قاعدة [٧٩] الزرع النابت في أرض الغير بغير إذن صحيح أقسام

٧٥ فقرة، ج ٢ ص ٣٧

الصفحة ٢ من ٢

  1. وبمثل ذلك أفتى الشَّيخ تقيُّ الدِّين (١) ؛ لكنَّه جعل الزَّرع بين المالك والزَّارع نصفين؛ بناء على أصله في اتِّجار الغاصب بالمال أنَّ الربح بينه وبين المالك.

    ج ٢ ص ٤٥
  2. وطَرْدُه: أن يكون زرع الغاصب كذلك، ولكن لا يُعلم (٢) به قائلٌ.

  3. ثمَّ وجدنا ابن أبي ليلى يقول بذلك في زرع الغاصب وفي أجرة ما بناه في الأرض المغصوبة، وقد وافقه أحمد على أجرة البناء خاصَّة.

  4. ويشهد لهذا الوجه: أنَّ الزَّرع النَّابت في أرض الغير ممَّا حمله السَّيل لمالكه مبقًى بالأجرة؛ لحصوله من غير عدوان ولا تفريط؛ وإن كان الإذن منتفياً، وههنا مثله.

  5. ويحتمل أن يتملَّكه مالك الأرض أيضاً؛ كالمزروع بعقد فاسد على ما دلَّ عليه كلام أحمد، وليس الامتناع من قلع الغرس مجاناً منافياً لتملُّك الزرع، فإنَّ المانع من القلع إدخال الضَّرر على مالك الغراس بالنَّقص، وهو معذور؛ لغروره، وقد يتعذَّر عليه الرُّجوع على الغاصب، والمقتضي لتملُّك الزَّرع هو انتفاء الإذن الصَّحيح، وهو موجود هنا (٣) ، ولهذا يتملَّك غراسه وإن قيل باحترامه.

  6. القسم الخامس: أن يزرع في أرضٍ بملكه لها أو بإذن مالكها، ثمَّ ينتقل ملكها إلى غيره والزَّرع قائم فيها، وهو نوعان:

    أحدهما: أن ينتقل ملك الأرض دون منفعتها المشغولة بالزَّرع في بقيَّة مدَّته؛ فالزَّرع لمالكه ولا أجرة عليه بسبب تجدُّد الملك بغير إشكال.

    ج ٢ ص ٤٦
  7. ويدخل تحت هذا:
  8. من استأجر أرضاً من مالكها وزرعها، ثمَّ مات المؤْجِر وانتقلت إلى ورثته.

  9. ومن اشترى أرضاً فزرعها ثمَّ أفلس، فإنَّ للبائع الرجوع في الأرض، والزرع للمفلس (١) .

  10. ومن أصدق امرأته أرضاً فزرعتها (٢) ، ثمَّ طلَّقها قبل الدخول والزرع قائم - وقلنا: له الرجوع (٣) -؛ فإنَّ الزَّرع مبقًى بغير أجرة (٤) .

  11. وكذلك حكم من زرع (١) في أرض يملكها، ثمَّ انتقلت إلى غيره ببيع أو غيره: يكون الزَّرع مبقًى فيها بغير أجرة إلى أوان أخذه.

    ج ٢ ص ٤٧
  12. والنَّوع الثَّاني: أن تنتقل الأرض بجميع منافعها عن ملك الأوَّل إلى غيره.

  13. ومن أمثلة ذلك: الوقف إذا زرع فيه أهل البطن الأوَّل أو من آجروه، ثمَّ انتقل إلى البطن الثَّاني والزَّرع قائم:

    فإن قيل: إنَّ الإجارة لا تنفسخ وللبطن الثَّاني حصَّتهم من الأجرة؛ فالزَّرع مبقًى لمالكه بالأجرة السَّابقة.

  14. وإن قيل: بالانفساخ - وهو المذهب الصَّحيح -؛ فهو كزرع المستأجر بعد انقضاء المدَّة إذا كان بقاؤه بغير تفريط من المستأجر (٢) ؛ فيبقى بالأجرة إلى أوان أخذه.

  15. وقد نصَّ عليه أحمد في رواية مهنَّى في مسألة الإجارة المنقضية.

  16. وأفتى به في الوقف الشَّيخ تقي الدين، وأفتى مرَّة أخرى بأنه يجعل مزارعة بين الزَّارع وربِّ الأرض؛ لنموه من أرض أحدهما وبَذْر الآخر، وكذلك أفتى في الأقطاع المزروعة إذا انتقلت إلى مُقْطَع آخر والزَّرع قائم فيها (٣) .

  17. ومنها: الشَّفيع إذا انتزع الأرض وفيها زرع للمشتري؛ فهو محترم، وهل يستحقُّ أجرة المثل على المشتري؟ على وجهين:

    أحدهما: لا يستحقُّ شيئاً، وهو المذكور في «المغني» و «التَّلخيص» .

    وقال أبو البركات في «تعليقه على الهداية» : هو أصحُّ الوجهين لأصحابنا؛ إلحاقاً له ببيع الأرض المزروعة؛ فإنَّ الأخذ بالشُّفعة نوعُ بيعٍ قهريٍّ.

