قاعدة [٧٩] الزرع النابت في أرض الغير بغير إذن صحيح أقسام
٧٥ فقرة، ج ٢ ص ٣٧
الصفحة ١ من ٢
- ج ٢ ص ٣٧
القسم الأوَّل: أن يزرع عدواناً محضاً، غير مستند إلى إذن بالكليَّة، وهو زرع الغاصب؛ فالمذهب: أنَّ المالك إن أدركه نابتاً (١) في الأرض؛ فله تملُّكه بنفقته أو بقيمته على اختلاف الرِّوايتين.
-
وإن أدركه قد حُصد؛ فلا حقَّ له فيه.
-
ونقل حرب عن أحمد: أنَّ له تملُّكه أيضاً.
-
ووهَّم أبو حفص العكبريُّ ناقلها، على أنَّ من الأصحاب من رجَّحها بناء على أنَّ الزَّرع نبت على ملك مالك الأرض ابتداءً، والمعروف في المذهب خلافه.
-
والمعتمد عند الأصحاب في المسألة هو حديث رافع بن خديج (٢) .
-
وقد احتجَّ به أحمد تارة، وقال تارة: ما أراه محفوظاً، وذكر فيه
ج ٢ ص ٣٨حديثاً آخر مرسلاً من مراسيل الحسن بن محمَّد بن الحنفية (١) ، وقال: (هو شيء لا يوافق القياس) (٢) ، وفرَّق بين زرع الغاصب وغرسه حيث يقلع غرسه؛ كما دلَّ عليه قوله: «لَيْسَ لِعرقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (٣) ؛ بأنَّ الزَّرع يتلف بالقلع؛ فقلعه فساد، بخلاف الغرس.
-
ومن الأصحاب من قرر موافقته للقياس: بأنَّ المتولِّد بين أبوين مملوكين من الآدميين يكون ملكاً لمالك الأمِّ دون مالك الأب بالاتفاق، مع كونه مخلوقاً من مائهما، وبطون الأمَّهات بمنزلة الأرض، وماء الفحول بمنزلة البذر، ولهذا سمَّى الله تعالى النِّساء: حرثاً، ولعن النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلم من سقى ماءه زرعَ غيره (٤) ؛ فجعل الولد زرعاً، وهو لمالك أمِّه.
- ج ٢ ص ٣٩
وسرُّ ذلك: أنَّ الحيوان ينعقد من الماءين، ثمَّ يغتذي من دم المرأة؛ فأكثر أجزائه مخلوقة من الأمِّ، كذلك البذر ينحلُّ في الأرض، وينعقد الزَّرع من التُّربة والحبَّة، ثمَّ يغتذي من الأرض ومائها وهوائها؛ فيصير أكثر أجزائه من الأرض.
-
وإنَّما خُيِّر مالك الأرض بين تملكه وبين أخذ الأجرة؛ لأنَّه قابل لاستيفائه (١) بعقد الإجارة، بخلاف الإيلاد، وجُبِر حقُّ صاحب البذر بإعطائه قيمة بذره ونفقة عمله حيث كان متقوِّماً، بخلاف ما يخلق منه الولد؛ فإنَّه لا قيمة له؛ فلذلك لم يجب لأحد الأبوين شيء.
-
وهذا مطَّرد في جميع المتولِّدات بين شيئين؛ في الحيوان والنَّبات والمعدن؛ حتَّى لو ألقى رجل في أرض رجل شيئاً ممَّا يُنبت المعادن؛ لكان الخارج منه لربِّ الأرض كالنِّتاج والزَّرع.
-
وهذه الطَّريقة سلكها القاضي في «خلافه» وابن عقيل والشَّيخ تقي الدين (٢) ، وهذا ملخَّصٌ من كلامه.
-
القسم الثَّاني: أن يؤذن له في زرع شيء، فيزرع (٣) ما ضرره أعظم منه؛ كمن استأجر لزرع شعير فزرع ذرة أو دُخْناً؛ فحكمه حكم الغاصب عند الأصحاب؛ لتعدِّيه بزرعه، فإنَّه غير مستند إلى إذن.
