بخلاف غيرهما فإن
299 paragraphs · vol. 1, p. 3558
Page 6 of 8
- vol. 1, p. 3600
وتابعناه على ذَلِك، وَهَذَا الْكَلَام لابد فِيهِ بعض التّكْرَار من النَّوْع الثَّالِث، من عدم التَّأْثِير فِي الحكم، وَمن عَدمه فِي الأَصْل فَليُحرر، فَإِنِّي نقلت هَذَا الْأَخير من كَلَام ابْن مُفْلِح، ونقلت ذَلِك من غَيره.
-
قَوْله: (فَائِدَة الْفَرْض أَن يسْأَل عَاما فيجيب خَاصّا، أَو يُفْتِي عَاما وَيدل خَاصّا، وَقيل: تخصص بعض [الصُّور] النزاع بِالدَّلِيلِ، وَالتَّقْدِير: إِعْطَاء الْمَوْجُود حكم الْمَعْدُوم وَعَكسه، وَمحل النزاع: الْمحل الْمُفْتى بِهِ فِي الْمَسْأَلَة الْمُخْتَلف فِيهَا) .
-
هَذِه فَائِدَة تدل على مَعَاني أَلْفَاظ متداولة بَين الجدليين لَا بَأْس بذكرها، نقلتها من " الْإِيضَاح " لأبي مُحَمَّد الْجَوْزِيّ.
فَقَالَ: الْفَرْض آكِد من الْوَاجِب، وَالْفَرْض: أَن يسْأَل عَاما فيجيب خَاصّا، أَو يُفْتِي عَاما وَيدل خَاصّا.
وَقَالَ فِي " جمع الْجَوَامِع " : الْفَرْض: وَهُوَ تَخْصِيص بعض صور النزاع بالحجاج، أَي: وَإِقَامَة الدَّلِيل عَلَيْهِ.
- vol. 1, p. 3601
وَإِنَّمَا تعرضنا لحد الْفَرْض هُنَا لقولنا قبل: وَهَذَا مَبْنِيّ على جَوَاز الْفَرْض، وَلذَلِك ذكره التَّاج السُّبْكِيّ وَغَيره هُنَا.
-
وَهُوَ معنى كَلَام أبي مُحَمَّد / الْجَوْزِيّ: فَمَا فِي ذكر الْخلاف فَائِدَة.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الْجَوْزِيّ - أَيْضا -: " التَّقْدِير: هُوَ إِعْطَاء الْمَعْدُوم حكم الْمَوْجُود، وَالْمَوْجُود حكم الْمَعْدُوم " .
-
وَهُوَ مُقَارن الْفَرْض؛ فَإِنَّهُ يُقَال: يقدر الْفَرْض فِي كَذَا، وَالْفَرْض مُقَدّر فِي كَذَا.
-
مِثَال إِعْطَاء الْمَوْجُود حكم الْمَعْدُوم: المَاء للْمَرِيض الَّذِي يخَاف على نَفسه بِاسْتِعْمَالِهِ فَتَيَمم وَتَركه مَعَ وجوده حسا.
-
وَمِثَال إِعْطَاء الْمَعْدُوم حكم الْمَوْجُود: الْمَقْتُول تورث عَنهُ الدِّيَة، وَإِنَّمَا تجب بِمَوْتِهِ وَلَا تورث عَنهُ إِلَّا إِذا دخلت فِي ملكه، فَيقدر دُخُولهَا قبل مَوته.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد: " مَحل النزاع هُوَ الحكم الْمُفْتى بِهِ فِي الْمَسْأَلَة الْمُخْتَلف فِيهَا " ، وَهُوَ - أَيْضا - كالمقارن للْفَرض، وَالتَّقْدِير بِمحل النزاع هُوَ الْمُتَكَلّم فِيهِ من الْجَانِبَيْنِ بَين الْخَصْمَيْنِ، وَذَلِكَ كُله وَاضح، وَلَكِن لما كَانَ لَهُ بعض تعلق بِهَذَا الْموضع ذكرنَا ذَلِك فَائِدَة.
-
قَوْله: (الْقدح فِي مُنَاسبَة الْوَصْف بِمَا يلْزم من مفْسدَة راجحة، أَو مُسَاوِيَة.
-
وَجَوَابه بالترجيح الْقدح فِي إفضاء الحكم إِلَى الْمَقْصُود، كتعليل حُرْمَة الْمُصَاهَرَة أبدا بِالْحَاجةِ إِلَى رفع الْحجاب، فَإِذا تأبد انسد بَاب القمع، فَيُقَال:
vol. 1, p. 3602سَده يُفْضِي إِلَى الْفُجُور، وَجَوَابه: أَن التَّأْبِيد يمْنَع عَادَة، فَيصير طبعيا كرحم محرم) .
-
من القوادح [فِي] الْعلَّة - أَيْضا - مَا اشْتهر باسم الْقدح، وَذكرت مِنْهُ أَرْبَعَة أَنْوَاع، اثْنَان فِي هَذِه الْجُمْلَة، والاثنان الْآخرَانِ الآتيان بعد هَذَا، وَهَذِه الْأَرْبَعَة الْمَخْصُوصَة بالمناسبة، وَيخْتَص باسم الْقدح فِي الْمُنَاسبَة أحد القدحين الْأَوَّلين.
