(٨) فصل فيما يؤثر عنه من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات

١٥٥ فقرة، ج ١ ص ٩٦

الصفحة ٣ من ٤

  1. وشَطْرُه: جِهَتُهُ في كلام العَرَب، إذا قُلْتَ: أَقْصِدُ شَطْرَ كَذَا، مَعُروفٌ أنك تَقُول: أَقْصِدُ قَصْدَ عَيْنِ كذا، يعني (٢) : قَصْد نفس كذا.

    ج ١ ص ١٢١
  2. وكذلك تِلقَاءُه وجِهَتُهُ، أي: أَسْتَقْبل تِلْقَاءَه وجِهَتَه، وكُلُّها معنى واحد، وإن كانت بألفاظٍ مختلفة.

    قال خُفَافُ ابنُ نُدْبَةَ (٣) :

    أَلَا مَن مُبَلِّغٌ عَمْرًا رَسُولًا ... ومَا تُغْنِي الرِّسَالَةُ شَطْرَ عَمْرِو

    ج ١ ص ١٢٢وقال سَاعِدَةُ بنُ جُؤَيَّةَ (١) :

    أَقولُ لِأُمِّ زِنْبَاعٍ: أَقِيمِي ... صُدُورَ العِيسِ، شَطْرَ بَنِي تَمِيمِ

    وقال لَقِيطٌ الإِيَادِيُّ (٢) :

    وقَدْ أَظَلَّكُمُ مِنْ شَطْرِ ثَغْرِكُمُ ... هَوْلٌ لَهُ ظُلْمٌ تَغْشَاكُمُ قِطَعَا

    وقال الشاعر (٣) :

    إِنَّ العَسِيبَ بها دَاءٌ مُخَامِرُها ... فَشَطْرَهَا بَصَرُ العَيْنَينِ مَسْحُورُ

    قال الشافعي - رحمه الله -: يُريدُ: تِلْقَاءَها بَصَرُ العَيْنَين، ونَحوَها، تَلقَاء جِهَتِها.

  3. وهذا كُلُّه -مَع غَيْره مِن أَشْعَارِهِم- يُبَيِّنُ أَنَّ شَطْرَ الشَّيءِ: قَصْدُ عَيْنِ الشَّيء، إذا كان مُعَايَنًا، فَبالصَّواب وإنْ كان مُغَيَّبًا، فبالاجتهاد والتَّوَجُّه إليه، وذلك أَكثَرُ ما يُمكِنُه فيه.

    وقال الله تبارك تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: ٩٧] ، وقال تعالى: {وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) } [النحل] .

    ج ١ ص ١٢٣
  4. فَخَلقَ اللهُ لهم العَلامَاتِ، ونَصَبَ لَهُم المَسجِدَ الحَرَامَ، وأَمَرَهُم أَن

    يَتَوَجَّهُوا إليه، وإِنَّما تَوَجُّهُهُم إليه بالعَلامَات التِي خَلقَ لَهُم، والعُقُولِ التِي رَكَّبَها فِيهم، التِي اسْتَدَلُّوا بها على مَعرفَة العَلامَات، وكُلُّ هذا بَيانٌ ونِعْمَةٌ منه جَلَّ ثَنَاؤُهُ» (١) .

    قال الشَّافِعِيُّ: «وَوَجَّهَ اللهُ رَسُولَه - صلى الله عليه وسلم - إلى القِبلَة في الصَّلاة إلى بَيتِ المَقْدِس، فَكانت القِبْلَةَ التي لا يَحِلُّ -قَبْل نَسْخِها- اسْتِقْبَالُ غَيْرِها، ثم نَسَخَ اللهُ قِبْلَةَ بيتِ المَقْدِس، وَوَجَّهَهُ إلى البَيْت (٢) ، وكُلٌّ كانَ حَقًّا في وَقْتِه».

  5. وأطال الكلام فيه (٣) .

