبي حنيفة ومالك - رضي الله عنهما - وغيرهما، وقد ناظرني على ذلك طائفة منهم.

  14. فإذا قال القائل: جماعة من أئمتنا قالوا: لا مبالاة بخلافهم.

  15. قيل لهم: وهؤلاء وغيرهم يقولون: لا مبالاة بخلاف مَنْ ذكرتَهُ من أئمتكم، لا سيما وهؤلاء الذين قالوا هذا القول فيهم؛ ليس فيهم مجتهد.

  16. وداود ــ رحمه الله تعالى ــ وأصحابُهُ أعلمُ بكثيرٍ من علوم الإسلام منهم؛ أعلم بالحديث وأقوال الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين والإجماع والاختلاف، وأولئك فيهم مِنْ قِلَّةِ العلمِ بالحديث والآثار ومذاهب فقهاء الأمصار ما يوجب لأجله أَنْ يُعَدُّوا في ذلك من غثاء العامة.

  17. وقد ذكرهم أبو إسحاق الشيرازي ــ رحمة الله عليه ــ في طبقات

    vol. 2, p. 838الفقهاء، فقال بعد أَنْ ذكر المجتهدين (١) : (ثم انتهى الفقه بعد ذلك في جميع البلاد التي انتهى إليها الإسلام إلى الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد وداود، وانتشر الفقه عنهم في الآفاق، وقام بنصرة مذاهبهم أئمةٌ ينتسبونَ إليهم وينصرون أقوالهم، وهذا بعد أَنْ ذَكَرَ داود) .

    وقال (٢) : (أَخَذَ العلم عن إسحاق بن راهويه وأبي ثور، وكان زاهدًا متقللًا، وانتهت إليه رئاسة العلم ببغداد. قال: وقيل: كان في مجلسه أربع مائة طيلسان أخضر) .

    قال (٣) : (وانتقل فقهه إلى جماعة من أصحابه؛ فمنهم: ابنه أبو بكر، ومنهم: أبو بكر القاساني، ومنهم: إبراهيم بن محمد نفطويه، ومنهم: أبو الحسن بن المغلِّس أخذ العلم عن ابن داود، وهو إمام جليل في المذهب، له كتاب يُعْرَفُ بِـ (الموضح) (٤) ، وعنه انتشر علم داود في البلاد، وأخذ عن ابن المغلس أبو الحسن حيدرة بن عمر، وعنه أَخَذ البغداديون مذهب داود).

  18. إلى أَنْ قال (٥) : (ثم انتقل [٢٣٨/ ب] إلى طبقة أخرى، فمنهم: قاضي القضاة أبو سعد (٦) بشر بن الحسين ــ وكان إمامًا من أصحاب داود ــ،

    vol. 2, p. 839ومنهم: القاضي أبو العباس المقصودي (١) صاحب كتاب [النير] (٢) ).

  19. إلى أَنْ قال (٣) : (ثم انتقل إلى طبقة أخرى؛ فمنهم: القاضي أبو الحسن الخرزي (٤) أخذ العلم عن بشر بن الحسين (٥) ، وكان نظارًا).

    قال أبو إسحاق (٦) : (سألت القاضي أبا عبد الله الصَّيْمَرِي ــ وكان إمام أصحاب أبي حنيفة في زمانه ــ فقلت له: هل رأيتَ أَنْظَرَ من الشيخ أبي حامد؟ فقال: ما رأيت أَنظرَ منه ومن أبي الحسن الداودي) (٧) . وذكر عن أبي الحسين القدوري أنه قال: (أبو حامد عندي أفقه وأَنْظَر من الشافعي) . وهذا القول وَإِنْ كان فيه مبالغة من أبي الحسين أُنْكِرَتْ عليه، فإنه يدل على براعة أبي حامد، وقد ذكر الصيمري أنه لم يَرَ أَنظرَ منه ومن الظاهري الداودي، والحنفي مذهبه في غاية المناقضة لمذهب الداودي، فهذا الثناء والمقارنة بأبي حامد دليلٌ على البراعةِ في النظر.

  20. وذكر أبو إسحاق ناسًا آخرين مثل (٨) : القاضي أبي الفرج الشيرازي.