قاعدة [٨٨] في الانتفاع وإحداث ما ينتفع به في الطرق المسلوكة في الأمصار والقرى وهوائها وقرارها.
٦٢ فقرة، ج ٢ ص ١٩٦
الصفحة ٢ من ٢
- ج ٢ ص ٢٠٣
وأمَّا الآمديُّ؛ فحمل المنع على حالة ضيق الطَّريق، والجواز على حالة سعته، فالمذهب (٣) عنده: الجواز مع السَّعة وعدم الإضرار رواية واحدة.
-
ومن المتأخرين من جعل المذهب: المنع رواية واحدة.
-
وصرَّح صاحب «التلخيص» بجريان الخلاف في صورتي القيام والرَّبط.
-
وخالف بعض المتأخرين، وقال: الرَّبط عدوان بكلِّ حال.
-
وربط السَّفينة وإرساؤها في النَّهر المسلوك؛ قال ابن عقيل: إن كان
ج ٢ ص ٢٠٤بإذن الإمام والطَّريق واسع والجريان معتدل؛ جاز، وإلَّا لم يجز.
-
وخالف بعض الأصحاب في اعتبار إذن الإمام في هذا؛ لتكرُّره، قال الميمونُّي: ملت أنا وأبو عبد الله إلى الزَّواريق - يعني: في دجلة -، فاكترى زورقاً من الزَّواريق، فرأيته يتخطَّى زواريق عدَّة لأناس، ولم أره استأذن أحداً منهم؛ قال بعض الأصحاب: لأنَّه حريم دجلة، وهو مشترك بين المسلمين، فلما ضيَّقوه؛ جاز المشي عليه.
-
وعلى قياس ذلك: لو وُضع في المسجد سريرٌ ونحوه؛ جازت الصَّلاة عليه من غير استئذان، بخلاف ما إذا بسط فيه مصلًّى، وقلنا: لا يثبت به السَّبق؛ فإنَّه يُرفع ويُصلَّى موضعه، ولا يصلَّى عليه؛ لأنَّ رفعه لا مشقَّة فيه.
-
ومن ذلك: الانتفاع بالطَّريق بإلقاء الكناسة والأقذار، فإن كانت (١) نجاسة؛ فهو كالتَّخلي في الطريق، وهو منهيٌّ عنه، لكن هل هو نهي كراهة أو تحريم؟ كلام الأصحاب مختلف في ذلك.
-
وإن كان ممَّا يحصل به الزَّلق؛ كرشِّ الماء وصبِّه، وإلقاء قشور البطيخ، أو يحصل به العثور كالحجر؛ فلا يجوز، والضَّمان واجب به، وقد نصَّ عليه أحمد في رشِّ الماء.
قال في «التَّرغيب» : إلَّا أن يرشَّه؛ ليسكن الغبار؛ فهو مصلحة عامَّة، فيصير كحفر البئر للسَّابلة، وفيه روايتان.
-
ومنها: الحفر في الطَّريق، وهو ممنوع، سواء تركه ظاهراً أو غطَّاه
ج ٢ ص ٢٠٥وأسقف (١) عليه، قال المرُّوذيُّ: سألت أبا عبد الله عن الرَّجل يحفر في فنائه البئر أو المخرج المعلَّق؟ قال: لا، هذا طريق المسلمين (٢) ، قلت: إنَّما هي بئر تحفر ويُسدُّ رأسها، قال: أليس في طريق المسلمين؟! أكره هذا كلَّه (٣) .
-
فمنع من التَّصرُّف في باطن الطَّريق بالحفر.
-
ونقل عنه ابن هانئ وابن بختان والفضل بن زياد: في رجل في داره شجرة، فنبت من عروقها شجرة في دار رجل آخر: لمن الشَّجرة؟ قال: ما أدري ما هذا؟ ربَّما كان ضرراً على صاحب الأرض (٤) .
قال القاضي: وظاهر هذا أنَّه إذا لم يكن فيها ضرر، وهو أن تكون (٥) عروقها تحت الأرض، لا يؤخذ بقلعها؛ لأنَّ الضَّرر إنَّما يكون بظهورها على وجه الأرض، انتهى.
-
وفيه نظر ظاهر (٦) ، وصرَّح ابن عقيل في «الواضح في أصول الفقه» بوجوب إزالة عروق شجره (٧) من أرض غيره.
- ج ٢ ص ٢٠٦
ومنها: إشراع الأجنحة والساباطات والخشب والحجارة في الجدار إلى الطَّريق؛ فلا يجوز، ويضمن به، نصَّ عليه أحمد في رواية أبي طالب وابن منصور ومهنَّى وغيرهم (١) ، ولم يعتبر إذن الإمام في ذلك، وكذا ذكر القاضي في «المجرَّد» ، وصاحب «المغني» .
وقال القاضي في «خلافه» والأكثرون: يجوز بإذن الإمام مع انتفاء الضَّرر به.
-
وفي «شرح الهداية» للشَّيخ مجد الدِّين في كتاب الصَّلاة: إن كان لا يضرُّ بالمارة جاز.
- وهل يفتقر إلى إذن الإمام؟ على روايتين:
-
إحداهما: يفتقر؛ لأنَّه ملك مشترك بين المسلمين؛ فلا يجوز تخصيصه بجهة خاصَّة إلَّا للإمام.
-
والثَّانية: لا يفتقر؛ لأنَّ منفعة الطَّريق المرور، وهو لا يختلُّ (٢) بذلك.
-
وأمَّا الميازيب ومسيل المياه؛ فكذلك عند الأصحاب، قال المروذيُّ: سُقِّف لأبي عبد الله سطح الحاكة، وجعل مسيل الماء إلى الطَّريق، وبات تلك اللَّيلة، فلما أصبح قال: ادع إليَّ النَّجَّار يحوِّل الميزاب إلى الدَّار، فدعوته له، فحوَّله (٣) .
- ج ٢ ص ٢٠٧
وهذا لا يدلُّ على التَّحريم؛ لأنَّه لو اعتقده محرماً لم يفعله ابتداء، وإنَّما حوَّله؛ تورعاً لحصول الشُّبهة فيه.
-
وفي «المغني» احتمال بجوازه مطلقاً مع انتفاء الضَّرر، واختاره طائفة من المتأخِّرين.
وقال الشَّيخ تقي الدِّين: إخراج الميازيب إلى الدَّرب النَّافذ هو السُّنَّة (١) ، وذكر حديث العبَّاس في ذلك (٢) .
-
والمانعون يقولون: ميزاب العبَّاس وضعه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بيده؛ فكان أبلغ من إذنه فيه (٣) ، ولا كلام فيما أذن فيه (٤) الإمام، والله أعلم (٥) .