-
والمنصوص عن أحمد في رواية عبد الله: أنَّ عليه ضمان أجرة
ج ٢ ص ٤٠المثل للزِّيادة (١) ، ولم يذكر تملُّكاً؛ فإنَّ هذا الزَّرع بعضه مأذون فيه وهو قدر ضرر الزَّرع المستأجر له، والزِّيادة عليه غير مأذون فيها، وهي غير متميِّزة؛ فكيف يتملَّك المُؤْجِرُ الزَّرع كلَّه؟!
-
وقد ينبني ذلك على اختلاف الوجهين في قدر الواجب من الأجرة؛ هل هو الأجرة المسمَّاة مع تفاوت ما بين الأجرتين من أجرة المثل، أم الواجب أجرة المثل للجميع حيث تمحَّض عدواناً؟
-
والمنصوص الأوَّل، وهو قول الخرقيِّ والقاضي.
-
والثَّاني اختيار ابن عقيل، وحكاه القاضي عن أبي بكر، وكلامه في «التَّنبيه» يوافق الوجه الأوَّل.
-
فعلى الوجه الأوَّل: لا يتوجَّه أن يتملَّك المُؤْجِر الزَّرع كلَّه.
-
وعلى الثَّاني: يتوجَّه ذلك.
-
فكيف جزم القاضي بتملُّكه مع اختياره الوجه الأوَّل في الضَّمان؟!
-
ولو استأجر للزَّرع مدَّة معيَّنة، فزرع فيها ما لا يتناهى في تلك المدَّة، ثمَّ انقضت؛ فقال الأصحاب: حكمه بعد انقضاء المدَّة حكم
ج ٢ ص ٤١زرع الغاصب للعدوان.
-
ثمَّ إنَّ القاضي وابن عقيل قالا: عليه تفريغ الأرض بعد المدَّة.
-
وليس بجار على قواعد المذهب، وإنَّما المالك مخيَّر بين تملُّكه وتركه بالأجرة، فأمَّا القلع؛ فلا.
-
القسم الثَّالث: أن يزرع بعقد فاسد ممَّن له ولاية العقد؛ كالمالك والوكيل والوصي والنَّاظر، إمَّا بمزارعة فاسدة أو بإجارة فاسدة؛ فقال الأصحاب: الزَّرعُ لمن زرعه، وعليه لربِّ الأرض أجرة مثله.
-
وذكر القاضي في «خلافه» : أنَّ أحمد نصَّ عليه في رواية حرب في البيع الفاسد، وإنَّما رواية حرب في الغرس.
-
وذكره الخرقيُّ أيضاً في المزارعة الفاسدة؛ لأنَّ الزَّرع هنا استند إلى إذنِ مَن له الإذن؛ فلا يكون عدواناً.
-
ويحتمل على هذا: التَّفريق بين إذن المالك ومن يتصرَّف لغيره بطريق المصلحة كالوصيِّ؛ فلا يعتبر (١) إذنه؛ لانتفاء المصلحة في العقد الفاسد.
-
ويحتمل أيضاً: التَّفريق بين عقود الملك كالبيع، وعقود التَّصرُّف بالإذن كالمزارعة؛ لأنَّ عقود الملك وقع العقد فيها على الملك دون الإذن، ولهذا لم يصح (٢) تصرُّف المشتري في العقد الفاسد، بخلاف عقود التَّصرُّف؛ فإنَّ الإذن موجود في صحيحها وفاسدها، ولذلك صحَّحنا التَّصرُّف في فاسدها.
- ج ٢ ص ٤٢
وقد ورد في ذلك حديث مرسل من طريق الأوزاعيِّ، عن واصل بن أبي جَميل، عن مجاهد: «أنَّ أربعة اشتركوا في زرع على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، فقال أحدهم: قبلي الأرض، وقال الآخر: قِبَلي الفدن، وقال الآخر: قِبَلي البذر، وقال الآخر: عليَّ العمل، فلمَّا استُحْصد الزَّرع؛ تَفَاتَوْا فيه (١) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل الزَّرع لصاحب البذر، وألغى صاحب الأرض، وجعل لصاحب العمل درهماً كلَّ يوم، وجعل لصاحب الفدَّان شيئاً معلوماً» (٢) .