  6. (٣٨) أخبرنا أبو سَعِيد ابنُ أبي عَمْرٍو، أخبرنا أبو العَبَّاس، أخبرنا

    ج ١ ص ١٢٤الرَّبيعُ، أخبرنا الشَّافِعِيُّ، أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجَاهِدٍ، قال: «أَقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِنَ اللهِ، إذَا كانَ سَاجِدًا؛ أَلم تَر إلى قوله: افْعَل واقْتَرِب، يعني: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: ١٩] » (١) .

    قال الشافعي: «ويُشْبِه ما قَال مُجَاهِد واللَّهُ أَعْلَمُ ما قَال» .

  7. في رواية حَرْمَلَةَ عنه، في قوله تعالى: {يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) } [الإسراء] قال الشافعي: «واحتمل السجود، أَنْ يَخِرَّ، وذَقْنُهُ- إذا خَرَّ- تَلِي الأَرْضَ، ثم يكون سُجُودُهُ على غَير الذَّقْن» .

  8. (٣٩) أخبرنا أبو سعيدِ ابنُ أبي عَمْرٍو، حدثنا أبو العَبَّاسِ، أخبرنا الرَّبيعُ، قال: قال الشَّافِعيُّ: «فَرَضَ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الصَّلاةَ على رسولهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال:

    {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦) } [الأحزاب] . فَلم يَكُن فَرْضُ الصَّلاةِ عَليه في مَوْضِع، أَوْلَى مِنه في الصَّلاةِ، ووَجَدْنا الدَّلالَةَ عن رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، (٢) بما وصفتُ، مِن أَنَّ الصَّلاةَ عَلى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ٢) فَرضٌ في الصَّلاةِ، واللَّهُ أَعْلَمُ» (٣) .

  9. فذكر حديثين (٤) : ذكرناهما في كتاب «المعرفة» (٥) .

  10. (٤٠) وأخبرنا أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ يُوسفَ الأَصْبهَانِيُّ - رحمه الله -، أخبرنا أبو سَعِيد ابنُ الأَعْرَابِي، حدثنا الحَسَنُ بنُ مُحَمَّد الزَّعْفَرَانِيُّ، حدثنا محمدُ بن إدريس -هو الشافعي- قال: أخبرنا مالكٌ (١) ، عن نُعَيْم بن عبد الله المُجْمِر، أَنَّ محمدَ بنَ عبد الله بن زيد الأنصاري أخبره - وعبد الله بن زيد هو: الذي أُرِيَ النداء بالصلاة- عن أبي مَسْعُودٍ الأنصَاري، أنه قال: «أَتانَا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في مَجلِس سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ، فقال له بَشِيرُ بنُ سَعْدٍ: أَمَرنا اللهُ أنْ نُصَلِّيَ عَليك يا نَبِيَّ الله، فكيف نُصَلِّي عَليك؟ فَسَكتَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، حتى تَمَنَّينا أنه لم يَسْأَلْه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قولوا: الَّلهُم صَلِّ على مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، كما صَلَّيْتَ على إبراهيمَ، وبارِك على مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، كما بَارَكْتَ عَلى آلِ إبرَاهِيمَ، في العَالَمِينَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجيدٌ» (٢) .

    ج ١ ص ١٢٥
  11. ورواه المُزَنِيُّ، وحَرْمَلَةُ، عن الشافِعِيِّ، وزاد فيه: «والسَّلامُ كما قَد عُلِّمْتُم (٣) ».

  12. وفي هذا: إشارةٌ إلى السلام الذي في التَّشهُّد، على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذلك في الصلاة.

  13. فَيُشبِهُ أن تَكونَ الصَّلاة التي أُمِرَ بها عليه -مع التَّسْلِيم (١) أيضًا- في الصلاة، واللَّهُ أَعْلَمُ.

    قال الشَّافِعيُّ - رحمه الله - في رواية حَرْمَلَةَ-: «والذِي أَذْهَبُ إليه -في هذا- حديث أبي مَسْعُود، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وإنما ذَهبتُ إليه؛ أَنِّي رَأيتُ اللهَ - عز وجل - ذَكر ابتداء صلاته على نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وأَمَر المُؤمِنينَ بها فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦) } [الأحزاب] .