    ج ٢ ص ٤٨
  18. والثَّاني: أنَّ (١) له الأجرة من حين أخذه، ذكره أبو الخطاب في «انتصاره» ، وهو أظهر؛ لأنَّ حقَّ الشفيع في العين والمنفعة جميعاً؛ لوقوع العقد عليهما، وفي ترك الزرع مجاناً تفويتٌ لحقِّه من المنفعة بغير عوض؛ فلا يجوز (٢) .

  19. القسم السَّادس: احتمل السَّيل بذر إنسان إلى أرض غيره، فنبت فيها، فهل يلحق بزرع الغاصب؛ لانتفاء الإذن من المالك؛ فيتملَّكه بقيمته، أو بزرع المستعير أو المستأجر بعد انقضاء المدَّة؛ لانتفاء العدوان من صاحب البذر؟ على وجهين.

  20. أشهرهما: أنَّه كزرع المستعير، وهو اختيار القاضي وابنه أبي الحسين وابن عقيل، وذكره أبو الخطاب عن أحمد.

    ج ٢ ص ٤٩
  21. لكن هل يترك في الأرض مجاناً أو (١) بأجرة؟ على وجهين:

    أحدهما: يترك مجاناً، قاله القاضي وابن عقيل؛ لأنَّه وإن انتفى عنه إذن المالك؛ فقد انتفى عنه فعل الزَّارع؛ فيتقابلان، ولأنَّه حصل في الأرض بغير تفريط؛ فهو كالقائم في الأرض المبيعة.

  22. والثَّاني: له الأجرة، وذكره أبو الخطاب عن أحمد؛ لأنَّه زرع حصل ابتداؤه في أرض الغير بغير إذنه (٢) ؛ فأوجب الأجرة كالمشتري من الغاصب وهو لا يعلم.

  23. القسم السَّابع: من زرع في أرض غيره بإذن غير لازم- كالإعارة (٣) -، ثمَّ رجع المالك؛ فالزَّرع مبقًى لمن زرعه إلى أوان أخذه (٤) بغير خلاف.

  24. لكن هل تجب عليه الأجرة من حين الرُّجوع أم لا؟ على وجهين:

    أشهرهما: الوجوب، وهو قول القاضي وأصحابه.

  25. والثَّاني: انتفاؤه؛ لأنَّه دخل على الانتفاع بغير عوض، وهو اختيار صاحب «المحرَّر» ، وظاهرُ كلام أحمد في رواية صالح يشهد له (١) .

    ج ٢ ص ٥٠
  26. القسم الثَّامن: من زرع في ملكه الَّذي مُنع من التصرف فيه لحقِّ غيره؛ كالرَّاهن والمؤْجِر، وكان ذلك يضرُّ بالمستأجر وبالمرتهن؛ لتنقيصه قيمة الأرض عند حلول الدَّين؛ فهو كزرع الغاصب، وكذلك غراسه وبناؤه؛ فيقلع الجميع، ذكره القاضي في «خلافه» .

  27. وإنَّما يقلع (٢) الزَّرع هنا؛ لأنَّ مالك الأرض هو الزَّارع، والمتعلِّق حقُّه بها لا يمكنه تملُّكه؛ لعدم ملكه، فيتعيَّن (٣) القلع، وفيه نظرٌ.

  28. أمَّا في الرَّهن؛ فيمكن أن يقال: إنَّ نقص الأرض ينجبر برهنيَّة الزَّرع؛ فإنَّه من جملة نماء الأرض، فيدخل في الرَّهن، فلا يجوز قلعه لذلك، مع ما فيه من إتلاف مال الرَّاهن.

  29. وقد صرَّح القاضي في «المجرد» ، وابن عقيل في «الفصول» : بأنَّ الغراس الحادث في الأرض المرهونة بنفسه أو بفعل الرَّاهن يكون رهناً (٤) ؛ لأنَّه من نمائها، والزَّرع مثله.

  30. ولو قيل: إنَّه لا يدخل في الرَّهن؛ فيجوز أن يؤخذ من الرَّاهن أجرةُ مثله، أو ما نقص من قيمة الأرض بسببه ويجعل رهناً.

  31. وقد وقع في كلام أحمد في رواية ابن منصور، وفي كلام ابن أبي موسى: ما يدلُّ على (١) جواز انتفاع الرَّاهن بالرَّهن بإذن المرتهن، ويؤخذ منه الأجرة وتجعل رهناً (٢) ، وهذا في معناه.

    ج ٢ ص ٥١
  32. وأمَّا المستأجر ولا سيَّما إن كان استأجر للزَّرع؛ فيجوز أن يقال: له تملُّك الزَّرع بنفقته؛ إذ هو مالك المنفعة، كما يقال مثله في الزَّرع في أرض الوقف: إنَّ الموقوف عليه يتملَّكه بالنَّفقة؛ لملكه منفعة الأرض.

  33. ويحتمل تخريج ذلك على الوجهين في تملُّك الموقوف عليه للشُّفعة بشركة الوقف، على طريقة من علَّل ثبوتَ الشُّفعة بكونه مالكاً، وانتفاءَها بقصور ملكه؛ فكذلك هنا.

  34. كذا القول في تملُّكه للغراس (٣) والبناء.

  35. وعلى هذا يتخرَّج ما (٤) لو غُصبت الأرض الموصى بمنافعها أو

    ج ٢ ص ٥٢المستأجرة وزُرع فيها؛ فهل يملك الزَّرع (١) مالك الرَّقبة أو مالك المنفعة؟