-
الْقدح فِي مُنَاسبَة الْوَصْف للْحكم الْمُسْتَدلّ عَلَيْهِ بِمَا يلْزم فِيهِ من مفْسدَة راجحة على الْمصلحَة الَّتِي من أجلهَا قضي عَلَيْهِ بالمناسبة، أَو مُسَاوِيَة لَهَا، وَذَلِكَ لما سبق من أَن الْمُنَاسبَة تنخرم بالمعارضة، وَإِنَّمَا أعيدها لأجل التَّقْسِيم، وَبَيَان أَن ذَلِك من جملَة القوادح الْوَارِدَة / على الْمُسْتَدلّ حَتَّى يحْتَاج إِلَى الْجَواب عَنْهَا.
-
وَالْجَوَاب عَن ذَلِك: بِبَيَان تَرْجِيح تِلْكَ [الْمصلحَة] الَّتِي هِيَ فِي الْعلَّة، على تِلْكَ الْمفْسدَة الَّتِي يعْتَرض بهَا تَفْصِيلًا وإجمالا.
-
أما تَفْصِيلًا فبخصوص الْمَسْأَلَة بِأَن هَذَا ضَرُورِيّ وَذَلِكَ حاجي، أَو بِأَن هَذَا إفضاء قَطْعِيّ أَو أكثري وَذَلِكَ ظَنِّي أَو أقلي، أَو أَن هَذَا اعْتبر نَوعه فِي نوع الحكم، وَذَلِكَ اعْتبر نَوعه فِي جنس الحكم، إِلَى غير ذَلِك مِمَّا تنبهت لَهُ.
- vol. 1, p. 3603
وَأما إِجْمَالا فبلزوم التَّعَبُّد لَوْلَا اعْتِبَار الْمصلحَة، وَقد أبطلناه. مِثَاله: أَن يَقُول فِي الْفَسْخ فِي الْمجْلس: وجد سَبَب الْفَسْخ فيوجد الْفَسْخ، وَذَلِكَ دفع ضَرَر للمحتاج إِلَيْهِ من الْمُتَعَاقدين.
-
فَيُقَال: معَارض بِضَرَر آخر.
-
فَيَقُول: الآخر يجلب نفعا وَهَذَا يدْفع ضَرَرا، وَدفع الضَّرَر أهم عِنْد الْعُقَلَاء، وَلذَلِك يدْفع كل ضَرَر وَلَا يجلب كل نفع.
-
مِثَال آخر: إِذا قُلْنَا: التخلي لِلْعِبَادَةِ أفضل لما فِيهِ من تَزْكِيَة النَّفس.
-
فَيُقَال: لكنه يفوت أَضْعَاف تِلْكَ الْمصلحَة، مِنْهَا: إِيجَاد الْوَلَد، وكف النّظر، [وَكسر] الشَّهْوَة، وَهَذِه أرجح من مصَالح الْعِبَادَة.
-
فَيَقُول: بل مصلحَة الْعِبَادَة أرجح؛ لِأَنَّهَا لحفظ الدّين، وَمَا ذكرْتُمْ لحفظ النَّسْل.
-
القادح الثَّانِي: فِي صَلَاحِية إفضاء الحكم إِلَى الْمَقْصُود، وَهُوَ الْمصلحَة من شرع الحكم.
-
كَمَا لَو علل الْمُسْتَدلّ حُرْمَة الْمُصَاهَرَة على التَّأْبِيد فِي حق الْمَحَارِم إِلَى ارْتِفَاع الْحجاب بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء الْمُؤَدِّي إِلَى الْفُجُور، فَإِذا تأبد التَّحْرِيم انسد بَاب الطمع المفضي إِلَى مُقَدمَات الْهم وَالنَّظَر المفضي إِلَى ذَلِك.
-
فَيَقُول الْمُعْتَرض: بل سد بَاب النِّكَاح أَشد إفضاء للفجور؛ لِأَن النَّفس تميل إِلَى الْمَمْنُوع، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
vol. 1, p. 3604(وَالْقلب يطْلب من يجور ويعتدي ... وَالنَّفس مائلة إِلَى الْمَمْنُوع)
(وَلكُل شَيْء تشتهيه طلاوة ... مدفوعة إِلَّا عَن الْمَدْفُوع)
-
وَالْجَوَاب عَن ذَلِك تَبْيِين أَن التَّأْبِيد يمْنَع عَادَة من ذَلِك، بانسداد بَاب الطمع، فَيصير بتطاول الْأَمر وتماديه / كالطبيعي، بِحَيْثُ لَا يبْقى الْمحل مشتهى كالأمهات.
-
قَوْله: (كَون الْوَصْف خفِيا كتعليله صِحَة النِّكَاح بالرضى، فَيُقَال: خَفِي، والخفي لَا يعرف الْخَفي، وَجَوَابه: ضَبطه بِمَا يدل عَلَيْهِ من صِيغَة كإيجاب وَقبُول أَو فعل، كَونه غير منضبط كتعليله بالحكم والمقاصد كرخص السّفر بالمشقة، فيعترض: باختلافهما بالأشخاص والأزمان وَالْأَحْوَال، وَجَوَابه: بِأَنَّهُ منضبط بِنَفسِهِ أَو بضابط للحكمة) .