-
وقد أنكر أحمد هذا الحديث، قال في رواية ابن القاسم: (لا يصحُّ، والعمل على غيره) (٣) ، وقال أبو داود: سمعت أحمد يذكر (٤) هذا الحديث، فقال: (هو منكر؛ لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم جعل الزَّرع لصاحب الأرض، وفي هذا الحديث جعل الزَّرع لصاحب البذر) (٥) .
-
وهذا الكلام يدلُّ على أنَّ العمل عند الإمام أحمد على أن يكون الزَّرع لصاحب الأرض في الإجارة الفاسدة والمزارعة الفاسدة.
وقال في رواية إبراهيم بن الحارث: الحديث حديث أبي جعفر الخطميِّ.
-
يشير إلى ما رواه أبو جعفر عن سعيد بن المسيِّب؛ قال: كان ابن
ج ٢ ص ٤٣عمر لا يرى بها - يعني: المزارعة- بأساً؛ حتَّى بلغه عن رافع بن خديج حديث، فلقيه، فقال رافع: أتى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بني حارثة، فرأى زرعاً، فقال: «ما أحسن زرع ظُهير؛ أليس أرض ظُهير» ؟ قالوا: بلى، ولكنَّه أزرعها، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «خذوا زرعكم، ورُدُّوا عليه نفقته» ، أخرجه أبو داود والنَّسائيُّ (١) .
-
ولأبي داود معناه من حديث عبد الرَّحمن بن أبي أنعم (٢) عن رافع بن خديج (٣) .
-
وللدَّارقطنيِّ نحوه من حديث عائشة (٤) ، ولابن عديٍّ معناه من حديث جابر (٥) ، وفيهما ضعف.
-
وكلُّ هذه واردة في المزارعة الفاسدة لا في الغصب.
-
وقد رجَّح الإمام أحمد حديث أبي جعفر على حديث أبي إسحاق عن عطاء عن رافع بن خديج، فيمن زرع في أرض قوم بغير إذنهم، وقال: (الحديث حديث أبي جعفر) ، وقال في رواية أبي داود: (أبو إسحاق زاد
ج ٢ ص ٤٤فيه: زرع بغير إذنه، وليس غيره يذكر هذا الحرف) (١) (٢) .
-
فقد بيَّن (٣) أنَّ التَّملُّك بالنفقة إنما يثبت عنده في المزارعة الفاسدة لا في الغصب؛ فكيف لا يكون مذهبه في المزارعة الفاسدة: أن يتملَّك الزرع فيها مع ثبوت الحديث فيها بخصوصيتها دون الغصب؟! لا سيَّما وقد أنكر حديث جعل الزَّرع لربِّ البذر، وصرَّح بأنَّ العمل على غيره.
-
وقد خرَّج الشَّيخ تقي الدين وجهاً في المزارعة الفاسدة: أنَّها تملك بالنفقة من زرع الغاصب (٤) . وقد رأيت أنَّ كلام أحمد إنما يدل عليه لا على خلافه.
-
القسم الرَّابع: أن يزرع في أرض غيره بعقد ممَّن يظنُّ أنَّ له ولاية العقد، ثمَّ يتبين (٥) بخلافه، مثل أن يتبيَّن أنَّ الأرض (٦) مستحقَّة للغير:
فالمنصوص: أنَّ لمالك الأرض تملُّكه بالنَّفقة أيضاً، نقله عنه الأثرم وإبراهيم بن الحارث ومهنَّى.
-
وهذا متوجِّه على قول القاضي ومن وافقه: إنَّ غرسه وبناءه كغرس الغاصب وبنائه.
- ج ٢ ص ٤٥
فأمَّا على المنصوص هناك أنَّ بناءه وغراسه محترم؛ كغرس المستعير والمستأجر وبنائهما؛ فيتوجَّه أن يكون الزَّرع لمالكه وعليه الأجرة، ويرجع بها على الغاصب لتغريره.