    ج ١ ص ١٢٦
  14. وذَكَر صَفْوتَه مِن خَلْقِه، فَأعلم أنهم أنبياؤه، ثم ذكر صفوته (٢) ، فذكر أنهم أَوليَاءُ أَنبيائِه فقال: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) } [آل عمران] .

  15. وكان حديثُ أبي مَسْعُودٍ: أَنْ ذَكَر الصَّلاةَ على مُحَمَّدٍ، وآلِ مُحَمَّدٍ، يُشْبِه عِنْدَنا لِمَعْنى الكتَاب، واللَّهُ أَعْلَمُ».

    قال الشَّافِعِيُّ: «وإني لَأُحِبُّ أَن يُدْخَلَ مَع آلِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - أَزْواجُهُ وذُرِّيتُه؛ حتى يكون قد أتى على ما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كُلِّه» .

    قال الشافعي - رحمه الله -: «واخْتَلَفَ النَّاسُ في آلِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -، فقال منهم قائل: آل محمد: أَهلُ دِينِ مُحَمَّدٍ. ومَن ذَهَب هذا المَذْهَب، أَشبَه أن يقولَ: قال الله تعالى لنوح: {احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ} [هود: ٤٠] وحَكى: {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود: ٤٥ - ٤٦] الآية.

    ج ١ ص ١٢٧قال الشافعي: والذي نذهب إليه في معنى الآية: أنَّ قولَ اللهِ - عز وجل -: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} يعني: الذين أمرنا بحملهم معك.

  16. فإن قال قائل: وما دَلَّ على ما وَصَفْتَ؟

  17. قيل: قال الله - عز وجل -: {وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} [هود: ٤٠] ، فأعْلَمه أنه أَمره بأن يَحمل مِن أهله، مَن لم يَسبِق عليه القولُ مِن أهل مَعْصيَته، ثم بَيَّن له فقال: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود: ٤٦] » (١) .

    قال الشافعي: وقال قائل: آلُ مُحَمَّدٍ، أَزْوَاجُ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -.

  18. فكأنه ذهب إلى أَنَّ الرَّجُل يقال له: ألَكَ أَهْل؟ فيقول: لا وإنما يعني: ليست لي زوجة.

    قال الشافعي - رحمه الله -: «وهذا معنى يحتمله اللسَانُ، ولكنه معنى كلام لا يُعرَف، إلا أن يكونَ له سَبَبُ كَلَامٍ يَدُلُّ عليه؛ وذلك أَن يُقول الرَّجُلُ: تَزَوَّجْتَ؟ فيقال (٢) : ما تَأَهَّلْتُ. فَيُعْرَف- بأول الكلام- أنه أراد: تَزَوَّجت، أو يقول الرجل: أَجْنَبْتُ مِن أَهْلِي، فَيُعرَف أن الجَنَابَة إنما تكونُ مِن الزوجة. فأما أن يبدأ رَجُلٌ فيقول: أَهْلي بِبَلَد كذا، أو أنا أزور أهلي، وأنا عَزيزُ الأهل، أو أنا كَريمُ الأهل = فإنما يذهب الناسُ في هذا إلى أهل البيت.

  19. وذَهَبَ ذاهبُونَ إلى أنَّ آلَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -، قَرَابَةُ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - التي ينفرد بها دون غيرها من قرابته».

