«فصل فيمن لا يجب عليه الجهاد».

١١٦ فقرة، ج ١ ص ٢٨٣

الصفحة ٣ من ٣

  1. ثم ساق الكلام، إلى أن قال: فقيل: كان الذين عاهدوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قومًا مُوَادِعِينَ، إلى غَير مُدَّةٍ معلومة، فَجعلها اللهُ - عز وجل - أربعةَ أَشْهُر، ثم جَعلها رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَذلك، وأمرَ اللهُ نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - في قَومٍ عَاهدهُم إلى مُدة، قَبل نُزولِ الآية-: أن يُتِمَّ إليهم عَهدَهم إلى مُدَّتهم، ما استقامُوا (١) له، ومَن خَاف منه خِيانةً منهم، نَبَذ إليه، فلم يَجُز أن يَستأنِف مُدَّة، بعد نزول الآية -وبالمسلمين قُوةٌ- إلى أكثر من أربعة أشهر» (٢) .

    ج ١ ص ٣٠٥
  2. وبهذا الإسناد، قال الشافعي: «مَن جاء مِن المشركين يُريدُ الإسلام، فَحَقٌّ على الإمام أن يُؤَمِّنَه حتى يَتلو عَليه كتابَ اللهِ - عز وجل -، ويدعوه إلى الإسلام، بالمعنى الذي يرجُو أَن يُدخِلَ اللهُ به عَليه الإِسْلام؛ لقول الله - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة: ٦] . وإِبلاغُه مَأْمَنَه: أن يَمْنَعَه مِن المسلمين والمُعَاهِدين،

    ما كان في بلاد الإسلام، أو حَيثُ ما يَتَّصِل ببلاد الإسلام.

    قال: وقوله - عز وجل -: {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} وَاللهُ أَعْلَمُ: مِنْك، أو مِمَّن يقدر

    ج ١ ص ٣٠٦(١) على دينك مِمَّن يُطِيعُك، لا أَمَانَهُ في (٢) غَيرِك مِن عَدوِّكَ وعَدوِّه الذي لا يَأْمَنُه، ولا يُطِيعُك» (٣) .

  3. (١٧٢) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «جِمَاعُ الوَفَاء بالنَّذر، والعَهْد -كان بِيَمِينٍ، أو غَيرها-

    في قولِ الله تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: ١] وفي قوله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} [الإنسان: ٧] .

  4. وقد ذكر اللهُ - عز وجل - الوَفاءَ بالعقُود بالأَيْمَان في غير آيةٍ من كتابه، قوله - عز وجل -: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} [النحل: ٩١] إلى قوله: {تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ} [النحل: ٩٢] الآية.

    وقال - عز وجل -: {يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ} [الرعد: ٢٠] الآية مع ما ذكرته مِن (٤) الوفاء بالعهد.

    قال الشافعي: هذا مِن سَعَة لِسَان العَرب الذي خُوطِبَت به، فَظَاهِرُهُ عَام على كل عَقْد.

  5. ويُشْبِه وَاللهُ أَعْلَمُ أن يكونَ اللهُ تبارك وتعالى أراد أن يُوفَى (٥) بكل عَقد، كان بيمين، أو غير يَمين.

  6. وكُلُّ عَقْدٍ: نَذْرٌ، إذا كان في العَقْد (٦) للهِ طَاعَةٌ، أو لم يكن له- فيما أَمَر

    ج ١ ص ٣٠٧بالوفَاء منها- معصية.

  7. واحتج: بأن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صَالَح قريشًا بالحُدَيبية، على أَن يَرُدَّ مَن جَاءَه (١) مِنهُم، فأنزلَ الله تبارك وتعالى في امرأةٍ جَاءَتْه منهم مُسْلِمَة -سَمَّاها في مَوضِع آخر (٢) : أُمَّ كُلْثُوم بنتَ عُقْبة بن أبي مُعَيْط {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} إلى: {فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} [الممتحنة: ١٠] الآية إلى قوله: {وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا} [الممتحنة: ١٠] فَفَرضَ اللهُ - عز وجل - عليهم أن لا يَرُدُّوا النِّساء، وقد أَعْطَوْهُم رَدَّ مَن جَاءَهم مِنهم -وهُنَّ مِنهُم- فَحَبسَهُن رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بأمْر الله - عز وجل -.

    قال: وعَاهَد رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَومًا مِن المُشركين، فَأنزلَ اللهُ - عز وجل - عليه: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: ١] .