-
هَذَانِ القادحان الْآخرَانِ.
-
أَحدهمَا، وَهُوَ الثَّالِث: الْقدح فِي كَون الْوَصْف ظَاهرا بل هُوَ خَفِي.
- vol. 1, p. 3605
كالرضى فِي الْعُقُود، وَالْقَصْد فِي الْأَفْعَال الدَّالَّة على إزهاق النَّفس فِي وجوب الْقصاص، فَإِن حكم الشَّرْع خَفِي، والخفي لَا يعرف الْخَفي.
-
وَجَوَابه: بِأَن يبين ظُهُوره بِصفة ظَاهِرَة: كضبط الرضى بِمَا يدل عَلَيْهِ من الصِّيَغ، وَضبط الْعمد بِفعل يدل عَلَيْهِ عَادَة: كاستعمال الْجَارِح والمثقل، أَو غير ذَلِك مِمَّا هُوَ مَبْسُوط فِي الْفِقْه.
-
القادح الثَّانِي، وَهُوَ الرَّابِع: الْقدح فِي أَن الْوَصْف منضبط بل هُوَ مُضْطَرب: كالتعليل بالحكمة والمصالح، كالمشقة فِي الْقصر /، والزجر فِي التَّعْزِير، والحرج فِي الْفطر.
-
فَإِنَّهَا لَا تتَمَيَّز وتختلف بالأشخاص وَالْأَحْوَال والأزمان، فَلَا يُمكن تعْيين الْقدر الْمَقْصُود مِنْهَا.
-
وَجَوَابه: بِبَيَان أَنه منضبط،، إِمَّا بِنَفسِهِ: كَمَا تَقول فِي الْمَشَقَّة والمضرة: إِنَّه منضبط عرفا بِنَاء على [جَوَاز] التَّعْلِيل بالحكمة إِذا انضبطت، وَقد سبق بَيَان ذَلِك، وَإِمَّا بوصفه بِأَن تكون الْعلَّة هِيَ الْوَصْف المنضبط الْمُشْتَمل على الْحِكْمَة: كالمشقة فِي السّفر، والزجر بِالْحَدِّ، وَنَحْو ذَلِك.
-
قَوْله: (النَّقْض) .
-
سبق من جملَة القوادح النَّقْض، وَقد سبق بَيَانه فِي أَحْكَام الْعلَّة، وَهل يقْدَح فِي الْعلَّة مُطلقًا أم لَا؟ ذكرنَا فِيهِ عشرَة أَقْوَال.
- vol. 1, p. 3606
مِثَال ذَلِك إِذا قُلْنَا: الْحلِيّ مَال غير نَام فَلَا زَكَاة فِيهِ كثياب البذلة.
-
فيعترض: / بالحلي الْمحرم.
-
وَجَوَابه: منع وجود الْعلَّة فِي صُورَة النَّقْض، أَو منع الحكم فِيهَا، فَجَوَابه بِأحد وَجْهَيْن:
إِمَّا أَن يمْنَع وجود الْعلَّة فِي صُورَة النَّقْض؛ لِأَن النَّقْض إِنَّمَا يتَحَقَّق بِوُجُود الْعلَّة وتخلف الحكم عَنْهَا، فَإِذا منع وجود الْعلَّة لم يتَحَقَّق النَّقْض، وَإِنَّمَا تخلف الحكم فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة لعدم علته فَهُوَ يدل على صِحَة علتي عكسا، وَهُوَ انْتِفَاء الحكم لانتفائها، كَقَوْلِه: لَا نسلم أَن الْحلِيّ كثياب البذلة، ويبرهن على ذَلِك.
-
وَإِمَّا أَن يمْنَع الحكم فِيهَا فَيَقُول: حكم ثِيَاب البذلة مُخَالف لحكم الْحلِيّ، وَيبين الْفرق بَينهمَا.
-
فَإِذا منع الْمُسْتَدلّ وجود الْعلَّة فِي صُورَة النَّقْض، فقد اخْتلف الْعلمَاء فِي تَمْكِين الْمُعْتَرض من الدّلَالَة على وجود الْعلَّة فِي صُورَة النَّقْض على أَقْوَال:
أَحدهَا: لَيْسَ لَهُ ذَلِك.
-
وَهُوَ قَوْلنَا: (وَلَيْسَ للمعترض الدّلَالَة على وجود الْعلَّة فِيهَا، قَالَه الْمُوفق والطوفي، وَقَالَهُ القَاضِي وَأَبُو الطّيب إِلَّا أَن يبين مَذْهَب الْمَانِع، وَقيل: بلَى، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيّ إِن تعذر الِاعْتِرَاض بِغَيْرِهِ، وَاخْتَارَهُ بَعضهم إِن لم يكن طَرِيق أولى بالقدح، وَمنعه بَعضهم فِي الحكم الشَّرْعِيّ) .