    قال الشافعي - رحمه الله -: «وإذا عُدَّ آلُ الرَّجُل: ولَدُهُ الذين إليه نَسَبُهُم، ومن

    ج ١ ص ١٢٨يأويه بَيتُه، مِن زَوْجِه أو مَمْلُوكِه أو مَوْلى أو أَحَدٍ ضَمَّه عِيَالُه، وكان هذا في بَعضِ قَرَابَتِه مِن قِبَل أبيه، دُونَ قَرابَتِه مِن قِبَلِ أُمِّه، وكان يَجْمَعُه قرابته وفي بعض قرابته من قبل أبيه، دون بعض، فلم يجز أن يستدل على ما أراد الله - عز وجل - مِن هذا، ثم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إلا بسُنَّة رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الصَّدَقَة لا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، ولا لآلِ مُحَمَّدٍ، وإنَّ اللهَ حَرَّم عَلينا الصَّدَقَةَ، وَعَوَّضَنا مِنها الخُمُس» (١) = دَلَّ هذا على أن آل مُحمَّدٍ الذين حَرَّم اللهُ عليهم الصدقة، وعَوَّضَهُم منها الخُمُس».

    وقال الله - عز وجل -: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى} [الأنفال: ٤١] . فكانت هذه الآية في معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، ولا لآلِ مُحَمَّدٍ» وكان الدليل عليه ألا يُؤخَذ بأمر يَقطعُ العُذر، ويُلْزِم أَهلَ العِلم واللَّهُ أَعْلَمُ إلا بالخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما فَرض اللهُ على نبيه - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُؤْتِيَ ذا القُربى حَقَّه، وأعلمه أَنَّ للهِ خُمُسَه وللرسول ولذي القربى، فأعطى سَهمَ ذِي القُربى، في بَني هاشم وبَنِي المُطَّلِب = دَلَّ ذلك عَلى أَنَّ الذين أعطاهم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الخُمُسَ، هم آلُ مُحَمَّدٍ الذين أَمَر رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالصَّلاةِ عَليهِم مَعَه، والذين اصطفاهم مِن خَلْقِه، بعد نَبيِّه - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنه يقول: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) } [آل عمران: ٣٣] ، فأعلم أنه اصطفى الأنبياء، وآلَ الأنبياء صلوات الله عليهم.

    قال الشَّيخُ - رحمه الله -: قَرَأتُ في «كتاب القديم» -رواية الزعفراني، عن

    ج ١ ص ١٢٩الشافعي- في قوله - عز وجل -: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: ٢٠٤] «فهذا -عِندَنا- على القراءة التي تُسْمَع خَاصَّة، فكيف يُنْصَتُ لِمَا لا يُسْمَع؟ » (١) .

  20. وهذا قولٌ كان يذهبُ إليه، ثم رَجَع عنه في آخر عُمُره، وقال:

    يَقرَأ بفَاتِحَة الكتاب، في نَفْسِه، في سَكْتَة الإمَام.

    قال أصحابنا: «ليكُونَ جامِعًا بين الاستماع: بالكتاب (٢) ، وبين قراءة الفاتحة: بالسُّنَّة».

  21. وإن قرأ مع الإمام، ولم يرفع بها صوتَه، لم تَمنعْه قراءتُه في نفسه، مِن الاستماع لقراءة إمامه؛ فإنما أُمِرنا بالإنصات عَن الكلام، وما لا يجوز في الصلاة».

  22. وهو مذكور بدلائله، في غير هذا الموضع.

  23. وقرأت في «كتاب السُّنَن» رواية حَرْمَلة، عن الشافعي - رحمه الله - قال: قال الله تبارك وتعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) } [البقرة] . قال الشافعي: مَن خُوطِبَ بالقُنوتِ مُطْلَقًا، ذَهَب إلى أنه قيامٌ في الصَّلَاة؛ وذلك أَنَّ القُنوتَ قِيامٌ لِمَعنى طاعَةِ اللهِ - عز وجل -، وإذا كان هكذا، فهو مَوضِعُ كَفٍّ عن قِرَاءَةٍ، وإذا كان هكذا، أَشْبَه أن يكونَ قيامًا في صلاةٍ لدعاء، لا قراءة، فهذا أَظْهَرُ مَعانِيه، وعليه دِلالَةُ السُّنة، وهو أَوْلى المعاني أن يُقَال به -عندي- واللَّهُ أَعْلَمُ.