  8. قال الشافعي- في صُلْحِه (٣) أهلَ الحديبية، ومَن صَالَح مِن المُشركين-: كان صُلحُه لهم طاعةَ اللهِ، إما عَن أَمْرِ اللهِ بما صَنَع نَصًّا، وإما أن يكون اللهُ - عز وجل - جعل له أن يَعْقِد لِمَن رَأى بِما رَأى، ثُم أنزل اللهُ - عز وجل - قَضاءَه عليه، فصار إلى قَضَاءِ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، ونَسَخ فِعْلَه، بِفِعْلِه بأمر الله، وكُلٌّ كان طَاعةً لله في وقته» (٤) .

  9. وبسط الكلام فيه.

  10. وبهذا الإسناد، قال الشافعي - رحمه الله -: «وكان بَيِّنًا في الآية مَنعُ المُؤمِنات

    ج ١ ص ٣٠٨المُهاجِرات، مِن أَن يُرْدَدْن إلى دَار الكُفْر، وقَطْعُ العِصْمَة-بالإسلام- بَينَهُن، وبَين أَزواجِهِنَّ، ودَلَّت السُّنة على أَنَّ قَطْعَ العِصْمَة إذا انْقَضَت عِدَدُهُنَّ، ولم يُسلِم أَزواجُهُن مِن المُشركِين.

  11. وكان بَيِّنًا في الآية: أَن يُرَدَّ عَلى الأَزْوَاج نَفَقَاتُهُم، ومَعقُولٌ فيها أَنَّ نَفقَاتِهم -غير التي تُرَدُّ (١)

  12. - نَفَقاتُ اللَّائِي مَلكُوا عَقْدَهُنَّ، وهي: المُهور، إذا كانوا قَد أَعطُوهُن إيَّاها.

  13. وبَيِّنٌ أن الأزواج: الذين يُعطُون النَّفقَات؛ لأنهم المَمْنوعُون مِن نِسائِهم.

  14. وأن نِساءَهم: المَأذُون للمُسلِمين أن يَنْكِحُوهُن -إذا آتُوهُن أُجورَهن- لأنه لا إشكال عليهم في أن يَنْكِحُوا غَيرَ ذَواتِ الأزواج، إنما كان الإشْكَالُ في نِكاح ذَوات الأَزواج، حتى قَطَع اللهُ عِصْمَةَ الأزواج بإسلام النِّساء، وبَيَّنَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك: بِمُضِيِّ العِدَّةِ قبل إسلام الأزواج، فلا يُؤدِّي أَحدٌ نَفقَةً في امْرأةٍ فَاتَت، إلا ذَات الأَزْوَاج.

    قال الشافعي: قال الله - عز وجل - للمسلمين: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: ١٠] . فَأَبَانَهُنَّ مِن المُسلِمين، وأبان رَسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ ذلك: بِمُضِيِّ العِدَّة.

  15. فكان الحُكمُ في إسلام الزوج، الحُكمُ في إسلام المَرأة، لا يَخْتَلِفَان.

  16. وقال الله تعالى {وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا} [الممتحنة: ١٠] . يعني وَاللهُ أَعْلَمُ: أَزواج المُشْرِكَات مِن المُؤمنين، إذا مَنَعَهُن المشركون إتيان أَزواجِهِنَّ -بالإسلامَ (١) - أَدَّوْا ما دَفَع إليهن الأَزواجُ مِن المُهُور، كما يُؤدِّي المسلمون ما دَفَع أَزواجُ المُسْلِمَات مِن المُهور، وجعله الله - عز وجل - حُكمًا بينهم.

    ج ١ ص ٣٠٩
  17. ثُم حَكَم في مثل ذلك المعنى حُكمًا ثانيًا، فقال تعالى: {وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ} [الممتحنة: ١١] .

  18. كأنه وَاللهُ أَعْلَمُ يُريدُ (٢) : فلم تعفوا عنهم، إذ لم يعفوا عنكم مُهورَ نِسَائِكُم {فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا} [الممتحنة: ١١] كأنه يعني: مِن مُهُورِهم، إذا فَاتَت امرأةٌ مُشرِكَةٌ (٣) أَتَتْنَا مُسلِمةً، قد أعطاها مِائَة، فهي (٤) مهرها، وفَاتت امرأةٌ مُشركةٌ إلى الكُفار، قد أعطاها مائة = حُسِبَت مائةُ المسلم، بمائة المشرك. فقيل: تلك العقوبة.