    ج ١ ص ١٣٠قال الشافعي - رحمه الله -: وقد يَحْتَمِلُ القُنوتُ: القِيامَ كُلَّه في الصلاة.

  24. وروي عن عُبَيد بن عُمَيْر: «قيل: أيُّ الصلاةِ أفضل؟ قال: طُولُ القُنُوتِ» (١) .

    وقال طاووس: «القنوت، طاعة الله - عز وجل -» (٢) .

    وقال الشافعي - رحمه الله -: «وما وصفتُ من المعنى الأول، أَوْلى المَعَانِي به واللَّهُ أَعْلَمُ» .

    قال: «فلما كان القنوت بَعضُ القِيَامِ دُونَ بَعْضٍ، لم يَجُز واللَّهُ أَعْلَمُ أن يكون إلا ما دَلَّت عليه السُّنة مِن القُنُوت للدعاء، دون القراءة» .

    قال: واحتمل قول الله - عز وجل -: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) } [البقرة] : قانتين في الصلاةِ كُلِّها، وفي بعضِها دونَ بعض، فلما قَنَت رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في الصَّلاة، ثم ترك القُنوتَ في بَعْضِها، وحُفِظَ عنه القُنُوتُ في الصبح خَاصَّة = دَلَّ هذا على أنه إن كان اللهُ أَرَادَ بالقنوتِ القُنوتَ في الصلاة قائِمًا، أراد به خاصًّا، واحتمل أن يكونَ في الصلوات في النَّازِلَة، واحتمل طولُ القنوت: طول القيام، واحتمل القنوت طاعة الله واحتمل السُّكات (٣) ».

    قال الشَّافعيُّ: فلا أُرَخِّصُ في تَرك القنوت فى الصبح، بِحَال؛ لأنه إن كان

    ج ١ ص ١٣١اختيارًا مِن اللهِ تعالى، أو مِن رَسُولِه - صلى الله عليه وسلم - لم أُرَخِّص في تَرك الاختيار، وإن كان فرضًا، كان ما لا يَتَبيَّن تَرْكُه، ولو تَركَهُ تَاركٌ، كان عليه أن يَسجُدَ للسَّهو، كما يكونُ ذلك عليه لو تَركَ الجُلوسَ في مَثْنى (١) ».

    قال الشَّيخُ: قوله: «واحتمل السكات» : أراد السكوتَ عن كَلام الآدَميين، وقد رُوِّينا (٢) عن زَيد بنِ أَرْقَم: «أنهم كانوا يَتكلَّمونَ في الصلاة؛ فنزلتْ هذه الآية. قال: فنهينا عن الكلام، وأُمِرنا بالسُّكُوت» (٣) .

  25. ورُوِّينا عن أبي رَجَاءٍ العُطَارِدِيِّ أنه قال: «صَلَّى بنا ابنُ عباسٍ صَلاةَ الصُّبح -وهو أَميرٌ على البَصْرَة- فَقَنَت، ورَفَع يَدَيْه: حتى لو أَنَّ رَجُلًا بَيْن يَدَيه لَرأَى بيَاضَ إِبْطَيه، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ أَقبلَ عَلينا بِوَجْهه، فقال: هذه الصَّلاةُ التي ذَكرها اللهُ - عز وجل - في كتابه: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: ٢٣٨] » .

  26. (٤١) أخبرنا أبو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، أخبرنا إسماعيلُ الصَّفَّارُ، حدثنا الحَسَنُ بن الفَضل بن السَّمْح، حدثنا سَهْلُ بن تَمَّام (٤) ، حدثنا أبو الأَشْهَب، وسَلْمُ بنُ زَرِير (٥) ، عن أبي رَجَاءٍ (٦) ، فذكره، وقال: «قبل الركوع» (٧) .

  27. (٤٢) وأخبرنا أبو سَعِيد ابنُ أبي عَمْرو، حدثنا أبو العَبَّاس، أخبرنا الرَّبيعُ، قال: قال الشَّافِعيُّ: «قال الله تبارك وتعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} فقيل واللَّهُ أَعْلَمُ: قانتين: مُطِيعِين، وأَمَر رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالصَّلاةِ قَائِمًا، وإنما خُوطِبَ بالفَرائِضِ مَنْ أَطَاقَها، فإذا لم يُطِق القيام، صَلَّى قاعدًا» (١) .

    ج ١ ص ١٣٢
  28. وبهذا الإسناد، قال الشافعي: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: ٤] قيل: صَلِّ في ثِيابٍ طَاهِرَة، وقِيل غَيرُ ذَلك، والأَوَّل أَشْبَه؛ لأَنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أمر أَن يُغْسَل دَمُ الحَيْض مِنَ الثَّوب» (٢) . يعنى للصلاة.

    قال الشَّيخُ: وقد روينا عن أبي عُمَر (٣) -صَاحِبِ ثَعْلَب (٤) - قال: قال ثَعْلَب في قوله - عز وجل -: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: ٤] : «اخْتَلَف النَّاسُ فيه، فَقَالَت طَائِفَةٌ: الثِّيابُ هاهنا: الثياب وقالت طائفة: الثياب هاهنا: القلب» (٥) .

  29. (٤٣) أخبرناه عَلِيُّ بنُ محمد بن عبد الله بن بِشْرَان، عن أبي عُمَرَ فذكره.

  30. (٤٤) أخبرنا أبو سَعِيد مُحَمَّدُ بنُ مُوسى، حدثنا أبو العَبَّاس الأَصَمُّ، أخبرنا الرَّبيع، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «بدأ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَلْقَ آدَم - عليه السلام - مِن مَاءٍ وطِين، وجعلهما معًا طَهَارة، وبَدأ خَلْق وَلَدِه مِن مَاءٍ دَافِق، فكان في ابتداء خَلْق آدَم مِن الطَّاهِرَين -اللذين هما طَهَارة- دلالة لابتداء خَلْقِ غَيْرِه أنه مِن مَاءٍ طَاهِرٍ لا نَجَس» (١) .

    وقال في الإملاء -بهذا الإسناد-: «المَنِيُّ لَيسَ بَنَجَس؛ لأنَّ اللهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَكْرمُ مِن أَنْ يَبْتَدِئَ خَلْقَ مَنْ كَرَّمَه، وجَعلَ مِنهُم النَّبيين والصِّديقِينَ، والشَّهَداءَ والصَّالحِينَ وأَهلَ جَنَّتِه مِن نَجَس فإنه يقول: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: ٧٠] وقال جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {مِنْ نُطْفَةٍ} [يس: ٧٧] من ماء مهين» .

    ج ١ ص ١٣٣
  31. «ولو لم يَكُن (٢) في هذا خبرٌ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكان يَنبغِي أن تكونَ العُقُولُ تَعلم أن اللهَ لا يبتديء خَلْقَ مَنْ كَرَّمَه وأَسْكَنه جَنَّته مِن نَجَس، مع ما فيه مِن الخَبر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أَنَّه كَان يُصَلِّي في الثَّوبِ قَد أَصَابَه المَنِيُّ، فَلا يَغْسِله، إنَّما يُمْسَح رَطْبًا، أو يُعَتُّ (٣) يَابِسًا». على معنى التنظيف.

  32. مع أن هذا قولُ سَعدِ بن أبي وَقَّاص، وابنِ عَبَّاسٍ، وعَائِشَةَ، وغَيرِهِم - رضي الله عنهم -.

  33. (٤٥) أخبرنا أبو سَعِيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله تبارك وتعالى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: ٤٣] قال الشافعي: فقال

    ج ١ ص ١٣٤بعضُ أهلِ العِلم بالقرآن في قول الله - عز وجل -: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ} : لا تَقْربُوا مَوضِع الصلاة.