    قال: ويُكتَب بذلك، إلى أصحاب عهود المشركين: يعطي المُشرك ما قَصَصْناه به- مِن مَهر امرأتِه- للمُسلم الذي فَاتَت امرأتُه إليهم، ليس له غير ذلك» (٥) .

  19. ثم بسط الكلام في التفريع على القول في موضع دخول النساء في صلح

    ج ١ ص ٣١٠النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية.

    وقال في موضع آخر: «وإنَّما ذَهبْتُ إلى أَنَّ النِساءَ كُنَّ في صُلح

    الحُدَيْبَية؛ بأنه لو لم يَدخُل رَدُّهُن في الصُّلح، لم يُعْطَ أَزواجُهُن فِيهنَّ (١) عِوضًا، وَاللهُ أَعْلَمُ» (٢) .

  20. (١٧٣) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله - عز وجل -: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال: ٥٨] . نَزَلَت في أَهْلِ هُدْنَةٍ، بَلغ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَنهم، شَيءٌ اسْتَدلَّ به على خِيانَتِهم.

  21. فإذا جاءت دلالةٌ (٣) على أَنْ لَم يُوفِ أَهْلُ الهُدْنَة بجميع ما عَاهَدهُم عليه = فَله أَن يَنبِذَ إليهم.

  22. ومَن قُلتُ: له أَنْ يَنبِذَ إليه، فعليه أَن يُلْحِقَه بمَأْمَنِه، ثم له أن يُحَارِبَه كما يُحَارِب مَن لا هُدْنَةَ له» (٤) .

  23. (١٧٤) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال اللهُ تَبَارَك وتَعَالى لِنَبِيِّه - صلى الله عليه وسلم - في أهل الكِتَابِ: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} [المائدة: ٤٢] .

    ج ١ ص ٣١١قال الشافعي: في هذه الآية بَيانٌ وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ - عز وجل - جَعَل لِنَبِيِّه - صلى الله عليه وسلم - الخِيارَ في أنْ يَحكُم بينهم، أو يُعْرِض عنهم.

  24. وجَعَلَ عليه (١) -إِن حَكَم- أَنْ يَحكُم بينهم بالقِسْط، والقِسطُ: حُكمُ اللهِ الذي أَنْزَل على نَبِيِّه - صلى الله عليه وسلم -، المَحْض الصَّادق، أَحْدثُ الأخْبارِ عَهدًا باللهِ - عز وجل -. قال الله - عز وجل -: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: ٤٩] الآية.

    قال: وفي هذه الآية، ما في التي قَبْلَها مِن أَمْر اللهِ - عز وجل - له، بالحُكم بما أنزل اللهُ إليه.

    قال: وسَمعتُ مَن أَرْضى -مِن أَهل العِلم- يقول في قول الله - عز وجل -: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} ... [المائدة: ٤٩] إِنْ حَكَمْتَ، لا عَزْمًا أن تَحكُم» (٢) .

  25. ثم ساق الكلام، إلى أن قال: «أخبرنا إبراهيمُ بنُ سَعْدٍ (٣) ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن عُبَيدِ اللهِ (٤) بنِ عَبد الله بن عُتْبةَ، عن ابن عَبَّاسٍ أَنَّهُ قال: كيف تَسْأَلُونَ أهلَ الكِتَابِ عَن شَيءٍ، وكِتَابُكُم الذي أَنْزَلَ اللهُ على نَبِيِّه - صلى الله عليه وسلم - أَحْدَثُ الأَخْبَار، تَقْرءُونَه مَحْضًا لم يُشَبْ، ألم يُخْبركُم اللهُ في كتابه: أَنهُم حَرَّفُوا كتابَ اللهِ - عز وجل - وبَدَّلُوا، وكَتبُوا كِتابًا بأيديهم، فقالوا: {هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ

    ج ١ ص ٣١٢ثَمَنًا قَلِيلًا} [البقرة: ٧٩] .

  26. ألا يَنْهاكُم العِلمُ الذي جَاءكُم، عن مَسأَلَتِهم؟ ! واللهِ، ما رَأينا رَجُلًا منهم قَطُّ يَسْأَلُكُم عَمَّا أَنزَلَ اللهُ إليكُم» (١) .

  27. هذا: قوله في «كتاب الحدود» ، وبمعناه أجاب في «كتاب القضاء باليمين مع الشاهد» .

    وقال فيه: «فَسمعتُ مَن أَرْضَى عِلمَه، يقول: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ} [المائدة: ٤٩] -إن حَكَمْتَ- على معنى قوله: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: ٤٢] . فَتِلكَ مُفَسَّرَةٌ، وهذه جُمْلَةٌ.