    قال: وما أَشْبَه ما قال بما قال؛ لأنه لا يكون في الصلاة عُبورُ سَبيل، إنَّما عبورُ السَّبيل في مَوضِعِها، وهو في المسجد، فلا بأس أن يَمُرَّ الجُنُبُ في المسجد مارًّا، ولا يقيم فيه؛ لقول الله - عز وجل -: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ} » (١) .

  34. وبهذا الإسناد، قال الشافعي: «لا بأس أن يَبِيتَ المُشرك في كُلِّ مسجدٍ إلا المَسجِد الحَرَام؛ فإن الله - عز وجل - يقول: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: ٢٨] فلا ينبغي لمشرك أن يدخل المسجد الحرام بحال» (٢) .

  35. (٤٦) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي - رحمه الله -: «ذكر الله تعالى الأذان بالصلاة، فقال: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا} [المائدة: ٥٨] وقال تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: ٩] .

  36. فَأوْجَبَ اللهُ - عز وجل - واللَّهُ أَعْلَمُ إتيانَ الجُمُعَةَ، وسَنَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الأذان للصلوات المكتوبات. فَاحْتَمل أن يكون أَوْجَب إتيانَ صَلاة الجَمَاعة في غير الجمعة، كما أمر بإتيانِ الجُمعة، وتَرْكَ البَيْع، واحتمل أن يكون أَذَّن بها لتُصَلَّى لوقتها، وقد جَمَع رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مُسافرًا ومُقيمًا، خائفًا وغيرَ خَائف.

  37. وقال جَلَّ ثَنَاؤُهُ لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} [النساء: ١٠٢] الآية، التي بعدها.

  38. وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَن جاء الصلاةَ أن يأْتيَها وعليه السكينةُ، ورَخَّص في ترك إتيان صَلاةِ الجَمَاعة، في العذر بما سأذكره في موضعه.

    ج ١ ص ١٣٥
  39. فأشبه ما وصفت من الكتاب والسنة: ألا يَحِلَّ تَركُ أن تُصلَّى كُلُّ مكتوبةٍ في جماعة حتى لا تَخْلُوا جماعة، -مقيمون ولا مسافرون- مِن أَنْ تُصلَّى فيهم صلاةُ جماعة» (١) .

  40. (٤٧) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعيُّ - رحمه الله -: «ذكر الله تعالى الاستئذان، فقال في سياق الآية: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور: ٥٩] وقال: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: ٦] . فلم يذكر الرُّشدَ الذي يستوجبون به أن يُدفَعَ إليهم أموالُهُم إلا بعد بُلوغِ النكَاح.

    قال: وفَرَضَ اللهُ الجِهَادَ، فأبَانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أنه على مَن اسْتَكْمَل خَمْسَ عَشْرَةَ سَنة؛ بأن أَجَازَ ابنَ عُمَرَ عامَ الخَنْدَق ابن خمس عشرةَ سَنة، وَرَدَّه عام أُحُد ابنَ أَرْبع عَشرة سنة (٢) .

    قال: فإذا بلغ الغُلَامُ الحُلُمَ، والجَاريةُ المَحِيضَ-غير مغلوبَيْن على عقولهما- وَجَبَت عليهما الصَّلاةُ والفَرائِضُ كُلُّها، وإن كانا ابنيْ أَقَلِّ مِن خَمْس عشرة سنة (٣) وأُمِر كُلُّ واحد منهما بالصلاة -إذا عقلها- وإذا لم

    ج ١ ص ١٣٦يَعْقِلَا (١) : لم يكُونا كَمن تركها بعد البلوغ، وأؤدبهما على تركها أدبًا خَفيفًا.

    قال: ومن غُلِب على عقله بِعَارِضِ مَرضٍ -أَيِّ مَرَضٍ كَان-: ارتفع عنه الفرض؛ لقول الله تعالى: {وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: ١٩٧] وقوله: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الرعد: ١٩] وإنْ معقُولًا أنه لا يُخَاطَبُ بالأمر والنهي إلا مَن عَقَلَهُما» (٢) .