  28. وفي قوله - عز وجل -: {فَإِنْ تَوَلَّوْا} [المائدة: ٤٩] دِلالَةٌ على أنهم إن تولوا، لم يَكُن عليه الحُكمُ بينهم.

  29. ولو كان قول الله - عز وجل -: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: ٤٩] إلزامًا منه للحُكم بينهم = ألزمهم الحُكمَ مُتَولِّين؛ لأنهم إنما يَتَولَّوْن بَعد الإتْيَان، فَأمَّا مَا لم يَأْتُوا، فلا يُقَال لهم تَوَلَّوْا» (٢) .

  30. (١٧٥) وقد أخبرنا أبو سعيد - «في كتاب الجِزية» - حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «لم أعلم مُخَالِفًا -مِن أَهلِ العِلم بالسِّيَر- أَنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا نَزَل المَدِينةَ، وَادَع يَهودَ كَافَّة على غير جِزية، وأَنَّ قَولَ اللهِ - عز وجل -: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: ٤٢] . إنما نَزلَت في اليَهُود المُوادِعِين، الذين لم يُعْطُوا جِزيةً، ولم يُقِرُّوا بأن تَجري

    ج ١ ص ٣١٣عليهم (١) .

    وقال بَعضُهُم: نَزَلت في اليَهُودِيَّيْن الذَيْن زَنَيا.

    قال: والذي قالوا، يُشْبِهُ ما قالوا؛ لقَول الله - عز وجل -: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} [المائدة: ٤٣] .

    وقال: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} {فَإِنْ تَوَلَّوْا} [المائدة: ٤٩] يعني وَاللهُ أَعْلَمُ: فإن تَولَّوا عن حُكْمِك.

  31. فهذا يُشْبِهُ أن يكون مِمَّن أَتَاك غَيرَ مَقهُور على الحكم.

  32. والذين حاكَمُوا إلى رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في امرأةٍ منهُم ورَجُلٍ، زَنَيا- مُوادِعُون (٢) ، فكان في التوراة: الرَّجْمُ، ورَجَوْا أن لا يكونَ مِن حُكْم رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فجاءوه بهما، فَرَجَمَهُما رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.

  33. وذكر فيه حديث ابن عمر (٣) .

    قال الشافعي: فإذا وَادَع الإمامُ قومًا مِن أَهلِ الشِّرك، ولم يَشتَرِط أن يُجْريَ عليهم الحُكْمَ، ثم جَاءُوه مُتَحَاكِمِين، فهو بالخِيار بَين أَنْ يَحكُم بينهم، أو يَدَع الحُكْمَ، فإن اخْتَار أَن يَحْكُم بينهم، حَكَم بَينهُم حُكْمَه بيْن المُسلِمين، فإن امْتَنَعُوا بَعد رِضَاهُم بِحْكْمِه: حاربهم.

    ج ١ ص ٣١٤قال: وليس للإمام الخِيارُ في أَحَدٍ مِنَ (١) المُعَاهَدِين الذين يَجْري عليهم الحُكمُ إذا جَاءُوه في حَدٍّ للهِ - عز وجل -، وعليه أن يُقِيمَه.

    قال: وإذا أَتى بعضُهم إلى بعض، ما فيه له (٢) حَقٌّ عليه، فأتى طَالِبُ الحَقِّ إلى الإمام، يَطلُبُ حَقَّه = فَحَقٌّ لازمٌ للإمام وَاللهُ أَعْلَمُ أنْ يَحْكُمَ له على مَن كان لَه عَليه حَقٌّ مِنهُم، وإن لم يَأْتِه المَطلوبَ رَاضِيًا بِحُكْمِه، وكذلك إِن أَظْهَر السُّخْطَةَ لِحُكْمِه؛ لما وَصَفْتُ مِن قَول الله - عز وجل -: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: ٢٩] فكان الصَّغَارُ وَاللهُ أَعْلَمُ: أن يُجْريَ عليهم حُكْمَ الإسْلَام» (٣) .

  34. وبسط الكلام في التفريع.

  35. وكأنه وَقَف-حين صَنَّف «كتابَ الجِزية» - أن آيةَ الخِيار وَرَدَت في المُوادِعين، فَرجع عَمَّا قال-في «كتاب الحدود» - في المُعَاهَدِين (٤) .

  36. فأوجب الحُكم بَينهُم بما أنزل اللهُ - عز وجل - إذا تَرافَعُوا إلينا.